تأهل صعب.. مصر تقصي بنين من كأس أمم إفريقيا المغرب 2025
احتاج المنتخب المصري لكرة القدم إلى وقت إضافي ليحسم عبوره إلى ربع نهائي كأس أمم إفريقيا المغرب 2025، بعد مباراة امتدت ل 120 دقيقة أمام منتخب بنين وانتهت نتيجتها ب 3-1 في الملعب الكبير بمدينة أكادير، في سيناريو لم يكن فيه الفارق بين الفريقين مطابقا للتوقعات على الورق، بالنظر إلى التمييز المعتاد بين مرشح تاريخي وخصم بلغ الأدوار الإقصائية بصعوبة، بل فارق التفاصيل حين يُختبر المرشح في مباراة لا تمنحه إيقاعا مريحا ولا مساحات كافية لتفعيل أجنحته ونجومه.
دخول مصر كمرشح كبير
دخلت مصر ثمن النهائي وهي تُقدَّم كأحد أبرز الأسماء المرشحة للذهاب بعيدا، بلا خسارة في دور المجموعات، وبترسانة هجومية يقودها محمد صلاح ومعه عمر مرموش وتريزيغيه.
في الجهة الأخرى، وصلت بنين إلى الدور نفسه ضمن أفضل المحتلين للمركز الثالث، وبمؤشرات هجومية متواضعة في دور المجموعات، ثم جاء الغياب الأهم لستيف مونيي، القائد ونقطة الارتكاز الهجومية.
رغم ذلك، لم يتحول هذا النقص إلى انهيار، بل إلى خيار لعب واضح، من خلال تكتل منظم، وتضييق المساحات، ومحاولة سحب المباراة نحو منطقة “الصفر–صفر” أطول وقت ممكن، لأن الزمن في مباريات خروج المغلوب يصير حليفا لمن ينجح في تعطيل إيقاع المرشح.
منذ الدقائق الأولى ظهرت المفارقة التي ستطبع اللقاء: مصر تملك الكرة وتتحكم، لكن المباراة لا تُفتح. وأول فرصة كبيرة كانت مصرية بالفعل حين أطلق صلاح مرموش في العمق مبكرا، فانفرد مهاجم مانشستر سيتي بالحارس مارسيل داندجينو، غير أن الفرصة ضاعت، وبضياعها راح يتكرس مناخ المباراة، بشكل جعل كل لحظة لا تُترجم هدفا تصبح رصيدا نفسيا لمنتخب بنين، وتتحول تدريجيا إلى ضغط معاكس على المنتخب المصري الذي يشعر أنه مطالب بأن يسجل كي لا يدخل المنطقة الرمادية.
ما تلا تلك اللقطة لم يكن اندفاعا مصريا متصاعدا، بل مباراة بإيقاع منخفض. ولم يكن السبب “ضعف رغبة” بقدر ما كان اصطداما تكتيكيا مع منتخب بنين أغلق العمق بكثافة عددية، وترك لمصر الاستحواذ في مناطق لا تُوجع، ثم ضيق على مناطق الحسم.
هنا بدا أن الهجوم المصري يفتقد الاستمرارية في الضغط النوعي. صلاح حاضر لكنه لا يتلقى الكرة في وضعيات مريحة، ومرموش في دور المهاجم الصريح لم ينجح في جعل المدافعين يخرجون من مواقعهم، وتريزيغيه لم يحصل على العدد الكافي من الكرات التي تسمح له بالدخول إلى مناطق التسديد أو خلق تفوق واحد ضد واحد.
في المقابل، لم يكن بنين يبحث عن “هجوم طويل”، بل عن لحظات قليلة لكنها ممكنة. كرة ثابتة هنا، انتقال سريع هناك، وتسديدة من منطقة ثانية إن توفر الوقت. هذا التوازن صنع شوطا أول يكثر فيه الاحتكاك ويقل فيه الإيقاع، وتقل فيه الفرص الصافية، وهو تماما النوع الذي يريده الفريق الأقل حظا لأنه يمنع المباراة من التحول إلى موجة ضغط متواصلة.
السنياريو نفسه في الشوط الثاني
انطلق الشوط الثاني بالصورة نفسها تقريبا: استحواذ مصري، وتكتل بنيني متماسك، لكن الدقائق راحت تُراكم ثقلا على المرشح.
فرصتان مصريتان كانتا كفيلتين بكسر القفل دون الحاجة إلى “مباراة كاملة”: الأولى عبر كرة ثابتة انتهت إلى محاولة من رامي ربيعة أنقذها داندجينو ومعه الدفاع على الخط، والثانية حين حاول صلاح إنهاء هجمة بتسديدة من فوق الحارس بعد تمريرة في العمق، لكن داندجينو خرج منتصرا من المواجهة مرة أخرى.
هنا بدأ يتضح أن حارس بنين كان عاملا أساسيا في إبقاء فريقه داخل المباراة: ليس فقط بتصديات، بل بإطفاء اللحظات التي كان يمكن أن تُحوّل المباراة إلى اتجاه واحد.
ومثلما كان الدفاع البنيني منظما، فإن مصر لم تكن محمية بالكامل من “فخ السيطرة”. حين تهيمن دون أن تُنهي، يصبح أي خطأ واحد كافيا لتغيير شكل المباراة. وهذا ما كاد يقع حين وصل بنين إلى فرصة خطيرة أجبر فيها محمد الشناوي على تدخل حاسم، في لحظة أكدت أن الفريق الذي لا يملك الكرة كثيرا يمكن أن يملك لحظة واحدة تُسقط كل الحسابات.
الهدف-التحوّل
جاء التحول الأول أخيرا من حلّ ليس معقدا. تسديدة مروان عطية من خارج المنطقة بعد عمل على الطرف انتهى بتمريرة للخلف، فسدد في توقيت مثالي وبجودة عالية مانحا مصر هدف التقدم.
بدا الهدف في حينه كأنه سيغلق القصة، لأن منطق المباراة يوحي أن بنين سيضطر الآن للخروج من انضباطه الدفاعي، وأن المساحات ستظهر أخيرا لصلاح ومرموش.
لكن ما حدث بعد التقدم يشرح كثيرا مما يُقال عن مباريات الإقصاء. التقدم لا يقتل المباراة تلقائيا، بل قد يفتحها على أكثر السيناريوهات خطورة إن تراجع المرشح خطوة إضافية، أو إن ارتبك في إدارة الدقائق التي تلي الهدف.
فمنتخب بنين لم ينهَر، بل زاد من جرأته قليلا، وجاء التعادل من لحظة ارتباك وسوء خروج أو إبعاد من الشناوي في مشهد بدأ بكرة لم تُحسم بشكل نظيف وانتهى بتسجيل جوديل دوسو هدف التعادل. فجأة صارت المباراة من جديد داخل المنطقة التي يخشاها المرشح: وقت يضغط، وأعصاب ترتفع، وخصم استعاد الإيمان بأنه قادر على فعلها.
ازداد هذا الشعور أكثر حين أضاع محمد صلاح فرصة قاتلة قبيل النهاية أمام داندجينو. هذه اللقطة لم تغيّر النتيجة فقط؛ بل غيرت المناخ الذهني للتمديد. فلو سُجلت لانتهى كل شيء داخل التسعين دقيقة الأصلية. وحين لا يحدث ذلك، يدخل الفريقان إلى الوقت الإضافي وكل منهما يحمل قصة مختلفة: بنين يشعر أنه نجا وأنه يستطيع الصمود أكثر، ومصر تشعر أنها ضيعت “باب الخلاص” وعليها أن تُعيد فتحه في وقت أقل رحمة بدنيا ونفسيا.
تفوّق مصري في الأشواط الإضافية
في شوطي التمديد ظهرت الفوارق التي تُصنع عادة في هذا المستوى: التفاصيل، والكرات الثابتة، والقدرة على استثمار لحظة قصيرة من الارتباك.
سجّلت مصر هدفها الثاني بسرعة عبر ضربة رأس لياسر إبراهيم بعد كرة ركنية نُفذت بذكاء، حيث وصل العرض إلى منطقة يمكن فيها لهفوة تمركز واحدة أن تكون ثمنا. لم يكن الهدف مجرد كرة ثابتة؛ بل كان مكسبا استراتيجيا، أعاد مصر إلى موقع “المتقدم” ومنحها أفضلية نفسية لأنها لم تعد مطاردة، وأجبر بنين على رفع المخاطرة في وقت أصبحت فيه الأرجل أثقل والمسافات أطول.
بعد ذلك تحولت المباراة تدريجيا إلى عملية إدارة للوقت. كانت مصر تحاول أن تبقى متوازنة وتقلل من هدايا التحولات، وبنين يندفع بحثا عن تعادل جديد، لكن الاندفاع نفسه يفتح المساحات التي ظلّت مغلقة طيلة 90 دقيقة.
في الدقيقة الأخيرة تقريبا، استثمرت مصر هذا الوضع عبر هجمة مرتدة أنهاها محمد صلاح بهدف ثالث أنهى الشك ورفع النتيجة إلى 3-1، ليصبح التأهل محسوما دون الحاجة إلى ركلات الترجيح.
تأهل مستحق ولكن..
تأهل مصر، رغم أنه “مستحق” من زاوية السيطرة العامة وعدد لحظات التهديد، يفتح ملف الأسئلة التقنية أكثر مما يغلقه. فمصر عانت طويلا لتفكيك كتلة دفاعية متواضعة بالاسم لكنها منضبطة في التموضع.
كان الإيقاع منخفضا لفترات طويلة، والنجاعة لم تظهر إلا متأخرة، ثم عاد الفريق ليدفع ثمن خطأ واحد بتعادل أجبره على لعب 120 دقيقة.
كما أن المباراة شهدت إصابات وتبديلات اضطرارية قد تفرض على الجهاز التقني حسابات جديدة في الدور المقبل، لأن ضغط ربع النهائي لا يشبه ضغط ثمن النهائي، ولأن هامش التعويض يقل كلما ارتفع مستوى الخصم.
في المقابل، خرج بنين بخسارة تبدو ثقيلة على الورق (3-1) لكنها لا تلخص حقيقة ما قدمه في أغلب زمن المباراة. الفريق صمد، وأغلق المساحات، وعادل النتيجة في لحظة كانت كافية لفتح باب المفاجأة، وكان قريبا من جرّ المرشح إلى ركلات الترجيح لو استمرت المباراة على 1-1 أو لو استثمر دقائق ما بعد التعادل بجرأة أكبر.
منتخب بنين دفع في النهاية دفع ثمنين متلازمين: محدودية المخزون الهجومي من دون مونيي، وتراجع القدرة البدنية والتركيزية في الوقت الإضافي حيث تُحسم المباريات غالبا بكرات ثابتة أو تفاصيل صغيرة.