“حرب المصاحف”.. كتاب عن القرآن وعن الدولة
يصعب أن تكتب اليوم عن القرآن من خارج لغتين مستهلكتين، هما لغة الوعظ التي تعتبر كل سؤال بداية شبهة، ولغة الاستفزاز التي تتعامل مع أكثر النصوص حضورا في وجدان المسلمين كما لو أنه مجرد مادة للصدم الثقافي.
بين هاتين اللغتين، يختار الأستاذ والكاتب المغربي محمد الناجي طريقا ثالثا في كتابه الجديد “حرب المصاحف”، هو طريق البحث في التاريخ الاجتماعي والسياسي للنص القرآني، ليس بهدف هدمه ولا لتبخيسه، بل لفهم كيف تشكل، وكيف دار حوله الصراع، وكيف انتقل من تعدد مبكر في الحفظ والكتابة والقراءة إلى مصحف رسمي واحد صار، مع الزمن، مرجعا نهائيا للمسلمين.
من هنا تنبع قوة الكتاب، ومن هنا أيضا تأتي حساسيته. فهو لا يناقش القرآن باعتباره نصا معزولا “صُنع” في السماء، ولا باعتباره مجرد وثيقة بشرية، بل باعتباره وحيا دخل العالم، وعبر التاريخ، ومرّ من المجتمع واللغة والذاكرة والسلطة، قبل أن يستقر في صورته التي نعرفها اليوم.
لا يبدأ الناجي مغامرته هذه من سؤال تقني من نوع “متى جُمع القرآن؟”، بل من سؤال أكبر وأعمق يبحث في “من يملك النص؟”، ومن يملك حق قوله، وحق تثبيته، وحق إقصاء نسخه الأخرى، وحق احتكار تفسيره؟
يعلن المؤلف في مقدمة الكتاب موضوعه بكل وضوح. وهو فحص تطور النص القرآني إلى أن تم اعتماد المصحف الرسمي ذي السلطة اليوم، وفحص العلاقة بين السلطة المركزية وبين الفاعلين في حقل المقدس، أي حفظة القرآن أو “القُرّاء”.
ومن هذا المدخل، تتوالد الأسئلة التي تحكم الكتاب كله، من قبيل: هل كان هناك مصحف واحد منذ البداية أم أكثر من مصحف؟ وما أصل الفروق بين المصاحف؟ وكيف جرى الانتقال من “مصاحف” إلى مجرّد “قراءات”؟ وما الذي يجعل قراءة ما “صحيحة” وأخرى “شاذة”؟ ثم كيف دبرت الدولة الإسلامية الناشئة علاقتها بهذا النص الذي كان، في الوقت نفسه، مصدر شرعيتها وسبب قلقها؟
كتاب عن القرآن.. وعن الدولة
أهم ما يميّز كتاب “حرب المصاحف” أنه ليس كتابا في علوم القرآن بالمعنى المدرسي الضيق، ولا كتابا في تاريخ الخلافات الفقهية حول الرسم والقراءات فحسب. بل هو في العمق، كتاب عن ولادة الدولة الإسلامية وهي تسعى إلى وضع يدها على المجال الديني.
لذلك فإن عنوانه ليس مجرد صيغة دعائية. وكلمة “الحرب” المستعملة فيه لا تعني الخلافات النصية فقط، بل تعني ذلك الصراع حول من يقرر ما هو النص الشرعي الوحيد، ومن يملك أن يطرد بقية النسخ إلى الهامش أو إلى النار أو إلى خانة القراءات الشاذة
فالناجي يفترض منذ البداية أن توحيد المصحف لم يكن حدثا تقنيا بريئا، بل لحظة سياسية من لحظات بناء السلطة، تماما كما كان أيضا لحظة دينية كبرى في تاريخ الإسلام.
هذه الزاوية الفريدة وغير المعتادة، تجعل الكتاب شديد الأهمية، لأنها تعيد ترتيب الأسئلة. فبدل أن يسأل القارئ فقط: هل اختلفت المصاحف؟ يدعوه الناجي إلى أن يسأل أيضا: لماذا صار من الضروري توحيدها؟ ولمصلحة من؟ وبأي أدوات؟
وبدل أن يظل النقاش أسير فكرة “الجمع” كما تقدمها الروايات الكلاسيكية، يوسع الكتاب المنظور ليجعل من الجمع نفسه موضع سؤال. هل كان مجرد ضم لما هو متفرق؟ أم عملية أطول وأعقد، تخللتها انتقائية، وترتيب، وتثبيت، وإبعاد، وتبرير، ثم، في النهاية، فرض نسخة واحدة بوصفها التعبير الوحيد المشروع عن كلام الله؟