حكم قضائي بالرباط يلزم مصحّة بتسليم الملف الطبي لورثة مريض متوفى
قضت المحكمة الابتدائية بالرباط، بإلزام إدارة إحدى المصحات الخاصة بتسليم نسخة من الملف والتقرير الطبي لمريض متوفى إلى أحد ورثته، معتبرة أن التذرع بالسرّ المهني لا يشكّل مبررا قانونيا لحجب هذه الوثائق عن ذوي الحقوق، مع الحكم بغرامة تهديدية وتعويض عن التماطل.
ويأتي هذا الحكم ليحسم جدلا متكررا داخل القطاع الصحي، مرتبطا بحق ورثة المرضى المتوفين في الولوج إلى الملفات الطبية، في ظل استمرار بعض المصحات في رفض تسليمها بدعوى احترام السرية المهنية أو تفادي المتابعات القضائية.
وقائع القضية
تعود فصول النازلة إلى 21 فبراير 2025، حين تقدّم أحد الورثة بدعوى أمام المحكمة الابتدائية بالرباط، أوضح فيها أنه كان يتكفل بوالده الذي وافته المنية بعد فترة علاج بإحدى المصحات الخاصة، بقسم الأورام، منذ يوليوز 2022.
وأكد المدعي أنه تقدّم بعدة طلبات إلى إدارة المصحة من أجل الحصول على نسخة من الملف والتقرير الطبي لوالده، قصد استعمالها لأغراض إدارية وقانونية، غير أن هذه الطلبات قوبلت بالرفض، ما دفعه إلى توجيه إنذار رسمي مرفق برسم الإراثة ووثائق تثبت صفته، دون أن يتلقى أي استجابة.
وأضاف أنه لجأ في مرحلة أولى إلى القضاء الاستعجالي، غير أن طلبه قوبل بعدم الاختصاص، في وقت تشبثت فيه إدارة المصحة بعدم تسليم الملف إلا بأمر قضائي صريح.
في المقابل، دفعت إدارة المصحة بأن مهنة الطب تخضع لمبادئ أخلاقية وقانونية صارمة، تفرض الحفاظ على سرية المعطيات الطبية الخاصة بالمرضى، معتبرة أن هذا الالتزام يستمر حتى بعد الوفاة.
تعليل المحكمة
من جهتها اعتبرت المحكمة أن طلب المدعي مؤسس قانونا، مستندة إلى مقتضيات المادة الثانية من القانون رقم 131.13 المتعلق بمزاولة مهنة الطب، التي تخوّل للمريض، أو نائبه الشرعي، أو ذوي حقوقه في حالة الوفاة، الحق في الحصول على نسخة من الملف الطبي.
كما سجلت المحكمة أن المدعي أثبت صفته كوريث من خلال رسم الإراثة، ولا يوجد أي نص قانوني يمنع تسليم الملف الطبي لورثة المريض المتوفى، معتبرة أن امتناع المصحة يشكّل تماطلا “غير مبرر”.
وبناء عليه، قضت المحكمة بقبول الدعوى شكلا، وفي الموضوع بإلزام المصحة بتسليم نسخة من الملف والتقرير الطبي تحت طائلة غرامة تهديدية قدرها 200 درهم عن كل يوم تأخير، مع الحكم بتعويض قدره 1500 درهم عن الضرر الناتج عن التماطل.
دلالات الحكم
ويعيد هذا القرار القضائي إلى الواجهة إشكالية حجب الملفات الطبية عن ورثة المرضى المتوفين، وهي ممارسة لا تزال قائمة في عدد من المصحات، إما بسبب تأويل موسّع لمفهوم السر المهني، أو بدافع التخوف من فتح الباب أمام دعاوى المسؤولية الطبية.
ويرى متابعون أن الحكم يميز بوضوح بين حماية السر الطبي، باعتباره مبدأ أساسيا في أخلاقيات المهنة، وبين حق ذوي الحقوق في الولوج إلى المعلومة الصحية بعد الوفاة، مؤكدا أن السرية لا يمكن أن تتحول إلى أداة لعرقلة الوصول إلى الحقيقة أو تعطيل سبل الإنصاف القضائي.
كما يشكل القرار، وفق قراءات قانونية، رسالة واضحة إلى المؤسسات الصحية بضرورة احترام الإطار القانوني المنظم للحق في المعلومة الصحية، والتقيد بمقتضياته، بما يضمن كرامة المرضى وحقوق أسرهم، ويعزز دور القضاء في حماية الحقوق والحريات.