story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
كوارث طبيعية |

تدبير مياه سد وادي المخازن.. كيف استبق المغرب سيناريو “درنة” المرعب؟

ص ص

في الوقت الذي تُفتح فيه بوابات سد واد المخازن العملاق لتصريف مئات الأمتار المكعبة في الثانية بعد امتلائه بالكامل، تحبس مدينة القصر الكبير، التي تم إفراغها بالكامل، أنفاسها. وتحضر في الأذهان صورة “مأساة درنة الليبية”.

ومع استمرار عمليات إخلاء السكان التي امتدت للدواوير المحاذية لواد اللوكوس، يطرح السؤال نفسه بإلحاح: هل استبق المغرب السيناريو الكارثي الذي عاشته مدينة درنة الليبية في شتنبر 2023؟

في هذا التقرير، نعيد تركيب المشهد؛ كيف حوّلت القرارات الإدارية والأمنية الخاطئة الكارثة الطبيعية في ليبيا إلى مأساة إنسانية؟ في وقت استبق فيه المغرب الأمر بإجراءات أمنية صارمة نجحت في لجم طوفان محتمل كاد أن يكرر مأساة درنة، ولكن بنسخة أشد فتكاً؟

درنة 2023.. أخطاء قاتلة

لفهم المشهد على الأرض في القصر الكبير، ينبغي أن نفتح الجرح الليبي. إذ لم تكن العاصفة “دانيال” وحدها من قتلت أكثر من 11 ألف شخص في درنة، بل أودت بحياتهم سلسلة من الأخطاء القاتلة، أسفر بعضها لاحقاً عن توقيفات في صفوف مسؤولين، على خلفية تهم الإهمال والفساد.

من بين هذه الأخطاء برز صمت الإنذار، بحيث أن السدين اللذين كانا يحميان المدينة، “سد أبو منصور” و”سد البلاد”، كانا في حالة تهالك واضحة، وكانت التشققات معروفة، لكن السلطات لم تتوفر على نظام إنذار مبكر يربط وضعية السدين بمراكز القرار في المدينة.

أما الخطأ الأخطر كان قرار حظر التجوال. فقبل انهيار السدين، اللذين كانا يحويان قرابة 24 مليون متر مكعب من المياه، بساعات، وبدلاً من إخلاء المنازل المتواجدة بالمناطق المنخفضة، أصدرت السلطات الأمنية في درنة قراراً بفرض حظر تجوال شامل، مطالبة السكان عبر مكبرات الصوت بالبقاء في منازلهم “حفاظاً على سلامتهم من الرياح”.

امتثل السكان للأوامر، ودخلوا بيوتهم، ليتحوّل الامتثال للقانون إلى حكم بالإعدام. وعندما انهار السدان، وجد المواطنين أنفسهم محاصرين داخل جدران مصيدة هائلة، لتجرفهم السيول وهم نيام.

كان غياب الاستباق وسوء التقدير الأمني عاملين حاسمين في تحويل الفيضان إلى مقبرة جماعية. فضلاً عن أن كارثة درنة كانت أقرب إلى جريمة إهمال قبل أن تكون كارثة طبيعية، إذ كشفت التقارير أن سدي “أبو منصور” و”البلاد” لم يخضعا لأي صيانة حقيقية منذ سنة 2002، رغم رصد ميزانيات لذلك.

كما وُجدت دراسات منذ عام 2011 تحذر من تشققات خطيرة في بنية السدين، وتؤكد عدم قدرتهما على الصمود أمام فيضان استثنائي، لكن إهمال السلطات وصراعاتها السياسية جعلت تلك التحذيرات حبراً على ورق. يضاف إلى ذلك غياب أجهزة استشعار تقيس ضغط المياه على جدران السدود، ما جعل لحظة الانهيار مفاجئة وكارثية.

القصر الكبير 2026.. تنفيس استباقي

بالانتقال إلى الضفة الغربية لشمال إفريقيا، يواجه المغرب وضعاً مشابهاً نظرياً؛ سد عملاق ممتلئ عن آخره، أمطار متواصلة، ومدينة كاملة تقع في سافلة السد.

غير أن السيناريو يختلف جذرياً بفضل التنفيس الاستباقي. إذ لم تنتظر وكالة الحوض المائي أن يفيض السد بشكل عشوائي، بل اتخذت قراراً تقنياً جريئاً بفتح بوابات سد واد المخازن لتصريف ملايين الأمتار المكعبة بشكل متحكم فيه، حماية لجسم السد من الانهيار، وحماية لأرواح السكان بالدرجة الأولى.

ويأتي بعد ذلك الاستنفار الأمني الكبير، بعكس ما حدث في درنة. فالسلطات المحلية بمدينة القصر الكبير لم تطلب من الناس “الاختباء”، بل طبّقت خطة استباقية، توجّهت بموجبها إلى الدواوير المحاذية للوادي، مثل دوار “أولاد احميد” ومناطق “المناصرة”، وأمرت السكان بإخلاء المنازل الطينية والمناطق المنخفضة فوراً.

كما وُجّه الفلاحون إلى إبعاد مواشيهم ومعداتهم عن مجرى الوادي قبل ساعات من وصول المياه، ليتواصل الإخلاء ويتسع نطاقه بعد وصول الماء إلى الأحياء المنخفضة بالقصر الكبير منذ الأربعاء 28 يناير المضي.

وخلال الأزمة، شوهدت جرافات الجماعات الترابية والوقاية المدنية مرابطة قرب القناطر والمقاطع الحرجة، تزيل الأوحال وتراقب منسوب المياه، مع منع صارم للمرور فوق القناطر المغمورة، وهو ما حال دون تسجيل أي خسائر بشرية، رغم قوة التيار.

الاحتمال الأسوأ

لفهم سبب هذا الاستنفار، لا بد من استحضار سيناريو الرعب الذي يسكن مخيلة شمال إفريقيا: “ماذا لو تكرر سيناريو درنة في حوض اللوكوس؟”. إذا افترضنا، جدلاً، وقوع خلل بنيوي في سد واد المخازن، ثاني أكبر سد في المغرب بسعة تخزينية تقارب 700 مليون متر مكعب، والآن تجاوزت مليار متر مكعب بعدما بلغت نسبة ملئه 160%، فإن النتائج ستكون كارثية.

وللإشارة، سعة سد وادي المخازن تعادل تقريبا 30 مرة سعة سدي “أبو منصور” و”البلاد”، في مدينة درنة بليبيا.

هذا السد لا يحتجز الماء فقط، بل يحتجز طاقة تدميرية هائلة. إذ في حال “الاحتمال الأسوأ”، لن نتحدث عن مجرد ارتفاع في المنسوب، إذا انهار السد، بل عن كتلة مائية بارتفاع عشرات الأمتار، تندفع بسرعة هائلة. وستكون مدينة القصر الكبير، الواقعة في سافلة السد، أول الضحايا.

وبحكم طبوغرافيتها المنبسطة أي “سهل الغرب”، لن تجد المياه حواجز طبيعية توقفها، ما يعني أن المدينة قد تُغرق بالكامل في غضون دقائق، تماماً كما حدث في وسط درنة.

لكن الخطر هنا يتجاوز البعد المحلي. لأن مجرى واد اللوكوس يقطع شرايين حيوية في المملكة، وأي طوفان غير متحكم فيه قد يؤدي إلى قطع الطريق السيار الرابط بين طنجة والرباط، وتدمير أو غمر الخط السككي، بما في ذلك خط القطار فائق السرعة “البراق”، ما سيعزل شمال المغرب عن وسطه، ويخلق أزمة لوجستية واقتصادية وطنية خانقة.

كما أن حوض اللوكوس وسهل الغرب يمثلان “سلة غذاء المغرب” من حيث إنتاج السكر، والفواكه الحمراء، والخضروات. واندفاع مياه موحلة بقوة، وربما اختلاطها بمياه البحر عند مصب العرائش في حالة “المد العكسي”، سيؤدي إلى جرف التربة الخصبة وتملّح الأراضي، ما يعني خروج آلاف الهكتارات عن الخدمة لسنوات طويلة، وضربة مباشرة للأمن الغذائي الوطني.

كل هذه المعطيات دفعت السلطات المغربية، بحسب مراقبين، إلى فتح بوابات السد وتصريف المياه تدريجياً، في إدارة أشبه بتفكيك “قنبلة موقوتة”، لإنقاذ عشرات الآلاف من الأرواح في مدينة القصر الكبير وضواحيها.

ومن جانب آخر، يرى مراقبون أن عملية الإخلاء في مدينة القصر الكبير تعتبر “شهادة وفاة” لسياسات تعمير لم تحترم الطبيعة. فبينما نجحت السلطات في حماية الأرواح عبر الاستنفار الأمني، يظل السؤال مطروحاً حول الخطأ الأبرز: لماذا سُمح بالبناء في مناطق هي في الأصل مجرى طبيعي لتفرعات واد اللوكوس وسهول فيضية؟