story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
رياضة |

حفل اختتام “كان” المغرب 2025.. الرباط تودّع إفريقيا بوعد جديد

ص ص

كما كان الحال قبيل مباراة الافتتاح، سبق مباراة نهاية كأس إفريقيا المغرب 2025، التي تجمع بين المغرب والسينغال، حفل اختتام حمل رسائل رياضية وثقافية وحضارية.

ولم يكن ختام النسخة المغربية من كأس إفريقيا، تلك اللحظة التي تُطفأ فيها الموسيقى وتُطوى الستارة وتغادر الحشود، بل كان لحظة معاكسة تماما: وداعٌ يشتعل بدل أن يخفت، وصورةٌ تُقفل البطولة لا لكي تُنهيها، بل لكي تفتحها على معنى أكبر: أن إفريقيا يمكنها أن تتذكّر نفسها، وأن المغرب يستطيع أن يكون “بيتا للفرح” حين يقرّر أن يستضيف الحلم لا فقط أن ينظّم بطولة.

في الرباط، حيث يتعلّم الليل المغربي كيف يتأنّق تحت الأضواء، وحيث صار مركّب الأمير مولاي عبد الله طيلة أسابيع مرآة لنبض القارة، جاءت لحظة الاختتام لتقول ما لا تقوله الكلمات عادة: شكرا! لكن بطريقة لا تشبه خطابات الشكر.
شكرٌ يُقال بالرقص والضوء، وبقصيدة تُلقى كأنها “رسالة من إفريقيا إلى المغرب”.

لم يُبن حفل الاختتام بوصفه “فقرة فنية” عابرة قبل مباراة التتويج، بل بوصفه ختاما سرديا، تضمّن ثلاثة مشاهد متتالية، تبدأ من المغرب الذي أضاء، وتنتهي بإفريقيا التي تتحد، وبينهما تمرّ القارة على نفسها كأنها تُراجع ما عاشته في هذا العرس، وما خرجت به من درس إضافي عن الحياة.

كانت الفكرة الأساسية بسيطة وعميقة في آن: أن المغرب لم يستضف بطولة فقط، بل صنع “ممرا” عاطفيا للقارة، ممرا من الأمان إلى الانبهار، ومن التنظيم إلى الإحساس، ومن الملاعب إلى الذاكرة.

مشهد أول.. الشكر بوصفه قصيدة

في هذا الفصل، تحول السرد إلى مشهد احتفالي على شكل قصيدة تمدح المغرب وتشكره على حسن استضافة بطولة فارقة “شكلا ومضمونا”.

لم تكن أرضية الملعب هنا مجرد عشب، بل خشبة ذاكرة، تُملأ براقصين محترفين يرتدون أزياء عصرية مزركشة بالأحمر والأخضر، مستوحاة من الطراز المغربي.

في تفاصيل هذا المشهد، تظهر فكرة شديدة الذكاء: أن الشكر لا يُقال فقط لما هو “جميل”، بل لما هو “مفيد” أيضا. ملاعب بمواصفات عالمية، وبنية تحتية آمنة، واستقبال حار، وجماهير “تترك انطباعات لا تُنسى”… ولا ينسى الحفل أن يضع الرباط في قلب الصورة بوصفها عاصمة الأنوار وكرة القدم.

ولأن كل افتتاح يحتاج ذروة، وكل ختام يحتاج قلبا نابضا، جاءت القصيدة الإنجليزية بعنوان “SHINE BRIGHT MOROCCO – A GRATEFULL FAREWELL” لتؤدي وظيفة أبعد من الشعر. إنها تلخص البطولة بوصفها تجربة شعورية، لا مجرد منافسة.

تتحدث القصيدة عن قارة جاءت لتربح… لكنها “بقيت لتشعر”، وعن انتصارات ترفعنا وخسارات تشكلنا، وعن مدن مغربية صارت مسرحا لعائلة واحدة.

والأهم: أنها تقول للمغرب إنه لم يكن “المضيف” فقط، بل كان “نبضا”؛ قلبا للقارة وهي تجرّب أن تفرح دون خوف.

مشهد ثان.. حين يعود النشيد ليُغلق الدائرة

بعد القصيدة، لم يذهب العرض مباشرة إلى الصورة النهائية، بل مرّ عبر الموسيقى: تلك التي عاشت في المدرجات وال”فان زون” والبيوت، ثم عادت في الاختتام لتقول: ما جمعته هذه البطولة لا ينبغي أن يتسرب سريعا.

أغنية “AFRICALLEZ، تلك الأغنية الرسمية للبطولة، عادت في حصة أخيرة، بصيغة تؤديها ثلاث قامات تمثل القارة وامتداداتها:
• أنجيليك كيدجو،
• لارتيست،
• وجايلان.

والأغنية هنا ليست مجرد “فقرة نجوم”. بل أصبحت روح البطولة الموسيقية، ونداء للوحدة والشغف والأحلام.

حتى اللغة لم تُترك للصدفة، فالكلمات بالعربية والإنجليزية والفرنسية، نُسجت احتفاء بتعدد إفريقيا، وبقدرة كرة القدم على جمعها “خارج الحدود الوطنية”، كأن حفل الاختتام يريد أن يقول: نحن لا نتشابه… لكننا نستطيع أن نتجاور دون أن نُلغِي بعضنا.

مشهد ثالث.. الختام “مشهدا يُرى من السماء”

إذا كان المشهد الأول قال “شكرا يا مغرب”، والمشهد الثاني قال “شكرا يا إفريقيا”، فإن المشهد الثالث جمع الجملتين في صورة واحدة مكتملة.

هنا تظهر واحدة من أقوى أفكار الاختتام. اللافتتان الاحتفاليتان العملاقتان اللتان تُفردان من شمال الملعب وجنوبه، ثم تتحركان لتلتقيا في منتصف خشبة العرض، مثل جناحين يضمان قلبا واحدا.

عند التحامهما، لا تكتمل “اللوحة” فقط، بل يكتمل الرمز أيضا. صورة بانورامية لمجسم متوهج لكأس إفريقيا 2025، مصمم بزخارف الهوية الرسمية للبطولة.

كانت هذه هي اللقطة الأخيرة رمزا لبطولة أحيتها حماسة إفريقيا وأشعل مستقبلها المغرب، خاصة عندما أعقبتها العبارة التي تصلح لأن تكون شعارا للحكاية كلها:
We Play as One. We Rise as One.

والأقوى من كل ذلك هو أن الصورة لم تكن موجّهة لمن يوجدون داخل الملعب فقط، بل لمن ينظر “من الأعلى”، حيث يصبح المعنى واضحا بلا شرح: إفريقيا متحدة، المغرب مُكرّم، إرثٌ مختوم.

المستقبل وهو يمشي على مهل

وسط كل هذه الصناعة البصرية، مرّ تفصيل صغير يسرق القلب: طفل لا يحمل ألوان فريق بعينه، بل “قميصا محايدا يمثل جميع الأمم”، وفي يديه كرة عليها أعلام كل المنتخبات الإفريقية، تنبض بالضوء كقلب القارة.

ثم يمشي الطفل ببطء وفخر نحو مركز المسرح حيث ينتظره “الخطيب”، ليصيرا معا صورة واحدة: الماضي والمستقبل، التقليد والوعد، في لحظة واحدة.

كأن البطولة، في آخر لقطة، تقرر أن تعطي الكأس لمن يستحق المعنى، لا لمن يرفع المعدن فقط.

ويمكن أن يُقرأ حفل الاختتام على أنه “خاتمة جميلة”، لكن الأهم أنه خاتمة واعية بما تفعله: المغرب يودّع إفريقيا برسالة مزدوجة:
• الأولى: لقد استضفتكم بأمان وضوء وكرامة تنظيم. وهذا حاضر في القصيدة ورسائل الدليل.
• الثانية: إن ما جمعته الكرة ليس عابرا؛ إنه قابل لأن يتحول إلى أفق، كما تلمّح صياغات المشهد الأخير.

وبين الرسالتين، تقف الرباط مثل نقطة لقاء. مدينة لا تختصر البطولة، لكنها تمنحها “نبرة” لا تُنسى، وتُعلّم القارة كيف يمكن للحدث الرياضي أن يتحول إلى لحظة حضارية كاملة.

هكذا انتهت “كان” المغرب 2025… لا كحفل يطفئ الأنوار، بل كحفل يتركها مشتعلة في الذاكرة، ويهمس للجميع: هذا ليس وداعا، بل وعد جديد.