story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
الصوت الواضح |

رقصة هرمز

ص ص

قلنا من قبل في هذا الركن، ودون تهيؤات ولا إنكار للواقع ولكون القوة العسكرية والأمريكية هل أكبر آلة للبطش والتدمير عرفها الإنسان منذ وجد فوق هذه البسيطة؛ إن الفرس لا يدخلون الحرب كما يدخلها الهواة، ولا يجلسون إلى الطاولة كما يجلس إليها سماسرة الوقت الضائع.

لقد برهن الإيرانيون أنهم دخلون الحرب، بشكليها العسكري والدبلوماسي، بعقل لاعب الشطرنج الذي يعرف أن القطعة لا تتحرك فقط لتهاجم، بل لتعيد رسم الرقعة كلها. وهذا بالضبط ما نشهده في الأيام القليلة الماضية. الولايات المتحدة تريد أن تبيع العالم رواية بسيطة عن حرب بدأت في 28 فبراير بضربات أمريكية إسرائيلية على إيران تحت عنوان منعها من امتلاك سلاح نووي، ثم وجدت نفسها، بعد سبعة أسابيع من النار والإنهاك، تفاوض على الممر المائي الذي ظنت أنه مجرد تفصيل جغرافي.

فجأة وفي غفلة من الجميع، لم يعد السؤال: ماذا بقي من البرنامج النووي الإيراني؟ بل: من يملك مفتاح هرمز؟

هذه هي قصة “الرقصة” كلها: واشنطن قصفت لتكسر طموحا استراتيجيا، فإذا بطهران تنقل المعركة من السماء إلى عنق السوق العالمية. مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط والغاز المسال بحرا، لم يعد ممرا، بل صار لغة تفاوض. أُغلق ثم فُتح جزئيا ثم عاد إلى التوتر، وارتفعت أسعار النفط من جديد مع كل خبر عن تعثر المفاوضات أو اشتعال البحر.

من كان يظن أن الإيراني الذي ضُربت مدنه ومنشآته سيجلس منكفئا على جراحه، لم يفهم بعد أن مدرسة طهران، حين تُحاصر، لا تبحث عن مخرج أخلاقي، بل عن خانة قاتلة على الرقعة.

في 17 أبريل بدا لوهلة أن شيئا من الانفراج قد وُلد. إيران أعادت فتح المضيق أمام السفن التجارية، وخرجت تصريحات أمريكية وإيرانية تتحدث عن ممر مفتوح، وعن إمكان استئناف التفاوض. لكن طهران لم تفتح البحر بالمجان؛ بل فعلت ذلك وهي تضع شرطها في قلب المضيق نفسه: لا عبور طبيعيا ما دام الحصار الأمريكي على موانئها قائما.

لم تكن إيران تتراجع هنا، بل كانت تنقل الخصومة من صيغة “إما الحرب أو الاتفاق” إلى صيغة أكثر دهاء مفادها “إما أن تُرفع اليد عن موانئنا، أو يبقى العالم كله واقفا على أطراف أصابعه أمام هرمز”.

صادرت الولايات المتحدة بعد ذلك سفينة شحن ترفع العلم الإيراني قرب المضيق، وقالت إنها كانت تحاول كسر الحصار البحري، فردت طهران بوصف العملية بأنها “قرصنة مسلحة”، وتوعدت بالرد، فيما أعلنت الصين قلقها مما سمّته “اعتراضا قسريا” ودعت إلى التهدئة واستمرار المفاوضات.

هكذا تحولت واشنطن من قوة تقول إنها جاءت لضبط إيران إلى طرف يغامر بتفجير وقف إطلاق نار هش من أجل سفينة. وبحركة واحدة على الرقعة، أعاد الإيرانيون تعريف الأزمة بطريقتهم: لم يعد النقاش فقط حول منشآت نووية أو صواريخ، بل حول من يعطّل حرية الملاحة ومن يدفع العالم إلى حافة اختناق العالم طاقيا.

ومن فرط الارتباك، صار الخطاب الأمريكي نفسه يتعثر. ترامب يقول إن المفاوضين في الطريق إلى باكستان، ثم يلوّح بأنه “من غير المرجح جدا” أن يجدد وقف النار، ثم يعد في اليوم نفسه باتفاق “أفضل كثيرا” من اتفاق 2015، ثم يربط انخفاض أسعار البنزين بنهاية الحرب، كما لو أن ناخبه الأمريكي هو البوصلة الحقيقية لكل هذه النار.

لكل ذلك بدا المشهد في الأيام الأخيرة، كأن طهران تفاوض بيد على الطاولة ويد على الحنجرة البحرية للعالم. نقلت وكالة “رويترز” أن إيران تدرس حضور جولة جديدة من المحادثات في باكستان بعد تحركات إسلام آباد لإنهاء الحصار الأمريكي على موانئها، أي أن طهران لا تذهب إلى التفاوض لأن واشنطن دعتها، بل لأن أحد مفاتيح العقدة بدأ يتحرك لصالحها.

لاحظوا جيدا، المفاوض الإيراني لا يتّجه إلى الطاولة هربا من القصف فقط؛ بل يجر الطاولة نفسها إلى المربع الذي يفيده، إلى هرمز تحديدا. وهنا تعود استعارة الشطرنج التي أشرنا إليها في هذا الركن سابقا.

اللاعب الضعيف يخلط بين التضحية والخسارة. أما اللاعب الداهية فيعرف أن بعض الخسائر الموجعة يمكن أن تُغيّر المباراة كلها. إيران دفعت أثمانا باهظة منذ بدء الحرب، لكن ما فعلته في الأيام الأخيرة هو أنها أجبرت خصومها على الخروج من منطقة الراحة.

كانوا يريدون حربا عنوانها “السلاح النووي”، فإذا بهم ينتهون إلى تفاوض عنوانه “هرمز”. كانوا يريدون إقناع العالم بأن المشكلة اسمها طهران فقط، فإذا بالمشكلة تصبح أيضا الحصار الأمريكي، والممرات البحرية، وسعر النفط، وقلق الصين، وتوجس الخليج، وعقوبات أوروبية جديدة تُصاغ على وقع الماء لا على وقع اليورانيوم وحده.

ولا أحد يمكنه أن يخطئ في قراءة ارتباك الجوار الخليجي. فهذه الدول باتت تخشى أن تنتهي المفاوضات الأمريكية الإيرانية إلى تثبيت قبضة طهران على هرمز، دون معالجة بقية هواجس الأمن الإقليمي.

لهذا تبدو “رقصة هرمز” أصدق تعبير عن هذه المرحلة كلها. فهي ليست رقصة منتصر واضح ولا مهزوم يائس. إنها رقصة لاعب يعرف أن خصمه أقوى منه في الجو والمال والتحالفات، لكنه ليس أذكى منه في توقيت النقلة وفي اختيار المربع الذي يُرغم الجميع على النظر إليه.

الأميركي دخل الحرب وهو يعد بالقضاء على الخطر. والإسرائيلي دخلها وهو يحلم بتقليم أظافر إيران إلى الأبد. لكنهما، بعد أسابيع من الدم، يطاردان الآن ممرا بحريا وسفينة وهدنة ومفاوضات مرتبكة. أما الإيراني، فيرقص رقصته الثقيلة على إيقاع المضيق: يفتحه قليلا ليقول إنه قادر على الإغلاق، ويقترب من الطاولة ليقول إنه قادر على نسفها، ويترك خصومه يعلنون أهدافا كبرى، ثم يعيدهم، خطوة خطوة، إلى عنق الزجاجة.

ليست كل الحروب تُحسم بالصواريخ، بل إن بعضها يُحسم بممر مائي ضيق يعرف الإيرانيون أنه ليس مجرد جغرافيا، بل قطعة ملكة تتحرك على رقعة كاملة.

من لا يفهم هذه البديهة، سيواصل النظر إلى النار في طهران، بينما المباراة الحقيقية تُلعب في مياه هرمز.