دراسة ترصد الهيمنة التشريعية للحكومة وتنازل البرلمان طوعا عن سلطته
كشفت دراسة حديثة تناولت موضوع “هيمنة الحكومة على الإنتاج التشريعي: تحليل المحددات الدستورية وآليات التحكم في المسطرة التشريعية”، تراجع دور البرلمان لصالح السلطة التنفيذية في صناعة النصوص القانونية وتوجيهها، مؤكدة تنازل البرلمان طوعا عن سلطته لصالح الحكومة أو لصالح القضاء الدستوري.
وخلصت الدراسة، التي أعدها الباحث عبد العزيز الهلالي، بشكل أساسي إلى أن ترجيح كفة السلطة التنفيذية على حساب السلطة التشريعية في إنتاج القوانين، يعود بالدرجة الأولى إلى بنية الوثيقة الدستورية التي عملت على “عقلنة” المساطر التشريعية بشكل صارم.
وأوضحت الدراسة التحليلية أن الوثيقة الدستورية حددت بدقة حدود الاختصاص التشريعي لفائدة الحكومة، بينما ضيقت في المقابل مجال تدخل البرلمان في التشريع وجعلته ينحصر في أضيق الحدود الممكنة.
تراجع دور البرلمان
وسجل المصدر نفسه تحولا في الممارسة البرلمانية والسياسية، تمثل في ما أسمته “التنازل الإرادي” للبرلمان نفسه عن ممارسة التشريع في مجالات مخصصة له صراحة بنص الدستور، وتفويتها لجهات أخرى.
وأضاف أن هذا التنازل البرلماني يتم تارة لصالح الحكومة بواسطة تفعيل سلطة “التنظيم المستقل”، وتارة أخرى لصالح القضاء الدستوري من خلال إحالة تنظيم قضايا تشريعية أصيلة إليه.
وتبعا لذلك، شددت الدراسة على أن البرلمانات في العالم المعاصر أصبحت بمثابة “غرفة لتسجيل القوانين” وفضاء للمصادقة عليها فقط، ولم تعد مكانا لتشريع والتحكم في إنتاجها.
ومن جانب آخر أكدت الوثيقة أن هذه الظاهرة ليست حكرا على التجربة المغربية أو خاصة بها، كما أنها ليست ظاهرة حديثة في الزمن، بل أضحت سمة بارزة ومنتشرة في أغلب برلمانات العالم تقريباً.
وتستند الحكومات، بحسب الدراسة السالفة الذكر، في فرض هذه الهيمنة على النصوص الدستورية التي تقيد البرلمان وتترك مساحات واسعة للسلطة التنفيذية للتشريع في مختلف المجالات الحيوية للدولة.
ومن جهة أخرى، ترى الدراسة، أن النظام الحزبي المعاصر ساهم بدوره في جعل البرلمانات امتدادا طبيعيا للسلطة التنفيذية، مما أحدث تحولا جذريا وعميقا في الفهم الكلاسيكي لمبدأ الفصل بين السلط.
وفي هذا الإطار، أشار عبد العزيز الهلالي في بحثه إلى أن الحدود الفاصلة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية في إنتاج النصوص ليست جامدة، بل تتسم بنوع من المرونة السياسية والمسطرية، مبرزا أنه يمكن للحكومة أن تسمح للبرلمان بالتشريع في مجال التنظيم، كما يمكن للبرلمان أن يتدخل في المجال المحفوظ للقانون؛ وهي إمكانيات ترتبط أساسا بمدى توفر الحكومة على أغلبية برلمانية مريحة داخل المجلسين.
“الإغفال التشريعي”
غير أنه في أحايين أخرى، تقول الدراسة، يتنازل البرلمان من تلقاء نفسه عن دور الأصيل في التشريع، وهو ما يصطلح عليه بـ “الإغفال التشريعي”، تاركا مهمة تنظيم وتفصيل المقتضيات للسلطة التنظيمية.
وأكد المصدر نفسه أن الحدود بين مجال القانون والمجال التنظيمي المستقل يتعذر رسمها بدقة، مما يجعل تداخلها رهينا بطبيعة العلاقات السائدة بين الجهازين، “فكلما ساد التعاون والأغلبية المنسجمة، اعتبر تداخل الاختصاصات أمرا ثانويا”.
وخلافا لذلك، فإن سيادة التنازع بين الجهازين تمنح توزيع الاختصاص أهمية كبرى، مشيرة إلى التجربة البرلمانية المغربية الأولى لعام 1962، والتي دفعت خلالها الحكومة بعدم قبول 5 مقترحات قوانين بناء على مقتضيات دستورية حمائية.
تنازع الجهازين
وتابعت الدراسة أن الاختصاص التنظيمي “المستقل” المخول للحكومة دستوريا ليس محجوزا بالكامل، بل جعل الدستور لجوء الحكومة لآليات حمايته (مثل الفصلين 73 و79 من الدستور الحالي) مسألة اختيارية لتمديد مجال القانون برضاها.
علاوة على ذلك، يمكن للحكومة أن تعارض كل تعديل تتقدم به المعارضة ولم يعرض من قبل على اللجنة التي يعنيها الأمر، بحيث أن التعديلات التي يتقدم بها خصوصا نواب المعارضة ترفض جملة وتفصيلا، إذا لم تعرض على اللجان أولا.
وحتى داخل هذه اللجان، تضيف الدراسة، تتوفر الحكومة على الأغلبية العددية داخلها تمكنها من رفض التعديلات التي لا ترغب فيها، في حين أن فرق الأغلبية غير مقيدة بتقديم التعديلات، سواء قبل افتتاح المناقشة أو بعدها؛ ذلك أن الحكومة يمكنها أن تتغاضى عن التعديلات التي تتقدم بها فرق الأغلبية، وأن لا تُشهر سلاح الرفض في وجهها.
واختتمت الدراسة برصد آليات التحكم المسطري، مؤكدة أنه على الرغم من منح الفصل 78 حق المبادرة بالتساوي بين رئيس الحكومة والنواب، إلا أن حصيلة المقترحات البرلمانية تظل هزيلة جدا مقارنة بالمشاريع الحكومية، نظرا لامتلاك الحكومة آليات توجيه المناقشة،والتحكم المطلق في ترتيب جدول الأعمال وفقاً للفصل 82 من الوثيقة الدستورية.