تحديات إدماج ذوي الإعاقة.. من كتلة مشاعر مختلطة إلى نزيف الثقة في المرفق العمومي
أكد كاتب الدولة لدى وزيرة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة، المكلف بالإدماج الاجتماعي، عبد الجبار الرشيدي، أن إدماج الأشخاص في وضعية إعاقة والنهوض بحقوقهم يقتضي مجهودات مضاعفة، معتبراً أن هذا الموضوع ليس بسيطا، ويبقى معقدا ومركبا وشائكاً.
جاء ذلك في كلمة له خلال ندوة عقدتها كتابة الدولة المكلفة بالإدماج الاجتماعي بشراكة مع المرصد الوطني للتنمية البشرية ومؤسسة وسيط المملكة، بقصر المؤتمرات بمدينة سلا، يوم الثلاثاء 31 مارس 2026، لتقديم نتائج دراسة جديدة حول موضوع «المرتفقون في وضعية إعاقة: شروط الولوج المرفقي والإدماج الإداري».
وأوضح الرشيدي، خلال الندوة التي تنعقد بمناسبة اليوم الوطني للأشخاص في وضعية إعاقة، أن الموضوع يتطلب تضافر جهود الجميع؛ “لأنه ليس قضية وزارة بعينها أو مؤسسة عمومية معينة، بل يهم جميع المتدخلين والهيئات الحكومية وكذلك المجتمع المدني”.
وأورد المسؤول الحكومي أن «الوزارة وكتابة الدولة تشتغلان على ورش المدن الوَلُوجَة، وقد تم إبرام 33 اتفاقية مع الجماعات الترابية إلى حد الآن»، مشيراً إلى أن الجماعات الترابية وفرت عمليا الولوجيات في الطرق والفضاءات العمومية والعامة.
تخفيض تكلفة التنقل..
ولفت المتحدث إلى أن «الوزارة عملت على تجويد آليات الاستقبال والإنصات داخل المرافق والشبابيك الموحدة، حيث ساهمت في تهيئة 87 مركز استقبال ومساعدة للأشخاص في وضعية إعاقة وأسرهم ومنظماتهم على المستوى الترابي، في إطار سياسة القرب التي تنهجها الحكومة».
وذكر أن الوزارة أبرمت اتفاقيتي شراكة مع المكتب الوطني للسكك الحديدية، وبمقتضاهما تم تعزيز الولوجيات داخل المحطات والقطارات، وتخفيض تكلفة التنقل بنسبة 50 في المئة.
وعلى الرغم من المجهودات المبذولة فيما يتصل بالإدماج والاستقبال، يبرز المسؤول الحكومي أهمية العمل على «مواجهة بعض الإشكالات التي تتعلق بالتواصل مع الأشخاص في وضعية إعاقة ذهنية عميقة أو نفسية صعبة»، داعياً إلى «الاهتمام بتكوين الموارد البشرية داخل الإدارة قصد تمكينهم من بعض المهارات للتواصل السلس مع بعض الحالات الصعبة جداً».
كتلة مشاعر مختلطة..
ومن جانبه، أورد وسيط المملكة، حسن طارق، أن مؤسسة الوسيط ترِد عليها عدة تظلمات تتضمن مساءلة للقرارات، وطلبات للوساطة تشمل تفاعلا مع النشاط المرفقي، لافتاً إلى أن اللغة التي تُصاغ بها وهي تتحدث عن المساطر والقواعد تُخفي «تجارب اجتماعية خاصة وكتلة من المشاعر المختلطة: الغضب، الإهانة، والإحساس بالظلم، والتطلع إلى الإنصاف».
وقال حسن طارق في كلمته: «إن الأرقام مهما كانت بلاغتها، فإنها لا تستطيع الصمود أمام أثر حالة واحدة يقف فيها مرتفق في وضعية إعاقة عاجزاً عن ولوج إدارة عمومية».
وأضاف: «لنا أن نتصور ما يمكن أن ينتجه هذا العجز من ألم وإحباط؛ حيث يتجرع المرتفق مرارة الإقصاء والمس بالكرامة، وقد تحول فجأة إلى كائن غير مرئي بالنسبة لإدارة يفترض فيها خدمته وتأمين حاجياته، وقبل ذلك الاعتراف بمواطنته الكاملة».
وأوضح أن في «عمق هذه الصورة ثمة أشياء أكثر من الألم الشخصي؛ إنه نزيف الثقة الذي قد يصيب مصداقية المرفق العمومي»، مردفاً: «ثمة ما هو أكبر من فشل مرتفق في الولوج إلى مؤسسة عمومية، إنه فشل الإدارة نفسها في اختبار عموميتها، وفي مد قنوات الانفتاح والاستقبال؛ فشل مزدوج في بناء إدارة مواطنة».
تدارك الزوايا المظلمة..
وأكد وسيط المملكة أن «المغرب راكم في الواقع، خلال السنوات الأخيرة، تقدما معتَبراً في تدبير سياسة الأشخاص في وضعية إعاقة من خلال إرادة معلنة وخيارات معيارية مكرسة وجهد مؤسساتي متواصل».
وأردف: «غير أن هذا لا يعني غياب الحاجة الماسة لمساءلة المنجز، ولتقييم الممارسة، ولتدارك الزوايا المظلمة في تدبير هذا الملف».
وعن انعقاد الندوة بمناسبة اليوم الوطني للأشخاص في وضعية إعاقة، قال حسن طارق إن هذا «اليوم يمنحنا فرصة ثمينة لتجديد فهمنا للإدماج المرفقي بوصفه جزءاً من الدولة الاجتماعية وهي تبحث عن صيغ أوفى لعدالة أقرب إلى الكرامة، وأشد التصاقاً بالحاجيات الفعلية للمواطنين».
وخلص وسيط المملكة إلى أنه «عندما تنجح الإدارة في أن تجعل الولوج قاعدة في تصميم خدماتها، وقاعدة في ترتيب فضاءاتها، ومرجعاً في تكوين مواردها البشرية وتطوير منصاتها ومساطرها، فإنها تمنح للمواطنة معنى أكثر امتلاءً، وتقدم للإنصاف صورة ملموسة في الحياة اليومية للناس».
محطة مهمة للتشخيص..
أما رئيس المرصد الوطني للتنمية البشرية، عثمان كاير، فقد اعتبر أن «هذه الدراسة المنجزة بشراكة مؤسساتية تشكل محطة مهمة لتشخيص واقع الولوجيات بمختلف أبعادها المادية والإجرائية والرقمية، وكذا رصد شروط الإدماج المهني داخل الإدارات العمومية».
وذكر كاير أن الدراسة «كشفت أن نسبة مهمة من الإدارات لا تزال تفتقر إلى تأطير تنظيمي واضح في مجال ولوج الأشخاص في وضعية إعاقة»، مضيفاً أنها كشفت أيضاً «التفاوت في مستوى الولوج رغم تسجيل بعض التقدم في تبسيط المساطر وتكييف الخدمات».
وأكد المتحدث أن «الرهان اليوم لا يقتصر على تحسين الولوج، بل يتجاوزه إلى بناء نموذج إداري دامج يأخذ بعين الاعتبار الأبعاد التنظيمية والموارد والثقافة المهنية والتمثلات الاجتماعية باعتبارها عناصر لضمان ولوج فعلي».
*المحفوظ طالبي