story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
دولي |

بين مجلس السلام وقصف إيران.. خبراء: المجلس جزء من استراتيجية إعادة تشكيل المنطقة

ص ص

قررت الولايات المتحدة الأمريكية، بتنسيق مع الاحتلال الإسرائيلي، شن ضربات عسكرية استهدفت طهران ومناطق حساسة داخل إيران، في خطوة أعادت منسوب التوتر الإقليمي إلى مستويات غير مسبوقة، وفتحت الباب أمام مرحلة جديدة من التصعيد في الشرق الأوسط، في وقت كانت فيه الإدارة الأمريكية تتحدث عن مبادرات لإعادة الاستقرار وصناعة السلام.

وتأتي هذه التطورات في سياق سياسي يتسم بمفارقة لافتة، إذ لم يمض وقت طويل على إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن تأسيس ما سُمّي بـ“مجلس السلام”، الذي قُدّم باعتباره إطارا دوليا لإعادة إعمار غزة وتعزيز مسارات التسوية، قبل أن تجد واشنطن نفسها منخرطة في عمل عسكري مباشر ضد إيران، ما يطرح تساؤلات حول طبيعة هذا المجلس وحدود أدواره.

وفي هذا السياق، يرى خبراء و إعلاميون أن ما يجري لا يعكس مفارقة بقدر ما يكشف عن رؤية استراتيجية تعتبر المبادرات السياسية جزءا من إدارة الصراع، بحيث تُوظَّف مسارات التفاوض والأطر البديلة عن الأمم المتحدة ضمن عملية أوسع لإعادة تشكيل خريطة الشرق الأوسط، وكبح صعود قوى دولية منافسة، وترسيخ منطق “السلام من خلال القوة” بوصفه عنوانا للمرحلة.

المجلس جزء من الحرب

في هذا الصدد يرى خالد ياموت، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، أن ما يسمى بـ”مجلس السلام” لا يمكن فصله عن السياق الحربي الذي تعيشه المنطقة منذ السابع من أكتوبر 2023، معتبرا أن هذه المبادرة ليست سوى حلقة ضمن مسار عسكري متواصل.

وأوضح ياموت، في تصريح لصحيفة “صوت المغرب”، أن إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن تشكيل مجلس للسلام جاء في سياق حرب مفتوحة، وفي خضم العدوان الذي عرفته غزة، وبالتالي “لا يمكن اعتبار أي خطوة خارج الأمم المتحدة، وأي مبادرة كيفما كانت الجهة الداعية لها، مبادرة حقيقية لصناعة السلام والأمن”.

وأضاف المتحدث أن المبادرات التي تُطلق خارج الإطار الأممي تفتقد، من حيث المبدأ، للشرعية الدولية الجامعة، وتبقى مرتبطة بأجندات القوى التي تقف وراءها، خاصة حين تصدر عن طرف منخرط بشكل مباشر في النزاع.

وبخصوص ما يُعتبر مفارقة بين تأسيس “مجلس السلام” وانخراط واشنطن في ضربات عسكرية استهدفت طهران، شدد ياموت على أنه “لا يوجد أي تناقض بين الخطوتين”، معتبرا أن كليهما يندرج ضمن رؤية استراتيجية واحدة.

وأكد أستاذ العلاقات الدولية أن من بين الأهداف الأمريكية المركزية للحرب على غزة إعادة تشكيل خريطة الشرق الأوسط بشكل يتجاوز الترتيبات التي أرستها اتفاقية “سايكس بيكو”، موضحا أن صناع القرار في واشنطن ينظرون إلى اللحظة الراهنة كفرصة لإعادة هندسة المجال الجيوسياسي للمنطقة.

وأشار ياموت إلى أن هذا التوجه يرتبط بسعي الولايات المتحدة إلى كبح التمدد الصيني في المنطقة، وضمان استمرار تفوقها الاستراتيجي، ومنع أي قوة دولية منافسة من تثبيت موطئ قدم مؤثر في المنطقة.

وخلص خالد يموت إلى التأكيد على أن كل المبادرات التي أطلقها ترامب، مهما اتخذت من صيغ تفاوضية أو إنسانية أو حتى مالية، تظل في نظره جزءا لا يتجزأ من العملية الحربية القائمة، حتى وإن ظهرت في شكل تفاوض أو جمع مساهمات، لأنها تخدم في النهاية أهدافا استراتيجية مرتبطة بإعادة ترتيب موازين القوة في الإقليم.

السلام عبر القوة

من جهته قال الكاتب الصحافي مصطفى ابن الرضي إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب “لطالما زعم أنه أنهى العديد من الحروب في 10 أشهر، وطالب، بناء على ذلك، بمنحه جائزة نوبل للسلام”، معتبرا أن هذا الادعاء “لا تدعمه الحقائق، مادام لا أحد قادرا على إحصاء هذه الحروب أو تحديد طبيعتها”.

وأوضح ابن الرضي، في تصريح لـ”صوت المغرب”، أن سجل الإدارة الأمريكية يكشف، برأيه، عن “سلسلة قرارات تقوّض الشرعية الدولية وتستهدف مؤسسات الأمم المتحدة”، فضلا عن “سلوك عدواني في أكثر من منطقة في العالم”، مستشهدا بما وصفه بـ”الضغوط على فنزويلا ومحاولة اختطاف رئيسها نيكولاس مادورو، إلى جانب الطموحات المرتبطة بجزيرة غرينلاند، ثم التوسّع في فرض الرسوم الجمركية بما يشبه حربا تجارية ذات أبعاد هيمنية”.

وأضاف المتحدث أن بعض هذه الرسوم التجارية “أقرت المحكمة العليا الأمريكية بعدم شرعيتها”، معتبرا أن الانتقال من الحروب التجارية إلى “الحرب على إيران” يجري، بحسب تعبيره، “خارج كل شرعية دولية أو أساس قانوني، في ظل انفراد أمريكي بتحديد ما هو جيد أو سيئ في العالم من منظور المصالح الأمريكية – الإسرائيلية”.

وأشار ابن الرضي إلى أن “الحربين على إيران، الأولى في يونيو 2025، والثانية في 28 فبراير 2026، لم تتمّا تحت أي شرعية أممية، بل شُنّتا خلال إجراء مسارات تفاوض”، مضيفا أن “المسارات الدبلوماسية تحولت إلى جزء من الأعمال الحربية”، وهو ما يفسره، وفق تعبيره، بشعار إدارة ترامب “السلام من خلال القوة”.

ويرى المتحدث أن هذا الشعار “يكثّف رؤية تقوم على إعلاء قيمة القوة والأساليب العدوانية على حساب القانون الدولي”، مشددا على أنه “لا أحد يتوهّم أن ترامب رجل سلام، إلا إذا تغيّر مفهوم السلام نفسه ليعني شيئا آخر”، في إشارة إلى ما اعتبره نزوعا لتغليب منطق القوة على منطق التعايش والالتزام بالشرعية الدولية.

وفي ما يتعلق بإنشاء “مجلس السلام”، قال ابن الرضي إن الهدف المعلن تمثل في “تأمين مسار سياسي لإنهاء حرب الإبادة ضد الشعب الفلسطيني في غزة”، غير أن الفكرة توسعت، بحسبه، إلى “محاولة إيجاد منتدى دولي جديد تتخوّف دول كبرى من كونه إطارا بديلا عن الأمم المتحدة، تكون فيه الكلمة الأولى والأخيرة للولايات المتحدة”.

وتوقف الصحافي ابن الرضي عند وضع غزة، مشيرا إلى أنها باتت “تحت الولاية القانونية لما يسمى مجلس السلام، المستمدة من قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2803 الصادر في 17 نونبر 2025″، معتبرا أن المجلس “لم يمنع استمرار قتل الفلسطينيين، ولم يسهل وصول الإمدادات الإغاثية، كما لم يوقف سياسات التجويع”، في مقابل طرح قضايا مثل نزع سلاح القطاع دون التأكيد، بالمستوى نفسه، على حماية السكان الواقعين تحت الاحتلال.

وخلص ابن الرضي إلى التأكيد على أن “حرب إيران الجديدة حلقة أخرى ضمن مسلسل تقويض الولايات المتحدة للقانون الدولي”، محذرا من أن العالم “يتجه نحو مزيد من التأزيم وفتح المجال أمام تسوية الخلافات بالقوة بدل الدبلوماسية”، وأشار إلى أن تصاعد الحديث عن إحياء مشاريع نووية، حتى داخل أوروبا، يعكس خطورة المرحلة الراهنة.