story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
إعلام |

دوريات رمضان لكرة القدم.. قدرة “الدرب” المغربي على صناعة الفرجة

ص ص

مع حلول شهر رمضان المبارك من كل سنة، تستعيد الشوارع والازقة في جل المدن والقرى المغربية عادة قديمة ترتبط بكرة القدم، حيث تتحول المساحات وسط الأحياء السكنية الشعبية، والفضاءات المفتوحة بجوارها، إلى ملاعب مؤقتة تحتضن مباريات تكتمل فيها جميع شروط الفرجة والإحتفالية بحضور جمهور كثيف يتحلق حول رقعة التباري.

الدوريات الرمضانية في كرة القدم بالمغرب، ليست مجرد تقليد سنوي مرتبط بالرغبة في مزاولة الرياضة خلال الشهر الفضيل، بل هي ظاهرة سوسيو-رياضية متجذرة في الوجدان الشعبي، تعكس قدرة “الدرب” المغربي على خلق متنفس اجتماعي للفرح بأدوات بسيطة، وتحويل هذه المساحة وسط الحي الى مختبر حقيقي تبرز فيه المواهب الكروية التي قد لا تلقى فرصتها في المسارات العادية نحو ولوج مراكز التكوين النظامية، واللعب مع الأندية المحترفة

الحي مدرسة التكوين القديمة

لقد شكل “دوري الحي” على مر العقود الافراز الطبيعي والمنطقي للتحولات الديموغرافية والزحف العمراني الذي شهدته المدن المغربية خلال العقدين الاخيرين. ففي الوقت الذي تعاني فيه الاندية المغربية الكبيرة ومراكز التكوين التابعة لها من غياب سياسة تكوين فعالة تستقطب العدد الهائل من المواهب المنتشرين في أحياء المدن والقرى، ظل “الدرب” هو الملاذ والمنفس الوحيد لهؤلاء الباحثين عن موطئ قدم في عالم “المستديرة”. وفي هذه الملاعب التي قد لا تتوفر فيها دائما شروط الممارسة المثالية، يجد الشاب المغربي حريته الكاملة في مداعبة الكرة بعيدا عن صرامة التكتيكات الجافة، منتظرا تلك اللحظة الفارقة التي قد تنقله من ظل الاحياء الشعبية الى اضواء الملاعب الكبرى والمستوى العالي لكرة القدم.

أحياء صنعت الاساطير الكروية

ولا يمكن الحديث عن هذه الظاهرة دون استحضار الذاكرة الحية للأحياء التي كانت بمثابة مدارس تكوين حقيقية تخرج منها أساطير كرة القدم الوطنية. فمن ينسى حي “درب السلطان” و”درب كلوطي” و”الحي المحمدي” بالدار البيضاء، وهي الأحياء التي كانت قلاعا كروية أنجبت اسماء هزت شباك الخصوم في أرقى الدوريات الاوروبية.

فمن قلب هذه الاحياء التي يسود فيها شغف كروي لافت، انطلقت مواهب من طينة الظلمي وبودربالة والحداوي، وصولا الى الاجيال الحديثة التي ترعرعت في ازقة “سباتة” و”البرنوصي” و”عين الشق”. وفي العاصمة الرباط وجارتها سلا، تظل أحياء “يعقوب المنصور” و”التقدم” و”بطانة” و”تابريكت” شواهد حية على دوريات رمضانية كانت بمثابة اختبارات حقيقية للقوة والمهارة، حيث يصقل اللاعب “تمغربيت” الكروية القائمة على الفنيات العالية والقدرة على اللعب في المساحات الضيقة.

نفس الأمر ينطبق على أحياء شهيرة منتشرة في طنجة وتطوان ومراكش وفاس وأگادير، ففي هذه الدوريات، يتعلم اللاعب الصاعد اصول “التقنيات الفردية” وكيفية التعامل مع ضغط الجمهور الغفير الذي يحج لمتابعة المباريات بحماس لا يقل عن حماس “الديربيات” الكبرى.

الإستعداد لدوري رمضان

وتبدا قصة هذه الدوريات قبل حلول الشهر الفضيل باسابيع، حيث تدخل الاحياء في استنفار تنظيمي يشبه الى حد كبير ما تعيشه مؤسسة كروية قائمة. فبمجرد انقضاء الاسبوع الاول من رمضان، تبدا الاستعدادات على قدم وساق، من خلال تشكيل الفرق وتحديد لوائح اللاعبين، في عملية تشاركية يساهم فيها الجميع باقتناء الامتعة الرياضية وتجهيز الميدان.

هي لحظة فريدة من التضامن الاجتماعي، حيث يتقاسم الشباب المصاريف لاخراج الدوري في ابهى حلة، بل ان الطموح قد يصل ببعض الفرق الى البحث عن “تعزيزات” خارجية، باستقطاب لاعبين من احياء اخرى يلقبون بـ “النجوم المحليين”، لاعطاء طابع من الندية والاحترافية على المباريات التي تشهد غالبا صراعا محتدما يستمر إلى المباراة النهائية قبل عيد الفطر بيوم أو يومين.

تنظيم ذاتي وروح جماعية

ولا تقتصر اهمية هذه الدوريات على الجانب التقني الصرف، بل تمتد لتشمل جانبا اداريا وتنظيميا مثيرا للاعجاب، حيث تضطلع لجان منظمة من ابناء الحي بمسؤوليات جسيمة لضمان السير العادي للمنافسات. هؤلاء المنظمون، الذين يعملون غالبا بدافع الحب للرياضة، يقع على عاتقهم تعيين الحكام، والسهر على احترام الجدول الزمني للمباريات، وتطبيق القوانين الدولية المنظمة لكرة القدم المصغرة. ورغم ما قد يشوب هذه المباريات من خلافات حول انتقال اللاعبين او صراعات تقنية بسيطة، الا ان الروح العامة تظل محكومة برغبة جامحة في انجاح العرس الرياضي، وتجاوز العقبات المادية والمكانية التي تواجه الفرق والمنظمين على حد سواء.

فرصة للمواهب المغمورة

دوريات رمضان هي فرصة حقيقية للمواهب المغمورة التي تبحث عن فجوة للتألق وتحقيق طموح اللعب مع الأندية المحترفة، فاللاعب المتألق في الحي ينتظر حلول شهر الصيام بشغف كبير، إذ هي المناسبة التي سيقدم فيها نفسه للجمهور الكثيف الذي يحضر المباريات، ويجعلهم يتحدثون عن موهبته في المقاهي بعد الإفطار. لذا، نجد العديد من هؤلاء اللاعبين لا يكتفون بالمشاركة في دوري واحد، بل يوزعون جهدهم على عدة دوريات في احياء مختلفة، رغبة في اشباع نهمهم الكروي وابراز مؤهلاتهم امام جمهور واسع يضم في طياته احيانا “كشافين” ومنقبين عن المواهب يترصدون الجواهر الخام التي لم تجد طريقها بعد للاندية الرسمية.

من العفوية الى الهيكلة

مهدي كسوة، الإطار الوطني والمحلل رياضي، يقول أن “رمضان كان دائما فرصة لتنظيم دوريات رمضانية كبادرة من طرف الأشخاص الذين لديهم اهتمام لمنح فرص للشباب، الذين يربّون في قلوبهم حبا جنينيّا لكرة القدم”، ويشير إلى “دور هذه الدوريات في تمتين العديد من المواهب الكروية التي صارت الآن نجوماً لامعة، سواء على مستوى البطولة الوطنية أو من حيث الاحتراف في الدوريات الأوروبية”.

كما يؤكد كسوة على “أهمية الدوريات الرمضانية أو دوريات الأحياء الشعبية في إبراز المواهب التي لم تستطع أن تكشف بسرعة عن علو كعبها للمنقبين والباحثين عن أقدام ساحرة تحسن مداعبة الكرة لتكون ضمن تشكيلات فرقهم”، مضيفا: “لهذا أحبّذ الاستثمار أكثر في هذه الدوريات وتطويرها، لأنه لا يجب نسيان أن هذه المرحلة تقدم لنا لاعبين بجاهزية معتبرة، يحتاجون فقط إلى تأهيل وإدماج في المنظومة الكروية”.

دعوات للإسثتمار في التقليد

هذا النشاط الشعبي الموسمي، يثير دعوات من مختلف الفاعلين الرياضيين للإستثمار فيه وإدراجه في مخططات المنظومة الكروية المغربية، إذ يقول مهدي كسوة “كل مدينة يمكن أن نستخرج منها نحو 10 لاعبين على الأقل، كل رمضان، ويمكنهم، بالتالي، الاحتراف دوليا أو اللعب ضمن أندية وطنية ذات تجربة كبيرة في رياضة الجلد المدور أو ضمن المنتخب الوطني”، مشيرا إلى “المساحة الكبيرة التي تمنحها هذه الدوريات للاعبين للتنافس من أجل إبراز مؤهلاتهم ومهاراتهم الكروية أمام جماهير غفيرة تستمتع بمتابعة هذه الدوريات قبل الإفطار أو بعد صلاة العشاء”.

وهو يتحدث عن البنية التحتية وجاهزية الملاعب في المدن الكبرى والمتوسطة والصغيرة، لفت كسوة إلى “قطع المغرب أشواطا مهمة على مستوى تطوير البنية التحتية وتكثيف تجربة ملاعب القرب، فعددها يكشف عن أرضية لتنظيم هذه الدوريات، سواء من طرف جمعيات أو من طرف أفراد”، داعيا الفرق الوطنية إلى الانخراط في هذا المسار، وأن “تنظم في ملاعبها دوريات من هذا القبيل، لكونها تمثل فرصة سانحة لاكتشاف لاعبين من طراز فريد لا تسلط عليهم الأضواء وتظل مواهبهم وإمكاناتهم حبيسة الأحياء الشعبية وداخل سياجات ملاعب القرب”.