بين سد “الفجوة الخوارزمية” ونقل نقطة الصد.. ما الذي تغيّر في تكتيك المغرب لإحباط العبور نحو سبتة؟
بعدما تحولت محاولة العبور الجماعي نحو سبتة في 30 يوليوز الماضي إلى أزمة واسعة، تمكنت السلطات المغربية في 15 غشت الجاري من اعتراض مئات المرشحين للهجرة غير النظامية قبل وصولهم إلى الحدود، في عملية اتسمت بانتشار أمني أوسع ومراقبة ميدانية ورقمية مكثفة.
وتمكنت السلطات المغربية، بحسب مصدر أمني، من توقيف 294 مرشحاً للهجرة في الفنيدق وضواحيها إلى حدود الساعة 14:45 من يوم 15 غشت، بينهم 248 شخصاً من دول إفريقيا جنوب الصحراء و46 مغربياً. وتزامن ذلك مع منع نحو 300 شخص تجمعوا في المناطق الجبلية المحيطة بسبتة من الاقتراب من المدينة المحتلة أو التسلل إليها.
ويبدو الفارق بين التاريخين واضحاً في طبيعة الانتشار الأمني؛ ففي حين تمكن عشرات الآلاف من الوصول إلى سبتة في نهاية يوليوز، وسط أزمة أسفرت عن عشرات الوفيات، اعتمدت السلطات في 15 غشت على تدخلات بدأت بعيداً عن السياج الحدودي نفسه، وشملت الطرق ومداخل الفنيدق والمناطق الجبلية.
وفي قراءة للفارق بين موجتي 30 يوليوز و15 غشت، يرى الخبير الأمني محمد الطيار أن السلطات المغربية انتقلت من التعامل مع محاولات العبور بعد انطلاقها ميدانياً إلى مقاربة استباقية متعددة الأبعاد، مستهدفةً قنوات التعبئة الرقمية والتحركات في العمق الجغرافي، إلى جانب تطوير وسائل الرصد والتدخل وتعزيز التنسيق مع الجانب الإسباني.
من الردّ الميداني إلى “الإجهاض الاستباقي”
ويعتبر الطيار، في حديث مع صحيفة “صوت المغرب”، أن التحول الأساسي بين المرحلتين يتمثل في “الانتقال من المقاربة القائمة على الرد الميداني الآني إلى استراتيجية الإجهاض الاستباقي متعدد الأبعاد”. وقال إن هذا التحول “مكّنها من السيطرة الكاملة على الوضع وتفادي تكرار مشاهد التدفق الضخم السابقة”.
ويعني ذلك، بحسب قراءته، أن السلطات لم تعد تنتظر وصول مجموعات كبيرة إلى نقاط التماس مع الحدود للتدخل، وإنما عملت على اعتراض التحركات قبل بلوغها المرحلة التي يمكن أن تتحول فيها إلى اقتحام جماعي للسياج الحدودي.
“سد الفجوة الخوارزمية”
ويرى الطيار أن أحد أبرز عناصر التغيير تمثل في سد ما يسميه “الفجوة الخوارزمية”. وأوضح أنه خلال موجة يوليوز “تفاجأت المنظومة الأمنية بتعبئة رقمية هائلة قادتها منصات تواصل اجتماعي أغلبها من خارج المغرب وإسبانيا”، بينما بادرت الأجهزة الأمنية قبل محاولة 15 غشت إلى تفعيل “يقظة معلوماتية صارمة واستخبارات رقمية استباقية”.
ويضيف أن هذه المقاربة أسفرت عن “تفكيك قنوات الدعاية وتوقيف العشرات من المحرضين وصناع المحتوى الذين كانوا يجيشون للعبور الجماعي”، معتبراً أن ذلك “قطع خطوط التعبئة الافتراضية قبل تحولها إلى كتل بشرية على الأرض”.
وكانت السلطات قد أعلنت توقيف 61 شخصاً خلال الأيام التي سبقت 15 غشت، للاشتباه في تورطهم في التحريض والترويج لدعوات الهجرة غير النظامية عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
تغيير “نقطة الصد”
ولم يقتصر التحول، وفق الطيار، على الفضاء الرقمي، بل شمل أيضاً الجغرافيا التي تجري فيها العمليات الأمنية. ويقول إن السلطات “نقلت نقطة الصد من الشريط الحدودي المباشر وسياج معبر تاراخال إلى العمق الجغرافي والمنافذ البعيدة”.
ويشرح أن السلطات اعتمدت في غشت “أسلوب الأطواق الدائرية المتداخلة”، الذي بدأ “من محطات القطار والحافلات في المدن الداخلية ومحاور الطرق المؤدية إلى الشمال”، ثم انتقل إلى محاصرة وتفريق المجموعات التي تتسلل في العمق الجبلي والغابوي المحيط بمدينة الفنيدق قبل وصولها إلى السياج.
وبهذه الطريقة، يرى الخبير الأمني أن نقطة المواجهة لم تعد محصورة في آخر خط دفاع عند باب سبتة، وإنما أصبحت موزعة على مسارات التنقل نفسها، وعلى الطرق والمسالك التي يمكن أن يستعملها المرشحون للهجرة للوصول إلى المنطقة الحدودية.
تقليص الاحتكاك المباشر
وفي الجانب اللوجستي، يتحدث الطيار عن “تطور ملحوظ” في الوسائل المستخدمة ميدانياً، من خلال دمج التكنولوجيا في منظومة الرصد والتدخل.
وقال إن السلطات “وظفت الطائرات المسيرة بشكل مكثف للمراقبة الجوية والرصد المبكر للتحركات الليلية في التضاريس الوعرة”، إلى جانب “آليات الدفع المائي والشاحنات المضخمة لفرز التجمعات وتشتيتها بكلفة أمنية وبشرية أقل”.
ويعتبر أن هذه الوسائل جاءت “بدلاً من الحواجز البشرية التقليدية والمطاردة الميدانية المستنزفة التي طبعت مواجهات نهاية يوليوز”.
وتؤكد المعطيات الأمنية الرسمية الصادرة بشأن محاولة 15 غشت استخدام طائرات مسيرة للرصد، إلى جانب آليات محمولة للتدخل وشاحنات ضخ المياه، في إطار محاولة الحد من الاحتكاك المباشر بين القوات العمومية والمرشحين للهجرة.
تغير في تركيبة المرشحين
وينظر الطيار أيضاً إلى الاختلاف بين موجتي يوليوز وغشت من زاوية تركيبة المرشحين للهجرة.
ويقول إن موجة يوليوز “اتسمت بحضور مكثف وقوي لشباب وقاصرين مغاربة اندفعوا وراء الإشاعات الرقمية”، بينما أظهرت الحصيلة الميدانية لمحاولة 15 غشت “تراجعاً كبيراً للعنصر المحلي مقابل هيمنة جنسيات أجنبية، لاسيما من دول إفريقيا جنوب الصحراء ومن دول مغاربية أخرى”.
ويرى أن هذا التغير “يعكس نجاح المقاربة التوعوية والقانونية في كبح الاندفاع الشعبي المحلي”.
التنسيق مع إسبانيا عامل ردع
ويعتبر الطيار أن التنسيق مع الجانب الإسباني شكل أيضاً فارقاً في تدبير محاولة 15 غشت.
وقال إن “التنسيق السياسي والميداني الرفيع مع الجانب الإسباني” كان “علامة فارقة في محاولة غشت”، مشيراً إلى أنه بعد ما وصفه بـ”الارتباك النسبي والتلاوم الذي أعقب موجة يوليوز”، جرى تفعيل “اتفاق حاسم يقضي بالإرجاع الفوري والجماعي لكل من ينجح في اختراق الحدود دون أي مساطر تسوية معقدة”.
ويرى أن هذا “الردع القضائي والعملي المشترك على جانبي السياج الحدودي” أفقد محاولات العبور، بحسب تقديره، “حافز المغامرة”.
ويعتبر أن هذا التنسيق أثبت، في قراءته، أن المنظومة الأمنية المغربية “استوعبت سريعاً تكتيك الاقتحام الحاشد الفجائي وطورت مضادات ميدانية جعلت من اختراق سياج سبتة ومليلية المحتلتين عملية معقدة للغاية ومحكومة بالفشل المسبق”.
وبين 30 يوليوز و15 غشت، تغيرت بالتالي طبيعة المقاربة الأمنية، وفق تحليل الطيار، من انتظار موجة كبيرة عند الحدود إلى محاولة تفكيكها قبل تشكلها، عبر الجمع بين اليقظة الرقمية، ومراقبة طرق التنقل، والانتشار في المناطق الجبلية والغابوية، واستخدام وسائل الرصد والتدخل عن بعد، ثم التنسيق مع الجانب الإسباني.
وفي 15 غشت، أوقفت السلطات 294 مرشحاً للهجرة غير النظامية في الفنيدق وضواحيها إلى حدود الساعة الثانية و45 دقيقة بعد الزوال، بينهم 248 من دول إفريقيا جنوب الصحراء و46 مغربياً، فيما تم منع نحو 300 شخص من الاقتراب أو التسلل نحو سبتة، بحسب المعطيات الأمنية.
وبذلك، لم تتكرر مشاهد التدفق الضخم التي طبعت نهاية يوليوز، فيما تحولت المقاربة الأمنية من محاولة احتواء موجة كبيرة بعد وصولها إلى الحدود إلى السعي لمنع تشكلها أصلاً.