story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
رأي |

خلف ستارة الدخان.. لماذا يُدفع بالخليج إلى فوهة المدافع؟

ص ص

تهادت دول الخليج عبر عقود من الزمن فوق بحيرة من الذهب الأسود، كأنها سفينة ضخمة تسير بخطى متزنة، مستندة إلى ملاءتها المالية واستقرارها البنيوي. غير مكترثة باضطراب الأمواج الجيوسياسية من حولها، والتي تعلو وتخفت بين الفينة والفينة. وفي غمرة هذا الإبحار الواثق، يظن الرائي لها أن استقرارها المضمون ثابت بنيوي وقدر سرمدي. كيف لا والمنطقة قد خلعت عنها ثوب الهدوء الرتيب لتنتقل من دعة العيش القائمة على فيض الآبار، إلى ميثاق جديد يزاحم الكبار في حلبات الذكاء الاصطناعي وينافسهم في معاقل المال والأعمال، محولة سكون رمالها إلى طاقة رقمية واقتصادية عابرة للقارات، حتى غدت جزيرة من الرخاء في محيط هائج تقف اليوم في مواجهة رياح عاتية تضرب أركانها منذرة بتصدع جدرانها وانهيار السقف فوق رؤوس ساكنيها.

لقد أدرك العقل الجمعي الخليجي، في لحظة تجل قاسية، أن المظلة الأمنية الأمريكية ليست إلا رمالا متحركة لا تقيم صرحا لاستقلال متين أو استقرار غير مشروط، بل هي ارتهان بنيوي ومخزن استراتيجي تغرف منه واشنطن كلما خنقتها أزماتها المالية أو العسكرية. فما كان للخليج الضعيف ديموغرافيا إلا أن يدفع شرور الخرائط المعدة سلفا بالانغماس –طوعا أو كرها– في إضفاء الشرعية على مشاريع إقليمية يُراد لها ترسيخ أقدام الصهيونية في فلسطين المحتلة وما حولها. والتي تبين أنها ليست في جوهرها إلا قرابين سياسية أضحت سرابا أمام أطماع “المشروع الكبير” الذي لا يرى في الحلفاء إلا أدوات مؤقتة تُستبدل حين يحين أوان رسم الحدود بالدم.

لقد غفت عواصم الخليج طويلا تحت ملاءة وهم وارفة، ظن فيها القادة أن التحالف مع واشنطن هو القضاء والقدر، والدرع الذي لا يُفل له نصل؛ فمنذ ولادة “البيترودولار” في عهد نكسون، الذي أرخى سدول التبعية النقدية وربط مصير الثروة الخليجية بسلامة العملة الخضراء؛ ومرورا بـ “مبدأ كارتر” الذي صاغ عقيدة التدخل العسكري مع اندلاع الحرب الإيرانية العراقية، ليتحول الخليج إلى ثكنة كبرى ترهن أمنها الجغرافي بالمشرط الأمريكي؛ ووصولا إلى حروب الخليج التي فتتت العراق وحولته من حارس للبوابة الشرقية إلى ساحة مفتوحة للصراعات والميليشيات. ظلت أمريكا ترتدي عباءة “الحامي والضامن”، تمنح الاستقرار باليمين وتستوفي الفاتورة السياسية والسيادية بالشمال، محولة عقود الارتهان إلى استنزاف مقنن يخدم مركزية القطب الأوحد.

هذه المساحات التي ظلت لعقود حكرا على النفوذ الأمريكي، هبّت عليها رياح من الشرق لم تعهدها رمال الخليج من قبل، حيث شهدت وساطة صينية بين الرياض وطهران عام 2023 اعتُبرت بمثابة زلزال جيوسياسي حتى وقف “هنري كيسنجر” مراقبا هذا العبور الاستراتيجي الكبير لبكين، واصفا إياه بدخول حقيقي في هندسة الأمن الإقليمي وبداية لـ “لعبة جديدة” بقواعد غير مألوفة تُمثل تهديدا وجوديا لخطط إسرائيل التوسعية، ما دفع الأخيرة للرد باستنفار محموم للدعوة إلى “توسيع الإبراهيميات” كغطاء لتطبيع قسري بلا شروط يخدم أجندات “إسرائيل الكبرى” ويطوق هذا التقارب الوليد.

ومع تآكل القدرة الأمريكية على فرض الإملاءات، تجلت ملامح “التمرد السيادي” في استقلالية القرار النفطي الخليجي عام 2022، والانفتاح الجريء على موسكو، والانضواء تحت مظلات “بريكس” و”شنغهاي” كبدائل استراتيجية تكسر قيد القطب الواحد وتعلن ولادة فجر سياسي لا يرتضي التبعية. وأمام هذا الانعتاق التاريخي من أغلال الوصاية، لم يجد التحالف “الأنجلو-صهيوني” بُدا من قلب الطاولة على الجميع؛ فكان لا بد من صاعقة تعيد ترتيب الفوضى وفق القياسات القديمة، فما كان إلا أن اتُخذ القرار باستدراج المنطقة إلى “فخ النيران” وعودة طبول الحرب استدراج الخليج لمستنقع إيران.

لقد بات جلياً أن واشنطن وتل أبيب، في مخاض صراعهما مع طهران، لم تجدا وسيلة لكسر هذا الكبرياء السياسي الخليجي وإعادة المنطقة إلى حظيرة التبعية، إلا بتوريطها في أتون مواجهة عسكرية مباشرة؛ لإجبارها على العودة الذليلة تحت عباءة حماية استراتيجية مشروطة بالتنازلات. إذ يُراد للخليج أن يستحيل ساحة مشظّاة، ومستقرا قسريا لضحايا التهجير من أهل غزة، في الوقت الذي تُنهب أراضي الضفة على مدار الساعة في سباق صهيوني محموم مع الزمن يلوح في أفقه شبح الهيكل الذي يُراد تشييده فوق أنقاض الأقصى الذي أغلق في شهر الصيام تحت ذريعة الصراع. تمهيدا لفرض خطط مرسومة بدقة، تقتات على صمت عربي وإسلامي مريب، في لعبة جيوسياسية معقدة لا يُعرف أولها من آخره.

وعلى نقيض عثرات الماضي، لم تقع عواصم الخليج هذه المرة في ذات الشرك الذي نُصب لها غداة الحادي عشر من سبتمبر، إذ أظهرت ممانعة صلبة برفض تقديم أي دعم سياسي أو لوجستي أو مادي لتلك الحرب الأمريكية الإسرائيلية المستعرة ضد إيران؛ في وعي حذر يدرك أن الاستهداف الإيراني لبعض القواعد العسكرية التي أخلت ثكناتها مسبقا، والبنى التحتية والمطارات، لم يكن إلا ورقة ضغط قاسية على أسواق الطاقة العالمية، أكثر منه رغبة في مواجهة الخليجيين. وهنا تجلّى “الصبر الاستراتيجي” الخليجي في أبهى صوره، حيث لم تستسلم العواصم لغريزة الرد بالمثل التي كانت ستؤدي إلى وقوع “المحظور”؛ فالانزلاق في صدام مباشر مع الجوار أو التماهي مع الأطماع الصهيونية هو انتحار رمزي ومادي يمزق النسيج العربي والإسلامي من الوريد إلى الوريد، محولا المنطقة إلى رماد تذروه رياح المشاريع الغربية التي لا ترى في الإنسان العربي سوى وقود لخرائطها الجديدة.

إن هذا الزحف الممنهج الذي يسعى لتفتيت الدول الكبرى في المنطقة كالسعودية وسوريا ومن قبلهما اليمن والسودان، ليس إلا إعلانا بانتهاء صلاحية “سايكس بيكو” القديمة، والعبور نحو خرائط أكثر توحشا تهدف لتعبيد الطريق أمام “مشروع إسرائيل الكبرى”؛ ذلك المشروع الذي يرى في تمزيق الممزق وتجزئة المجزأ وسيلة لبناء الهيكل فوق أنقاض المسجد الأقصى. فالسعي المحموم لواشنطن وتل أبيب لإقحام الخليج في أتون النار ليس إلا تأكيدا على أن الغاية القصوى من هذه الحرب هي استنزاف القوى الصاعدة، وتحويل مساحات الرخاء إلى فوهات مدافع تحترق فيها السيادة والمقدرات معا.

وسواء تم إعلان وقف إطلاق النار أو استمرت الحرب، يظل اليقين واحدا في عقل صانع القرار الخليجي: أن “تاجر السلاح” الأمريكي لا يتقن إلا إشعال الحرائق ثم الانسحاب ببرود تاركا المنطقة للدم والرماد؛ لذا يظل رفض الاستدراج هو الصرخة السيادية الأخيرة في وجه رياح التفتيت التي تسعى لتحويل قلب العالم العربي إلى شتات مستباح. فإلى متى تستطيع دول الخليج مدافعة التناقضات الإقليمية؟ وكيف يمكنها تدبير ما يُحاك ضدها في الخفاء والعلن وهي تدرك أن “الاستقرار الموعود” ليس إلا هدنة مؤقتة في صراع يستهدف الوجود لا الحدود؟ إن الإجابة تكمن في قدرة هذه الدول على تحويل “الصبر الاستراتيجي” من وضعية الدفاع إلى هندسة واقع إقليمي جديد، يلفظ التبعية ويجعل من الجغرافيا حائط صد، لا فوهة مدفع لخدمة مشاريع الغرباء.