story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
إعلام |

رغم غزارتها.. كيف تجاوزت ملاعب المغرب اختبار الأمطار بنجاح؟

ص ص

مع انطلاق بطولة كأس أمم إفريقيا لكرة القدم 2025، واجهت الملاعب المغربية أول اختبار حقيقي لها. امتحان لم يكن خصمًا داخل المستطيل الأخضر، بل سماءً مثقلة بالغيوم وأمطارا غزيرة هددت بتحويل الملعب إلى برك مائية يستحيل معها استكمال المباريات.

الأمطار التي انطلقت أيام قليلة قبل البطولة الإفريقية أثارت مخاوف لدى الكثيرين بمدى قدرة الملاعب المغربية على الصمود في وجه الأمطار، وأعادت للأذهان ذكريات سنة 2014 عندما تحولت أرضية المركب الرياضي الأمير مولاي عبد الله بالرباط، خلال تنظيم كأس العالم للأندية، إلى برك مائية بسبب السيول المطرية.

وزادت هذه المخاوف حدّة بعد إلغاء مباراة تحديد المركز الثالث في بطولة كأس العرب بقطر بسبب الأمطار الغزيرة التي أغرقت ملعب “خليفة” الدولي على نحو جعل استكمال المباراة بين السعودية والإمارات خلال شوطها الثاني أمرا مستحيلا، وذلك ثلاثة أيام فقط قبل انطلاق كأس الأمم الإفريقية على الأراضي المغربية.

أول تحدّ كان مع المباراة الافتتاحية للبطولة، التي جمعت المنتخب الوطني المغربي بمنتخب جزر القمر، حيث عرف ملعب الأمير مولاي عبد الله بالرباط، الذي احتضن اللقاء، تساقطات مطرية غزيرة تواصلت لما يقارب أربع ساعات.

ومع صافرة انطلاق المباراة، بدت أرضية الملعب غير عابئة بتلك الأمطار الكثيفة، التي تابعها أزيد من 60 ألف متفرج وهي تنهمر فوق العشب. أقدام اللاعبين كانت تتناقل الكرة بسلاسة وانسيابية، دون أي تأثير لهذه الأمطار على أرضية الملعب.

تكرر نفس السيناريو في باقي المباريات، اختفت المياه بعد هطولها، واختفت معها الانتقادات التي طبعت عددًا من النسخ السابقة لكأس أمم إفريقيا، والتي اعتاد خلالها المتابعون سماع شكاوى اللاعبين والمدربين، وهم يحمّلون أرضية الملعب جزءًا كبيرًا من مسؤولية التأثير على مجريات المباريات.

لكن ما لم يكن ظاهرًا للعيان، هو أن هذا الانسياب فوق أرضية الملعب رغم غزارة الأمطار لم يكن وليد الصدفة، بل ثمرة عمل منظومة متكاملة تشتغل تحت العشب تدعى “SubAir”، بالإضافة إلى عناية دقيقة بعشب الملعب طيلة السنة، وذلك لضمان تصريف المياه، وقت تساقطها، وجعل الأرضية عاملا مساعدا في تقديم مستوى أداء جيد، بدل أن تتحول إلى عائق يؤثر سلبا على إيقاع المباراة.

نظام “SubAir”

عادةً ما تعتمد الملاعب التقليدية على نظام الصرف بالجاذبية للتخلّص من مياه الأمطار، غير أن هذا الأسلوب يصبح غير كافٍ في حالات التساقطات الغزيرة، والتي تؤدي، في دقائق معدودة، إلى تشكّل برك مائية فوق أرضية الملعب، وهو ما يستحيل معه إكمال المباراة.

في المقابل، يوفّر نظام (SubAir) الذي تعتمده الملاعب المغربية حلاً تقنيا، يتيح استعمال آليات متقدمة لشفط مياه الأمطار من على أرضية الملعب بسرعة تفوق الصرف الطبيعي بما يصل إلى 36 مرة، حيث تقوم شبكة الأنابيب المثقبة، المدمجة تحت العشب، بتصريف المياه بمعدل مذهل يصل إلى 10.000 لتر في الدقيقة.

وهكذا، يمنع النظام تشكّل البرك المائية، ما يسمح بمواصلة المباريات دون توقف، مع الحفاظ على انسيابية طبيعية لحركة الكرة طوال أطوار المباراة، بالإضافة إلى ضمان سلامة اللاعبين عبر تقليص مخاطر الانزلاق والإصابة.

ولا يقتصر دور نظام (SubAir) على تدبير مياه الأمطار فقط، بل يمكن استخدامه خارج أوقات المباريات لضخ الأكسجين داخل التربة، بهدف تهوية الجذور والحفاظ على صحة العشب على مدار السنة.

ويساهم ذلك في منح أرضية الملعب الخضرة المطلوبة، بما يضفي عليها تلك الجمالية اللافتة خلال البث التلفزيوني، ويضمن في الوقت نفسه جاهزية الملعب لاحتضان مباريات عالية المستوى.

وكان ملعب الأمير مولاي عبد الله بالرباط أول ملعب يشهد تركيب هذا النظام، تحت إشراف الشركة البريطانية “بيرنهارد إند كومباني” (Bernhard and Company)، التي سبق لها أن تولّت تركيب التقنية الأمريكية نفسها في الملاعب القطرية التي احتضنت كأس العالم 2022، فضلًا عن تركيبها في ملاعب مخصّصة لرياضات أخرى، من بينها الكريكيت، والغولف، وكرة القدم الأمريكية.

صيانة دقيقة

ولا تعتمد الملاعب المغربية على هذه التقنية فقط، بل تخضع أيضًا لعمليات صيانة دقيقة ومعقّدة تُنجَز بشكل دوري، إلى جانب اعتماد انتقال مدروس بين أنواع مختلفة من العشب، بما يتلاءم مع متطلبات فصول السنة.

  • فخلال الأشهر الباردة، الممتدة من نونبر إلى أبريل، يتم زرع عشب “الري-غراس” (Ray-grass)، الذي يتميز بقدرته على تحمّل درجات الحرارة المنخفضة التي تطبع هذه الفترة من السنة.
  • أما خلال الأشهر الحارة، من ماي إلى أكتوبر، فيجري الانتقال إلى عشب “برمودا”، المعروف بقدرته العالية على مقاومة درجات الحرارة المرتفعة واحتكاكات اللاعبين، فضلًا عن حاجته إلى كميات أقل من المياه.

وتُعد فترات الانتقال من نوع عشب إلى آخر مرحلة بالغة الحساسية، إذ تتطلب عناية خاصة وتدبيرا دقيقا، يشمل سلسلة من العمليات التقنية، بهدف ضمان انتقال سلس ومعالجة مختلف الإكراهات والمشاكل المتراكمة خلال المرحلة السابقة.

وقد يؤدي أي تقصير في العناية بالعشب إلى بروز عدة مشاكل، تنعكس أولًا على جمالية أرضية الملعب من خلال ظهور مناطق مصفرّة وأخرى متضرّرة بشكل واضح.

غير أن الأثر الأهم يظل مرتبطًا بانسيابية الكرة فوق أرضية الملعب، وبالتالي بمستوى أداء اللاعبين، بحيث أن عدم استواء الأرضية بالشكل المطلوب يحول دون تقديم اللاعبين لأفضل مستوياتهم، بل وقد يعرّضهم أيضًا لخطر الإصابات.

وبذلك، تكون الملاعب الوطنية قد كسبت الرهان أمام امتحان الظروف المناخية، وصارت علامة فارقة في نجاح البطولة الإفريقية، بفضل أنظمة ذكية كـ“SubAir” وبرامج صيانة دقيقة تراعي أدق التفاصيل. بحيث أن المغرب نجح في تحويل التحدي المناخي إلى رسالة طمأنة، تؤكد أن ملاعبه قادرة على احتضان أكبر التظاهرات القارية والدولية في أفضل الظروف.