story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
التعليم والجامعة |

بن به: الارتقاء بالقضاء المالي رهين ببحث علمي يستوعب تحولات المحاكم المالية

ص ص

أكد إبراهيم بن به، الوكيل العام للملك لدى المجلس الأعلى للحسابات، أن الارتقاء بالقضاء المالي يظل رهيناً بمدى مواكبته ببحث علمي وفقهي قادر على تحليل تطوراته واستيعاب تحولات المحاكم المالية، خاصة في ظل الانفتاح المتزايد على نشر الأحكام والقرارات القضائية.

وأوضح، خلال تقديم كتابه “نظام مسؤولية المدبرين العموميين أمام القاضي المالي بين التأصيل والاستشراف”، يوم الجمعة 17 أبريل 2025، بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية – السويسي بالرباط، أن هذا التوجه أتاح للطلبة والباحثين في مجال المالية العمومية إمكانية الاطلاع على الإنتاج القضائي للمحاكم المالية، بما يعزز ارتباط البحث الأكاديمي بالممارسة العملية.

وأشار بن به إلى أن نظام مسؤولية المدبرين العموميين يندرج ضمن ”القانون العام المالي”، مبرزاً أن هذا الحقل يشكل الامتداد القانوني للمالية العمومية، على غرار ما يمثله القانون الإداري بالنسبة للنشاط الإداري.

وفي هذا السياق، شدد بن به على أن انفتاح المحاكم المالية على محيطها المؤسسي والعلمي يفرض على الجامعة إيلاء اهتمام أكبر لمواد القانون المالي والمحاسبة العمومية، رغم ما قد تبدو عليه من طابع تقني، مؤكداً أنها في العمق تشكل أحد المرتكزات البنيوية لتحديث الدولة.

وأضاف أن إصلاح المالية العمومية، بما في ذلك نظام المسؤولية المرتبط بها، لا يمكن اعتباره مجرد عنصر مكمّل لمسار التحديث، بل هو مكوّن أساسي يرتبط برهانات الديمقراطية وتعزيز ثقة المواطنين في المؤسسات.

وبخصوص مؤلفه، أوضح بن به أنه يأتي بعد أزيد من عقدين من الممارسة والتطبيق، كمحاولة لتقييم نظام مسؤولية المدبرين العموميين في ضوء الاجتهادات القضائية، مع الاستئناس بالتجارب الأجنبية، بهدف استشراف آفاق تطوير هذا النظام بما يضمن فعاليته.

وسجل أن هذا النظام يوجد في تقاطع مع أنماط أخرى من المسؤولية، خاصة في ظل بروز “المسؤولية التدبيرية” المرتبطة بمنطق التدبير المرتكز على النتائج، إلى جانب الأنظمة التقليدية للمسؤولية الإدارية والتأديبية والجنائية.

وفي تحليله لخصوصيات هذا النظام، أوضح أن المسؤولية الجنائية تقوم أساساً على الركن المعنوي، في حين ترتبط المسؤولية التأديبية بالحفاظ على قيم الوظيفة العمومية، بينما تتميز مسؤولية المدبرين العموميين بكونها تركز على الشخص أكثر من الجهاز، خلافاً للمسؤولية الإدارية التي تنصرف غالباً إلى المرفق.

وأضاف أن هذا التداخل بين أنظمة المسؤولية يثير إشكالات قانونية وقضائية، خاصة فيما يتعلق بالتمييز بين الخطأ الشخصي والخطأ المرفقي، وهو تمييز كرّسه الاجتهاد القضائي الإداري، لكنه يظل مطروحاً بإلحاح في مجال المالية العمومية.

وخلص بن به إلى أن تطوير نظام مسؤولية المدبرين العموميين يمر عبر تعميق البحث العلمي وتعزيز التفاعل بين القضاء والجامعة، بما يضمن بناء تصور متوازن يجمع بين فعالية الرقابة وضمانات العدالة، ويساهم في تحديث منظومة التدبير العمومي.

احتضنت كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية – السويسي بالرباط، ندوة علمية لمناقشة وقراءة كتاب “نظام مسؤولية المدبرين العموميين أمام القاضي المالي بين التأصيل والاستشراف”، لمؤلفه إبراهيم بن به، الوكيل العام للملك لدى المجلس الأعلى للحسابات.

وركزت المداخلات الأكاديمية والقانونية في الندوة على تطور نظام مسؤولية المدبرين العموميين بالمغرب. واعتبرت أن هذه المقتضيات تطرح إشكاليات عملية مرتبطة بمدى قدرة أجهزة الرقابة على تفعيلها، مؤكدين على الدور الذي يضطلع به القضاء المالي، سواء من خلال المراقبة أو من خلال الجزاءات المرتبطة بالمخالفات في تدبير المال العام.

كما تم التطرق إلى الإشكال المرتبط بالتوازن بين تشديد الرقابة وضمان حقوق المدبرين العموميين، حيث أثيرت مسألة تفادي خلق مناخ من الحذر المفرط قد يؤثر على المبادرة في التدبير، مقابل ضرورة فرض المساءلة عند تسجيل اختلالات.

في هذا السياق، أكد محمد أشركي، عضو أكاديمية المملكة والرئيس السابق للمجلس الدستوري، أن تطور القضاء المالي بالمغرب يرتبط بالدينامية الدستورية التي انطلقت مع دستور 1996، الذي ارتقى بالمجلس الأعلى للحسابات إلى مؤسسة دستورية، قبل أن يعزز دستور 2011 هذا المسار من خلال التنصيص الصريح على مبادئ الحكامة والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، إلى جانب إقرار استقلالية المجلس الأعلى للحسابات.

وشدد على أن هذه الترسانة القانونية تظل رهينة بمدى قدرة المؤسسات على تفعيلها، مبرزاً الدور المحوري للمجلس الأعلى للحسابات والمجالس الجهوية، وكذا أهمية العنصر البشري في إنجاح هذه المنظومة، من خلال تكوين جيل من القضاة الماليين الذين يسهمون في تنزيل هذه المقتضيات على أرض الواقع.

من جهته، اعتبر أحمد بوز، رئيس شعبة القانون العام، أن هذا العمل العلمي يكتسب أهميته من كونه يعالج موضوعاً مركزياً في الحكامة الحديثة، ويتجاوز العرض القانوني إلى مساءلة فعالية نظام مسؤولية المدبرين العموميين واستشراف سبل تطويره، في ظل التحدي القائم بين تشجيع المبادرة وضمان المساءلة.

أما حسن طارق، وسيط المملكة، فقد قدم قراءة ذات بعد أكاديمي وإنساني، معتبراً أن هذا المؤلف يشكل “درساً جامعياً” يعيد الاعتبار لقيم البحث العلمي العميق في زمن السرعة والاختزال، مبرزاً أن العمل يرقى إلى مستوى الدراسات الموسوعية التي تؤسس لنظرية عامة لمسؤولية المدبر العمومي، وقد يتحول إلى أحد كلاسيكيات القضاء المالي المغربي.

وفي مداخلة، أبرز عمر العسري، أستاذ القانون الإداري والمالية العمومية بجامعة محمد الخامس، أن المؤلف يتميز باستناده القوي إلى الفقه الفرنسي، من خلال توظيف الاجتهادات الفقهية المقارنة بمختلف أشكالها، قبل الانتقال إلى تحليل الفقه المغربي، مما يمنحه عمقاً علمياً ومقارنةً منهجية رصينة.

وأكد على أن القيمة المضافة لهذا العمل تتجلى في تقديمه قراءة متكاملة تجمع بين النص القانوني والتطبيق القضائي، مستفيدة من المسار المهني للمؤلف داخل المجالس الجهوية للحسابات والمجلس الأعلى للحسابات، مما يجعله موجهاً بالأساس لفئة المدبرين العموميين.