story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
دولي |

حظر “السوشال ميديا” على القاصرين.. خبير: عملية قيصرية لإنقاذ الطفولة

ص ص

في خطوة وُصفت بغير المسبوقة على الصعيد الأوروبي، صادق البرلمان الفرنسي مؤخرا، على مشروع قانون يقضي بمنع استخدام وسائل التواصل الاجتماعي “السوشال ميديا” من قبل الأطفال والمراهقين دون سن 15 عاما، بهدف الحد من الإدمان الرقمي وحماية الصحة النفسية للأجيال الصاعدة.

وقد حظي المشروع بتأييد واسع داخل البرلمان، حيث صوّت 130 نائبا لصالحه مقابل 21 معارضا، خلال جلسة برلمانية مطولة امتدت من مساء الاثنين 26 يناير إلى الساعات الأولى من صباح الثلاثاء 27 يناير 2026، على أن يُحال النص إلى مجلس الشيوخ للمصادقة النهائية قبل دخوله حيز التنفيذ.

ورحب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بالقانون، معتبرا إياه “خطوة كبيرة” لحماية الأطفال والمراهقين، ومؤكدا في تصريح مصوّر أن “مشاعر أطفالنا ليست للبيع ولا يجب التلاعب بها، سواء من قبل المنصات الرقمية أو الخوارزميات”، في إشارة واضحة إلى الشركات التكنولوجية العملاقة.

كما ينص القانون ذاته على حظر استخدام الهواتف المحمولة داخل المدارس الثانوية، لتسير فرنسا على خطى أستراليا التي أقرت إجراء مماثلا سنة 2025.

قراءة استراتيجية

في هذا الصدد، قدّم الباحث في الفلسفة السياسية والأخلاق فؤاد هراجة قراءة تحليلية معمّقة، اعتبر فيها أن هذا القرار لا يمكن اختزاله في بعده التربوي أو التعليمي فقط، بل يجب فهمه ضمن سياق دولي متوتر، يتسم بتصاعد الخلافات السياسية والاقتصادية بين أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، مشيرا إلى أن أوروبا تشهد في الآونة الأخيرة سلسلة من الخطوات التي تعبّر عن رغبة في تقليص التبعية الاستراتيجية لواشنطن.

ويرى هراجة، في حديث مع صحيفة “صوت المغرب”، أن حظر شبكات التواصل الاجتماعي على الأطفال دون 15 عاما، ومنع الهواتف المحمولة داخل الثانويات، سيؤدي إلى إبعاد شريحة واسعة من المجتمع الفرنسي عن الفضاء الرقمي، ما قد يُكبّد الشركات التكنولوجية العالمية خسائر بملايين، وربما مليارات الدولارات إذا ما اقتدت دول أوروبية أخرى بالتجربة الفرنسية.

وأشار الباحث في المركز الدولي للقيم الإنسانية والتعاون الحضاري، ومقره لندن، إلى أن هذا القرار سيحدّ من تدفق المعطيات والبيانات الشخصية التي تشكّل مادة خاما أساسية للشركات العملاقة وأجهزة الاستخبارات في استشراف توجهات المجتمعات.

وبحسب هراجة، فإننا “أمام شكل جديد من الحرب الناعمة بين أوروبا والولايات المتحدة، تستخدم فيه أدوات تشريعية وتربوية للضغط على اللوبيات الاقتصادية الأمريكية، ودفعها إلى كبح السياسات المتهورة التي باتت تهدد مؤسسات المنتظم الدولي”.

عملية قيصرية لولادة جديدة

ورغم هذه القراءة الجيوسياسية، يؤكد فؤاد هراجة أن الأبعاد التربوية والاجتماعية للقرار تظل جوهرية ولا يمكن تجاهلها. فقطاع التعليم في فرنسا، حسب قوله، يعاني منذ سنوات من تراجع مستمر في مستوى التحصيل الدراسي، نتيجة الإرهاق الذهني وضعف التركيز الناجمين عن الإدمان على وسائل التواصل الاجتماعي.

ويشرح الباحث في الفلسفة والأخلاق أن التلميذ الذي يقضي ساعات طويلة متنقلا بين الصور والمقاطع القصيرة، يصعب عليه نفسيا ومعرفيا أن يركز في درس يمتد ساعة أو ساعتين، وهو ما حوّل الفصول الدراسية، في نظر كثير من المتعلمين، إلى فضاءات مملة تفتقر إلى الجاذبية مقارنة بالإشباع السريع الذي توفره المنصات الرقمية.

واعتبر هراجة أن حرص الدولة على حماية الأطفال من هذا “التسونامي الرقمي” هو في جوهره حرص على إنقاذ مستقبل البلاد، لأن أطفال اليوم هم نخب الغد، وهم من سيتحملون مسؤولية قيادة مؤسسات الدولة والمنافسة في مجالات البحث العلمي والتصنيع في عالم لا ينتظر المتأخرين.

ووصف المتحدث هذا القانون بأنه “عملية قيصرية” تهدف إلى إخراج الأطفال من رحم وسائل التواصل الاجتماعي، ومنحهم فرصة ولادة جديدة لاكتشاف ذواتهم ومواهبهم وطاقاتهم، بعدما استحوذت عليها الشاشات والخوارزميات.

وأضاف أن هذا القرار من شأنه أن يساهم في استعادة المدرسة لوظيفتها التربوية، والأسرة لدورها في التنشئة، والزمن لقيمته، والطفولة لبراءتها، والعلاقات الإنسانية لعمقها الواقعي.

وختم فؤاد هراجة تصريحه بالتساؤل عما إذا كانت الدول الفرنكوفونية، التي غالبا ما تستلهم تشريعاتها من النموذج الفرنسي، ستسير في الاتجاه نفسه، أم أنها ستظل تنظر إلى المدرسة كأداة لإعادة إنتاج العلاقة التقليدية بين الحاكم والمحكوم، بدل اعتبارها فضاء لبناء أجيال قادرة على مواكبة تحولات العصر وصناعة المستقبل.