تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية على مشرحة التقييم قبيل رأس السنة الأمازيغية
مع اقتراب حلول رأس السنة الأمازيغية الذي يحتفل به المغرب في 14 يناير من كل سنة، يعود النقاش إلى الواجهة حول واقع اللغة الأمازيغية ومسار تفعيل طابعها الرسمي، كما يعد فرصة لقراءة حصيلة العمل الحكومي في هذا الورش الوطني، ومقارنة الخطاب الرسمي للحكومة مع تقييمات الفاعلين المدنيين والحقوقيين المتابعين للشأن الأمازيغي.
في هذا السياق، يرى عبد الله بوشطارت، عضو مجموعة البديل الأمازيغي، أن ما تم إنجازه في تفعيل الطابع الرسمي للغة الأمازيغية خلال ولاية هذه الحكومة ظل محدوداً جداً، مؤكدا أن “الحصيلة لا ترقى بتاتاً إلى ما تطمح له الحركة الأمازيغية، بحيث لم تلتزم الحكومة بتنفيذ مضامين القانون التنظيمي رقم 26/16 المتعلق بتفعيل الترسيم، ولم تحترم الآجال القانونية المنصوص عليها في ذات القانون”.
وبالحديث عن قطاع التعليم، يسجل بوشطارت في حديثه لصحيفة “صوت المغرب”، أن “الحكومة لم تلتزم بما جاء في المادة الرابعة من القانون التنظيمي، التي تنص بوضوح على لزوم تعميم تعليم الأمازيغية في المستوى الابتدائي خلال الخمس سنوات الأولى بعد صدور القانون سنة 2019″، لافتا إلى أن “نسبة التعميم لم تبرح بعد عتبة 30 في المائة”.
ويضيف المتحدث أن “الحكومة لم تلتزم كذلك بإدماج تدريس اللغة الأمازيغية في المستويين الإعدادي والتأهيلي، رغم أن القانون يلزمها بذلك بشكل صريح”.
وبناءً على ذلك، يرى المصدر أن “الأمازيغية لا تزال تعاني من إقصاء غير دستوري في التعليم الثانوي الإعدادي والتأهيلي، مما يعيق استمرارية تعلم اللغة عبر مختلف الأسلاك التعليمية”.
كما انتقد بوشطارت “إقصاء الأمازيغية من حقها في التعليم الخصوصي”، مسجلا أن “الوزارة المعنية أصدرت مذكرة خلال هذه الحكومة جعلت تدريسها اختيارياً بعدما كان إجبارياً في القانون”، ويضيف إلى ذلك “حرمان الأمازيغية من التعليم الأولي الذي خلقته هذه الحكومة، وكذا إقصاءها من مشروع مدرسة الريادة الذي تم إدراجه خلال هذا الموسم بشكل متأخر وعشوائي”.
وفيما يتعلق بتزايد عدد الأساتذة، يرى بوشطارت أن الأمر قابل للنقاش، لأن الحكومة قامت بإلغاء الأستاذ المتخصص في الأمازيغية، ورفعت في المقابل من عدد الأساتذة الذين يتلقون تكويناً في جميع المواد”، ويوضح أنه “بعد تخرج هؤلاء يتم توظيفهم لتدريس الأقسام المزدوجة لسد الخصاص العام، وليس للتركيز على تدريس اللغة الأمازيغية بشكل حصري”.
ويلفت الفاعل الأمازيغي إلى “الإكراهات والمشاكل البنيوية التي يعاني منها أساتذة الأمازيغية في الميدان، والتي تعرقل أداء مهامهم”، ويذكر من بين هذه المشاكل “عدم وجود أقسام خاصة بهم لتدريس المادة، بالإضافة إلى عدم توفر الكتب المدرسية اللازمة وغيرها من الوسائل الديداكتيكية الضرورية للعملية التربوية”.
أما في القطاعات الأخرى، فيؤكد بوشطارت أن “الأمازيغية تعرف جموداً وركوداً، ضارباً المثل بالإعلام العمومي، ويشير إلى أن إدماج الأمازيغية في وسائل الإعلام العمومية من إذاعات وقنوات تلفزية “لم يعرف أي تطور منذ سنة 2010، بل إنه توجد قنوات تنعدم فيها الأمازيغية بشكل تام”.
ويستنتج بوشطارت أن “الحكومة لا تزال تشتغل بمنطق دستور 1996 في مجال الإعلام، مادام أن قناة تمازيغت تم خلقها سنة 2010 ولم يحدث تغيير جوهري بعدها”، وينسحب نفس الأمر، حسب قوله، على قطاعات حيوية أخرى مثل العدل والثقافة والصحة، بحيث “لا يزال حضور الأمازيغية فيها دون المستوى المطلوب دستورياً”.
وبخصوص ما تعتبره الحكومة إنجازاً في خلق صندوق الأمازيغية، يرى بوشطارت أن “ما تحقق منه غير كافٍ وليس في حجم الانتظارات والرهانات”، منتقدا “اشتغال الحكومة بمنطق الأعوان الذي يكرس الهشاشة الاجتماعية ولا يخلق مناصب شغل قارة”، واعتبر أن “هذا التوجه لا يخدم مأسسة اللغة بشكل رصين داخل الإدارات”.
وأضاف أن “الحكومة تختزل تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية في إجراءات تقنية مثل الرقمنة والترجمة وكتابة تيفيناغ على واجهات المؤسسات،” واصفا هذا التوجه بأنه تكريس لـ “أمازيغية الجدران” في حين يتم تهميش “أمازيغية الإنسان”، مما “يفرغ الترسيم من محتواه الحقيقي والوظيفي”.
وفي غضون ذلك، شدد بوشطارت على أن “الحكومة تفتقر إلى رؤية مندمجة لتفعيل ترسيم الأمازيغية أفقياً وعمودياً داخل مؤسسات الدولة، ويعزو ذلك لـ”عدم امتلاكها إرادة سياسية لإنصاف الأمازيغية، إذ يتم التعامل معها بشكل موسمي لتوظيفها في الخطاب السياسي والاستهلاك الإعلامي والاستغلال الانتخابي، دون استيعاب لعمق القضية وامتداداتها السياسية والإقليمية والدولية”.
من جانبها، تؤكد الحكومة أنها تعتبر “القضية الأمازيغية ورشاً مهماً واستراتيجياً يندرج في إطار التوجيهات الملكية السامية، ولاسيما منذ خطاب أجدير التاريخي”.
وكان مصطفى بايتاس، الوزير المنتدب المكلف بالعلاقات مع البرلمان والناطق الرسمي باسم الحكومة، قد تحدث خلال الندوة الصحافية الخميس 08 يناير 2026، على ما سماه “المنجز الحكومي في مجال الأمازيغية”.
ورداً على هذه الانتقادات، يبرز مصطفى بايتاس، الوزير المنتدب المكلف بالعلاقات مع البرلمان والناطق الرسمي باسم الحكومة، ما سماه “المنجز الحكومي في مجال الأمازيغية”. ويؤكد أن السلطة التنفيذية الحالية تعتبر القضية الأمازيغية ورشاً مهماً واستراتيجياً يندرج في إطار التوجيهات الملكية السامية، ولاسيما منذ خطاب أجدير التاريخي.
وأوضح بايتاس أن “عمل الحكومة ينبني على ترصيد التراكم الإيجابي الذي عرفته هذه القضية ذات البعد الهوياتي العميق بالنسبة للمغاربة”، ويشدد على توفر “الإرادة السياسية القوية من أجل التفعيل السريع للطابع الرسمي للغة الأمازيغية، مسنوداً بإجراءات تندرج ضمن رؤية شاملة لتكريس ما نص عليه الدستور المغربي”.
وأبرز المسؤول الحكومي أن “الجهاز التنفيذي عبأ الإمكانيات اللازمة لهذا الغرض”، مشيراً إلى أن “أول إجراء اتخذته الحكومة في هذا الإطار تمثل في إحداث صندوق لدعم استعمال الأمازيغية، إذ تم تمكين هذا الصندوق من إمكانيات مالية مهمة بهدف تمويل مختلف البرامج المرتبطة بتحديث الإدارة واعتماد اللغة الأمازيغية”.
وأضاف أن “هذا الصندوق يهدف بشكل خاص إلى دعم التنزيل الفعلي للأمازيغية داخل القطاعات الوزارية والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية”، مؤكدا أن الحكومة تعتبر هذه الخطوة المالية “حجر الزاوية في توفير الموارد الضرورية لتنزيل القوانين والمخططات المتعلقة بترسيم اللغة في المرافق العامة”.
كما أشار الناطق الرسمي باسم الحكومة إلى إحداث مديرية خاصة على مستوى الوزارة المكلفة بالانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة تحمل اسم مديرية تنمية استعمال الأمازيغية، مبرزا أن “هذه المديرية شرعت فعلياً في تنزيل مجموعة من الإجراءات العملية لضمان حضور اللغة في الفضاءات الإدارية والرقمية”.
وفي سياق “تقريب الإدارة من المواطنين”، أكد بايتاس أن “عدداً مهماً من الأعوان الناطقين باللغة الأمازيغية يشتغلون حالياً بمختلف القطاعات المركزية واللاممركزة”، إذ “يقوم هؤلاء بتقديم خدمات الاستقبال والتوجيه في قطاعات تعرف إقبالاً كبيراً من المرتفقين من قبيل الصحة، والعدل، والثقافة، وغيرها، لتسهيل التواصل”.
ولفت الوزير أيضاً إلى “وجود خطوط هاتفية مخصصة يشرف عليها أعوان ناطقون بهذه اللغة الدستورية، تعمل على “تقديم المعلومات والخدمات للمرتفقين الناطقين بالأمازيغية، مما يضمن حقهم في الوصول إلى المعلومة الإدارية دون حواجز لغوية تعيق قضاء أغراضهم”.
وفي مجال التربية والتعليم، ختم بايتاس حديثه بالإشارة إلى أن “تدريس اللغة الأمازيغية عرف تطوراً، خاصة من حيث عدد المناصب المخصصة لها”، موضحا أنه “في سنة 2020 لم يكن العدد يتجاوز 200 منصب، ليتم رفعه تدريجياً إلى 400 ثم 600، إلى أن بلغ خلال سنة 2026 ما مجموعه 1000 منصب مخصص لأساتذتها”.