قيادة “الداخلية” لبرامج التنمية الترابية يثير مخاوف من “تآكل” صورة المنتخبين
إثر العرض الذي قدّمه وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت أمام المجلس الوزاري، يوم الخميس 9 أبريل 2026، بشأن الخطوط العريضة لحكامة الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية، ورغم التأكيد الرسمي على اعتماد مقاربة تشاركية تروم تحسين ظروف عيش المواطنات والمواطنين، عاد إلى الواجهة سؤال، قديم متجدد، يتعلق بموقع المنتخبين.
ويُطرح هذا السؤال بإلحاح، خاصة في ظل ترؤس الولاة والعمال، وفق التصور المعروض، لآليات القيادة والتتبع، بما يُحيل على هيمنة الإدارة أو السلطة المعيّنة على حساب التمثيلية الديمقراطية الترابية (المنتخبين).
وفي هذا السياق، أكد عمر الحياني، مستشار جماعي بمجلس مدينة الرباط، أن التصوّر الذي عرضه عبد الوافي لفتيت “يكرس تهميش دور المنتخبين الجماعيين مقابل تقوية دور وزارة الداخلية في تدبير برامج التنمية المجالية”.
وأوضح الحياني، في تصريح لصحيفة “صوت المغرب”، أن “المنتخبين هم الأدرى بإشكالات مجالاتهم الترابية، ويعبرون، من خلال أحزابهم، عن اختيارات المواطنين في معالجتها وحلها”.
واعتبر عضو المكتب السياسي لحزب فيدرالية اليسار الديمقراطي أن هذا التوجه يعد “تراجعا آخر عن مكتسبات دستور 2011، على قِلتها”.
دور المجالس المنتخبة..
وفي هذا الصدد، أوضح أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية بجامعة الحسن الأول بمدينة سطات، عبد الحفيظ اليونسي، أن “العرض الذي قدمه وزير الداخلية يتضمن تصورا لمرحلة ما بعد اعتماد صندوق التنمية الترابية المندمجة في قانون مالية 2026”.
وأشار اليونسي، في تصريح لصحيفة “صوت المغرب”، إلى أن وزير الداخلي سيكون الآمر بالصرف في الصندوق، والذي ستضخ فيه ميزانية ضخمة تقدر بـ 210 مليار درهم على مدة ثماني سنوات.
وأبرز أن “تفعيل هذا التوجه التدبيري للتنمية الترابية، يعني ضرورة تعديل القانون التنظيمي المتعلق بالجهات 111.14؛ حيث سيتم إلغاء وكالة تدبير المشاريع وتعويضها بشركة تنمية جهوية عبارة على شركة مساهمة، يرأس مجلس إدارتها رئيس الجهة”.
ونبه اليونسي إلى أن هذا التوجه يطرح “إشكالات تتعلق بالشبكية القرارية الترابية حيث ستتحول المجالس المنتخبة إلى مجرد غرف تسجيل، لا دور لها في مختلف مراحل هذه البرامج”.
وخلص الأكاديمي في هذا الصدد إلى أن هذا التوجه “يناقض مبدأ أساسي من مبادئ اللامركزية بالمغرب، أي مبدأ التدبير الحر القائم على ثلاثية: حرية التداول واتخاذ المقررات والرئيس كسلطة تنفيذية”.
تآكل صورة المنتخبين..
ومن جانبه، أورد أستاذ العلوم السياسية والقانون الدستوري بجامعة ابن طفيل بالقنيطرة، رشيد لزرق، أن ما يجري في المغرب يعكس انتقالا من منطق “تدبير التنمية بالتمثيل” إلى منطق “تدبير التنمية بالفعالية الممركزة جزئيا”.
واعتبر لزرق في تصريح لصحيفة “صوت المغرب” أن “دستور 2011 يسمح بهذا التحول ما دام لا يصادر مبدأ التدبير الحر ولا يفرغ الاختصاصات الترابية من مضمونها.”
واستدرك الأكاديمي بالقول: “لكن سياسيا، كل توسع في القيادة الإدارية للتنمية، إذا لم يواكبه رفع فعلي لقدرة المنتخبين على الاقتراح والقرار والتتبع، سيؤدي حتما إلى مزيد من تآكل صورتهم داخل المنتظم السياسي”.
ونبه في هذا الصدد إلى أن تآكل صورة السياسي المنتخب “يجعل الشرعية الانتخابية أقل وزنا أمام شرعية الدولة المنجزة”، وفقا لتعبيره.
يُذكر أن الفصل 136 من الدستور ينص على أن التنظيم الجهوي والترابي يرتكز على “مبادئ التدبير الحر، وعلى التعاون والتضامن”، مشددا على أهمية تأمين “مشاركة السكان المعنيين في تدبير شؤونهم، والرفع من مساهمتهم في التنمية البشرية المندمجة والمستدامة”.
الجيل الجديد للتنمية..
وكان وزير الداخلية، عبد الوافي لفتيت، قد قدم، في المجلس الوزاري الذي انعقد يوم أمس الخميس 9 أبريل 2026، عرضا حول الخطوط العريضة لحكامة الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة.
وتهدف هذه البرامج في تصورها العام، حسب بلاغ للديوان الملكي، إلى جعل تحسين ظروف عيش المواطنات والمواطنين وصون كرامتهم، غاية كل سياسة عمومية، عبر الرفع من جاذبية المجالات الترابية وتحفيز النمو الاقتصادي، وخلق فرص الشغل.
ووفق المصدر ذاته، تبلغ التقديرات الأولية للغلاف المالي الإجمالي لتنفيذ هذه البرامج على مدى 8 سنوات ما يناهز 210 ملايير درهم.
ومن أجل تنزيل هذه البرامج على أرض الواقع، أبرز المصدر أنه «تم وضع مخطط شامل يحدد آليات الحكامة والتنفيذ والتقييم، وكذا وسائل التواصل بشأنها».
المحفوظ طالبي