تواصل شلل المحاكم.. محامية: المعركة مشروعة واستقالة النقباء ستكون وصمة بتاريخ المغرب
بعد أكثر من أسبوعين ونصف من إضراب المحامين، لا تزال المحاكم المغربية تعيش حالة شلل شبه كامل، وسط وصول الاتصالات بين هيئات المحامين ووزارة العدل إلى باب مسدود، وتصعيد يلوح به النقباء بتهديدات الاستقالة، ما يعكس حجم الأزمة غير المسبوقة في تاريخ مهنة المحاماة بالمغرب.
ويتعلق الأمر بشكل مباشر بنحو عشرين ألف محامية ومحامٍ توقّفوا عن أداء مهامهم منذ أسابيع، وتشمل الأزمة 88 محكمة ابتدائية، و33 محكمة استئنافية، ومحكمة النقض، إضافة إلى عشرات مراكز القاضي المقيم، حيث تُعقد الجلسات دون مردود، وتتأجل الملفات مرة تلو الأخرى.
وفي ظل هذا الوضع المحتقن، تصف المحامية سعاد براهمة، عضو سكرتارية الجبهة الوطنية للدفاع عن استقلالية مهنة المحاماة، هذه المرحلة بأنها “معركة صمود”، معتبرة في حديث مع صحيفة “صوت المغرب” أن الوصول إلى “الباب المسدود” هو ما دفع الهيئات المهنية نحو خيار المقاطعة الشاملة.
وفي خطوة تصعيدية غير مسبوقة، يلوح النقباء بتقديم استقالات جماعية، وهو ما وصفته براهمة بأنه “ليس من فراغ”. وحذرت من أن وصول الأمر إلى استقالة النقباء سيكون “سبة وعار في تاريخ المغرب الذي يتبوأ مكانة حقوقية دولية”.
وقالت براهمة: “كون الباب والأفق مسدود هو ما دفعنا إلى المقاطعة والمعركة. لو كان الباب مفتوحًا لما كانت هذه المعركة قائمة. معركة الاحتجاج والمقاطعة هي معركة مشروعة ودستورية وقانونية، بمقتضى القوانين الدولية، كونها الشكل الوحيد والموثوق للتعبير عن رفض الإجراءات. إنها تشبه معركة الإضراب عن الطعام للمعتقلين. المسألة هي: من يصمد أكثر؟ وأؤكد أن صمود المحامي منقطع النظير ولا رجعة فيه.”
وشددت براهمة على أن هذه الخطوة “مشروعة ودستورية وبمقتضى القوانين الدولية”، مشبهة إياها بـ “معركة الأمعاء الفارغة” للمعتقلين، كونها الشكل الوحيد والفعال للتعبير عن الرفض. وأضافت: “المعركة ليست مستحيلة، لكنها مواجهة لا تقبل التراجع. الحكومة تريد كسر شوكة المحامي، وهذا سبب وضع مشروع القانون في النهاية لأنه يدرك قوة مواجهة المحامين له”.
وتابعت: “للأسف، أخلفنا كمحامين مواجهة بعض النصوص التشريعية التي مرت، والتي كانت ضمن سلسلة التردي والردة الحقوقية التي بلغها المغرب. اليوم راهنوا على التفرقة بين المحامين، لكنهم تأكدوا بأن ذلك مستحيل، حتى المختلف يقاطع. حديث النقباء عن الاستقالة ليس من فراغ، لأن خلفهم تاريخ مهني وقواعد منضبطة رغم أنها تتطلب أكثر من هذا”.
وشددت براهمة على أن الدولة المغربية مطالبة بالتدخل بإرادة سياسية حقيقية، مؤكدة أن “الحل ممكن وليس هناك مشكلة ليست لها حل. لا تراجع في صفوف المحامين”.
وتوجه براهمة انتقادات لاذعة لوزارة العدل، متهمة إياها بترويج “مغالطات” أمام الرأي العام، تهدف إلى تصوير احتجاجات المحامين كأنها دفاع عن “مصالح فئوية أو مالية”. وأوضحت: “مشروع قانون المهنة الذي تقدمت به الوزارة مخيب للآمال، ويضرب في العمق استقلال المهنة وحصانة الدفاع”.
وحسب قراءتها الحقوقية فإن “تحجيم استقلالية المحامي بجعله خاضعًا للجهاز التنفيذي سيسلبه الجرأة اللازمة للدفاع عن المواطن، مما يحوّل الدفاع من طرف قوي ونزيه إلى جهاز متحكم فيه”.
ومن أكثر النقاط إثارة للجدل في مشروع القانون الجديد، النصوص المتعلقة بالحصانة. ترى براهمة أن المقصود بـ “أي إخلال من المحامي” دون تفسير دقيق لمعناه يفتح الباب واسعًا أمام “التضييق والمنع”.
وأضافت: “كيف للمحامي أن يمارس دفاعه بجرأة أمام جهاز تنفيذي وهيئة قضائية وهو يخشى أن يُؤول كلامه كإخلال؟ هذا يضر أساس استقلال المهنة وحصانة الدفاع، ويجعل المحامي يخشى ممارسة دوره بجرأة كاملة”.
وأكدت براهمة أن مصالح المحامين ليست فئوية، بل حماية حق المرتفق في الدفاع الحر والنزيه. وأشارت إلى أن النصوص المقترحة تجعل المهنة “غير مستقلة عن الجهاز التنفيذي”، مما يضر بحق المواطنين في الحصول على دفاع حر ونزيه.
واختتمت براهمة بالقول إن الجبهة الوطنية للدفاع عن استقلال مهنة المحاماة تدافع عن مصلحة المهنة والمواطن على حد سواء، مشددة على أن الهدف الأساسي هو حماية حق المواطن ومرتفق العدالة قبل أي مصالح فئوية، والتي تبقى محفوظة بموجب النصوص القانونية السابقة.