حي المحيط بالرباط.. صرخة ملاك مهددين بـ”ترحيل قسري دون تعويض منصف”
يتواصل الجدل في العاصمة الرباط حول مشاريع نزع الملكية التي تستهدف عدداً من الأحياء، في مقدمتها “حي المحيط”، وسط تصاعد أصوات السكان المتضررين الذين يعبرون عن رفضهم لما يعتبرونه غموضاً يلف مشاريع التهيئة وغياباً للشفافية في تدبير هذا الملف.
وفي مقابل المبررات الرسمية المرتبطة بـ“المنفعة العامة”، يتمسك المتضررون بحقهم في السكن والمطالبة بتعويضات عادلة وتوضيحات دقيقة حول طبيعة المشاريع.
“نرفض التهجير”
وفي هذا الصدد، عبّر عبد الرحيم، أحد الملاك القاطنين المتضررين، عن رفضه لما وصفه بغياب الوضوح في مشروع تهيئة المدينة، الذي يستهدف عدداً من الأحياء من بينها “السنية الغربية” و“دوار العسكر” و“حي المحيط”، رغم أنها أحياء عريقة وسكانها مستقرون بها منذ عقود.
وأشار عبد الرحيم، في حديث مع صحيفة “صوت المغرب”، إلى أن هذه الأحياء لا تظهر بشكل واضح في المخططات المعلنة، ما يثير، بحسبه، تساؤلات حول طبيعة التدخلات العمرانية المرتقبة.
وأوضح المتحدث أن السلطات كانت قد روجت في البداية لمقاربة “البيع بالتراضي”، وهو ما تم الإعلان عنه في مناسبات رسمية، قبل أن يتم، حسب تعبيره، الانتقال إلى مسطرة نزع الملكية في حق الملاك الرافضين للتفويت.
وأضاف أن الملاك القاطنين يمثلون نسبة محدودة من الساكنة، مقابل أغلبية من المكترين، فيما تم استهداف الملاك غير القاطنين بعروض مالية وصلت إلى حوالي 13 ألف درهم للمتر المربع، وهو ما أدى، وفق قوله، إلى تشتيت موقف الرافضين للمشروع.
وفي ما يتعلق بالتعويضات، اعتبر عبد الرحيم أن هذه المبالغ “غير منصفة” ولا تعكس القيمة الحقيقية للعقارات، خاصة في أحياء مركزية بالعاصمة. وأوضح أنه يملك شقة بمساحة 120 متراً مربعاً، متسائلاً عن إمكانية تعويضه بمبلغ لا يسمح له باقتناء سكن بديل بنفس المواصفات أو في نفس الموقع، معتبراً ذلك “إجحافاً صريحاً”.
كما طرح المتحدث تساؤلات حول مفهوم “المنفعة العامة” الذي تستند إليه مسطرة نزع الملكية، معتبراً أن غياب تعريف دقيق لهذا المفهوم يفتح الباب أمام تأويلات متعددة.
وأضاف أن مصطلح “تطوير المجال الحضري” يبقى، حسب رأيه، فضفاضاً وغير واضح حتى من الناحية القانونية، متسائلاً عما إذا كان الهدف هو إنشاء مرافق عمومية فعلية مثل المستشفيات والمدارس، أم مشاريع عقارية خاصة.
وأكد أن الساكنة لا ترفض مبدأ التهيئة في حد ذاته، لكنها تطالب بمشاريع واضحة تضمن، إما إعادة إسكان المتضررين في نفس المواقع بعد إعادة البناء، أو تقديم تعويضات عادلة تمكّنهم من الحصول على سكن بديل لائق. وأضاف: “إذا كان الهدف هو التحديث العمراني، فلماذا لا يُسمح لنا بتطوير عقاراتنا وفق المعايير الجديدة؟ نحن أولى بالبقاء في أرضنا”.
وفي سياق آخر، تحدث عبد الرحيم عما وصفه بـ“خروقات مسطرية”، من بينها غياب مرسوم نزع الملكية بشكل واضح لدى الساكنة، وعدم توفير سجل رسمي لتدوين الملاحظات داخل مقر الجماعة، وهو ما اعتبره مساساً بحق المواطنين في إبداء اعتراضاتهم القانونية.
كما أشار إلى صعوبات واجهها السكان أثناء محاولتهم التعبير عن آرائهم لدى مقر مجلس الجماعة أو التواصل مع وسائل الإعلام، متهماً وجود أشخاص غرباء عند مداخل المقر، لمنع المواطنين والصحافيين من الوصول أو التحدث، وهو ما اعتبره تضييقاً على حرية التعبير وحق الوصول إلى المعلومة.
وأضاف المتحدث أن هذه الوضعية تخلق حالة من الإحباط في صفوف المتضررين، في ظل شعور متزايد بأن حقوقهم مهددة دون ضمانات واضحة، قائلاً: “نحتاج إلى قرارات عادلة تحفظ كرامتنا وحقنا في السكن”.
وفي السياق، استنكرت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان ما وصفته بـ“التضييق والترهيب” الذي تعرضت له ساكنة حي المحيط أثناء محاولتهم تقديم تعرضاتهم القانونية المتعلقة بمشروع نزع الملكية الذي يستهدف مساكنهم.
وأشارت الجمعية، في بلاغ توصلت صحيفة “صوت المغرب” بنسخة منه، إلى تسجيل منع عدد من المواطنين من التواصل مع وسائل الإعلام، إضافة إلى محاصرة صحافيين، معتبرة ذلك مساساً واضحاً بحرية التعبير وحرية الصحافة.
قلق من توسع عمليات الهدم
من جانبه، قدّم المستشار الجماعي عن فيدرالية اليسار الديمقراطي، فاروق المهداوي، قراءة نقدية لمسطرة نزع الملكية الجارية في عدد من أحياء الرباط، معتبراً أن المبرر المعلن، المتمثل في “تحقيق المنفعة العامة” عبر تطوير المجال الحضري، يثير إشكالاً على مستوى الاختصاصات.
وأوضح المهداوي، في حديث مع صحيفة “صوت المغرب”، أن تدبير وتخطيط المجال الحضري يدخل ضمن اختصاصات الجماعات الترابية، وفقاً للقانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات، في حين أن دور مديرية أملاك الدولة يقتصر، بحسبه، على تدبير وتثمين الرصيد العقاري للدولة، وليس الإشراف على هندسة المجال الحضري أو توجيه اختياراته العمرانية.
وفي ما يتعلق بالتعويضات، وصف المتحدث المبالغ التي أقرتها اللجنة الإدارية لفائدة المتضررين بأنها “هزيلة”، مشيراً إلى وجود اختلالات في المسار القضائي المرتبط بملفات نزع الملكية.
وأبرز في هذا السياق أن من بين الإشكالات المطروحة غياب شروط المحاكمة العادلة، خاصة ما يتعلق بضعف أو غياب التبليغ القانوني، حيث لا يتوصل عدد من المتضررين بالإشعارات وفق المساطر المنصوص عليها في قانون المسطرة المدنية، وهو ما يعتبره خرقاً للإجراءات القانونية.
كما توقف الحقوقي والمستشار الجماعي عند ما وصفه بغياب الشفافية بخصوص طبيعة المشاريع المبرمجة في الأحياء المعنية، مؤكداً أنه إلى حدود الساعة لا توجد وثائق رسمية واضحة تحدد مآلات هذه المناطق.
وأشار إلى أن الغموض يلف بشكل خاص حي التقدم على مستوى مقاطعة اليوسفية، حيث تتواصل عمليات الإحصاء ضمن ما يُوصف بمناطق “التنمية الحضرية”، دون تقديم توضيحات للسكان حول ما إذا كان الأمر يتعلق بالهدم أو الترحيل أو إعادة البناء في نفس المواقع.
وفي سياق متصل، أشار المتحدث إلى ما اعتبره تضييقاً على الحق في المعلومة، مبرزا بدوره أن مواطنين حاولوا الولوج إلى مقر جماعة الرباط لتسجيل ملاحظاتهم في سجل نزع الملكية، إلا أنهم وجدوا الأبواب موصدة، بحسب تعبيره.
واعتبر المهداوي أن هذه الممارسات تمثل، حسب قوله، تراجعاً عن مبادئ “المقاربة التشاركية” المنصوص عليها في دستور 2011، والذي يكرس إشراك المواطنين والمنتخبين في القرارات المرتبطة بتدبير الشأن العام. وأكد أن ما يجري يعكس، في نظره، تركيزاً للقرار في يد جهات إدارية على حساب المؤسسات المنتخبة والساكنة المعنية.
أما بخصوص النطاق الجغرافي للمشاريع، فأشار إلى أن النقاش يتركز حالياً حول “حي المحيط”، مع معطيات غير رسمية تفيد بإمكانية امتداد عمليات التهيئة ونزع الملكية إلى أحياء أخرى، من بينها “التقدم” بمقاطعة اليوسفية، إضافة إلى “يعقوب المنصور” و”العكاري”، وهو ما يرفع منسوب القلق لدى السكان بشأن مستقبل هذه المناطق.
وفي السياق، أدانت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان إجراءات نزع الملكية في ظل ما وصفته بـ“غموض يلف مبررات المنفعة العامة”، وغياب وثائق رسمية واضحة تحدد طبيعة المشروع وأهدافه. وشددت على ضرورة احترام الضوابط القانونية المؤطرة لهذه العمليات، وضمان الشفافية والحق في الولوج إلى المعلومات، بما يشمل التصاميم والمبررات القانونية المرتبطة بالمشاريع.
كما أكدت الجمعية على أهمية أن تكون التعويضات “عادلة ومنصفة”، بما يعكس القيمة الحقيقية للعقارات، مع الأخذ بعين الاعتبار الأضرار المادية والمعنوية التي قد تلحق بالأسر المتضررة نتيجة هذه العمليات.
ودعت الهيئة الحقوقية إلى فتح حوار جدي ومباشر مع الساكنة، خاصة الرافضين للترحيل، من أجل إيجاد حلول تضمن احترام الحقوق الدستورية للمواطنين. كما دعت المتضررين إلى توحيد صفوفهم لمواجهة ما وصفته بـ“المشروع غير القانوني”، مؤكدة في الوقت ذاته استمرارها في تتبع ورصد ما تعتبره انتهاكات تمس الحقوق والحريات الأساسية لسكان حي المحيط.