16 سنة من العمل في الجزائر تنتهي بسبع سنوات سجنا.. مأساة مغربي تنتظر أسرته معرفة مصيره
تعيش عشرات الأسر المغربية حالة من القلق البالغ والمعاناة الصامتة، بعد اعتقال أبنائها في الجزائر في ظروف غامضة وتوجيه تهم خطيرة إليهم، وهي اتهامات تشكك تقارير حقوقية في صحتها، معتبرة أن مهاجرين قد يكونون ضحايا للاستغلال أو لحسابات ضيقة. واشتدت هذه المخاوف عقب إعلان السلطات الجزائرية تفكيك ما وصفته بخلية إرهابية تضم 61 مغربيا.
ومن بين هذه القصص الإنسانية، تبرز مأساة لبنى، ابنة مدينة فاس، التي يطبع الألم كلماتها وهي تروي تفاصيل محنتها، بعدما تحولت حياة أسرتها في لمح البصر من الاستقرار إلى انتظار مرير.
تحكي لبنى، في حديثها إلى صحيفة “صوت المغرب”، عن زوجها أحمد بن الدياب، الذي قضى 16 سنة يعمل صباغا بمدينة تلمسان الجزائرية. وتقول إن وضعيته القانونية كانت سليمة، وإن الأمور كانت تسير بشكل طبيعي، إذ كان يعيل أسرته ويزور زوجته وأبناءه في المغرب من حين إلى آخر، عبر رحلات جوية تمر بتونس.
اختفاء غامض
لكن تلك الطمأنينة انكسرت فجأة؛ فقبل أسبوع واحد من حلول شهر رمضان، قبل نحو ثلاث سنوات، اختفى أحمد وانقطع أثره. وتقول زوجته بحسرة: “لم أتوقع ذلك قط، لأن وضعيته كانت قانونية. حاولت التواصل معه مرارا وتكرارا، وفي المرة الأخيرة أجابتني الشرطة الجزائرية باقتضاب مخيف: ‘زوجك أحمد عند الشرطة، لا تعاودي الاتصال'”.
شعرت لبنى بالاطمئنان في البداية، ظنا منها أن الأمر لا يعدو أن يكون سوء تفاهم عابرا سيجري حله قريبا، بالنظر إلى سلامة وضعه القانوني. لكن الصدمة جاءت بعدما تولى شقيق زوجها توكيل محام هناك، لتكتشف خطورة التهم الموجهة إليه، وفق روايتها، قائلة بحرقة: “أغرقوه بالتهم… وجهوا إليه تهم تهريب الأموال من الخارج والاتجار بالبشر!”.
وصدر في حق أحمد حكم بالسجن النافذ لمدة سبع سنوات، كما نُقل إلى سجن بمدينة وهران، لتتحول حياة أسرته إلى معاناة قاسية. ومرت ثلاث سنوات ثقيلة لم يتمكن خلالها طفلاه من سماع صوت أبيهما أو التحدث معه.
وتروي لبنى ظروف اعتقاله، ناقلة ما وصل إليها عبر شاب جزائري تواصل معها بعدما منحه أحمد رقم هاتفها، قائلة: “أعلم جيدا أن زوجي مظلوم. لقد اشتكى لي من الجوع، ولم يتمكن من الاستحمام لأربعة أشهر كاملة بسبب عدم توفر الماء. إنه مدمر نفسيا وجسديا”.
ومع انقطاع التواصل نهائيا منذ 6 مارس 2024، ووفق روايتها، تجد لبنى نفسها وحيدة في مواجهة مصير مجهول، رفقة طفليها.
وتصف وضعها المادي بأنه تدهور بشكل كبير بعدما كانت تعيش دون ضائقة مالية، مضيفة أنها “لم تعلم يوما العمل لأن زوجها كان يرفض ذلك حماية لها”. وتجد نفسها اليوم عاجزة أمام أعباء الحياة ومصاريفها.
نداء استغاثة
توجه لبنى نداء استغاثة إلى السلطات المغربية، مطالبة بالتدخل من أجل نقل زوجها أحمد إلى أحد السجون المغربية، حتى تتمكن من زيارته ويستطيع أبناؤه رؤيته.
وتقول بنبرة حزينة: “أناشد السلطات المغربية نقله إلى السجون المغربية، فعلى الأقل نستطيع زيارته. أبناؤه لم يتحدثوا معه يوما… لو ارتكب جريمة قتل، لما انتقموا منه بهذه الطريقة”.
ولا تمثل قصة أحمد ولبنى سوى واحدة من القصص التي تعكس معاناة أسر مغربية تنتظر معرفة مصير أبنائها المحتجزين في الجزائر، وسط مخاوف بشأن ظروف احتجازهم وإمكانية التواصل معهم.
يشار إلى أن السلطات الجزائرية أعلنت اعتقال 61 مغربيا ضمن ما وصفته بـ”شبكة تخريبية”، وقالت إنهم تسللوا قبل أيام إلى الجزائر عبر الحدود الشرقية مع تونس، دون صدور رد رسمي من الرباط بشأن هذه القضية، وفق المعطيات الواردة في المادة.
في المقابل، تشير تقارير حقوقية مغربية إلى احتمال ارتباط هذه الحالات بمهاجرين غير نظاميين وقعوا ضحايا لشبكات استغلال منظمة.
وفي هذا السياق، أوضحت الناشطة الحقوقية فاطمة الزهراء بوغنبور أنها أجرت اتصالات مع ممثلين عن المنظمة الدولية للهجرة في الجزائر، إلى جانب هيئات حقوقية، في محاولة للحصول على لائحة رسمية بأسماء المحتجزين أو التهم الموجهة إليهم. غير أن هذه الجهود، بحسب إفادتها، لم تسفر عن معطيات دقيقة، ما يزيد من صعوبة تحديد مصير المعنيين بالأمر أو معرفة أماكن احتجازهم.
ودعت بوغنبور السلطات المعنية إلى الكشف العاجل عن هويات المحتجزين والمتابعين قضائيا، وتوضيح وضعياتهم القانونية وظروف احتجازهم، تفاديا لأي تجاوزات أو أحكام قاسية قد تطالهم.