بعد مأساة سبتة.. مخاوف في إسبانيا من موجة عبور ثانية يوم 15 غشت
تستعد السلطات الإسبانية لاحتمال تجدد محاولات العبور الجماعي نحو مدينة سبتة المحتلة يوم الأحد 15 غشت 2026، بعد تداول دعوات على شبكات التواصل الاجتماعي تحدد هذا التاريخ لموجة جديدة، في وقت لم تتعاف فيه المدينة بعد من تداعيات أحداث 30 و31 يوليوز التي شهدت وصول عشرات الآلاف من الأشخاص من المغرب خلال فترة وجيزة.
وتتعامل الأجهزة الإسبانية مع الموعد باعتباره تهديدا محتملا يستوجب الاستعداد. حيث خلص تقييم أعده الحرس المدني الإسباني، إلى أن الدعوة إلى التحرك يوم 15 غشت “حقيقية وموثقة” على منصات فايسبوك وواتساب وإنستغرام، لكنها شددت في الوقت نفسه على أن حجم المشاركة والتنفيذ الفعلي والجهة التي تقف وراء الدعوة لا تزال غير معروفة.
وبحسب الوثيقة التي كشفت عنها الإذاعة والتلفزيون الإسبانيان (RTVE)، فإن “خطر” تحقق التحرك موجود، لكن حجمه غير قابل للتقدير في المرحلة الحالية، فيما سيكون مستوى التحرك الوقائي في المغرب، سواء على الطرق أو في المحطات أو في الفنيدق والساحل، إلى جانب التعزيزات الإسبانية، عاملا حاسما في تحديد ما إذا كانت الدعوات الرقمية ستتحول إلى حركة ميدانية.
دعوات رقمية تتكرر منذ نهاية يوليوز
من جانبها صحيفة “إلباييس” رصدت مئات الرسائل والمناقشات داخل مجموعات يستخدمها شباب مغاربة، بعضها يدعو صراحة إلى التوجه إلى المنطقة في ذلك اليوم، بينما تحذر رسائل أخرى من تكرار التجربة السابقة أو تشكك في جدية الدعوة.
وقالت الصحيفة إنها اطلعت على خمس مجموعات في فايسبوك تضم مجتمعة قرابة 400 ألف عضو، وتسع مجموعات على واتساب، فيما رصدت مؤسسة “Maldita” بدورها عشر مجموعات يتجاوز مجموع أعضائها 422 ألفا، إلى جانب محتويات متفرقة على إنستغرام.
هذه الأرقام لا تعني وجود مئات آلاف المرشحين للعبور، إذ يمكن للشخص نفسه أن يكون عضوا في أكثر من مجموعة، كما تضم هذه الفضاءات متابعين ومشككين وفضوليين، لكنها تعبّر عن مدى انتشار هذه الدعوات ووصولها إلى قطاعات واسعة من الجمهور.
وتتضمن النقاشات المتداولة أسئلة عن موعد التحرك، ومسارات الوصول إلى الفنيدق وبني أنصار، وظروف العبور، والنقل، وإمكانية الإعادة إلى المغرب، إلى جانب محتويات مضللة تتحدث عن فتح الحدود أو عن استحالة إعادة من يصل إلى سبتة.
تشبه هذه المعطيات، جزئيا، ما رصده المجلس الوطني لحقوق الإنسان قبل موجة نهاية يوليوز. فقد وثق المجلس انتشار تأويلات مضللة لقرار صادر عن المحكمة العليا الإسبانية، ورسائل عبر واتساب تدعو إلى التجمع بعد منتصف الليل، فضلا عن استعمال مجموعات رقمية لتبادل طرق الوصول ومعدات السباحة ونقاط التجمّع والمعلومات الميدانية.
إسبانيا لا تستبعد تكرار سيناريو 30 يوليوز
رئيس ما يسمى حكومة سبتة المحلية، خوان خيسوس فيفاس، طلب من الحكومة المركزية اتخاذ إجراءات “وقائية وردعية وتدخلية” استعدادا لاحتمال تحرك جديد في 15 غشت، مؤكدا أن سكان المدينة يخشون تكرار ما وصفه ب”الصدمة” التي عاشوها نهاية يوليوز.
فيما تواصل مدينة سبتة التعامل مع آثار الأزمة السابقة، بما في ذلك وجود مهاجرين وقاصرين لم يغادروا المدينة بعد، وضغط غير مسبوق على قدراتها في الإيواء والخدمات.
وكانت الحكومة الإسبانية قد أعلنت، في الأيام التي أعقبت موجة العبور، أن معظم من دخلوا إلى المدينة المحتلة، عادوا إلى المغرب، بينما بقيت أعداد أخرى داخل المدينة، وبينهم قاصرون غير مصحوبين.
كما خرج الآلاف من سكان المدينة، مساء أمس الأحد 9 غشت 2026، في واحدة من أكبر المظاهرات التي شهدتها المدينة خلال السنوات الأخيرة، مطالبين السلطات الإسبانية والأوروبية بإيجاد حل للأزمة.
وقدرت الشرطة الوطنية عدد المشاركين بأكثر من خمسة آلاف، بينما رفع المنظمون الرقم إلى أكثر من عشرة آلاف.
شبكات التهجير لم تختف بعد الموجة الأولى
زاد من مستوى الحذر الإسباني تقرير أعدته شركة «Golden Owl» المرتبطة بالمركز العلمي لجامعة أليكانتي، بعد تحليل النشاط الرقمي الذي سبق أحداث 30 و31 يوليوز.
وخلص التقرير إلى أن التعبئة السابقة لم تكن مجرد انتشار عفوي لمنشورات منفصلة، بل قامت على شبكة لامركزية ضمت مجموعات تنسيق مغلقة، وصفحات عامة واسعة الانتشار، وأفرادا يتولون تكوين مجموعات أصغر من المرشحين للعبور. لكنه لم يحدد قيادة مركزية واحدة أو مؤسسة تقف وراء الشبكة.
وبحسب الدراسة، أوقفت أو اختفت خمسة من أكثر المجموعات نشاطا بعد الأزمة، لكنها اعتبرت أن الشبكة “أزيحت فقط ولم تُفكك”، وأن جزءا من النشاط انتقل إلى مجموعات تبدو في ظاهرها مخصصة للعمل أو الاهتمامات العامة، ما يجعل رصده أكثر صعوبة.
وبخصوص 15 غشت، خلص الباحثون إلى أن محاولة جديدة تظل محتملة، لكنهم يرون أن بلوغها حجم موجة نهاية يوليوز أقل ترجيحا في ضوء رفع مستوى اليقظة وإغلاق عدد من القنوات الرقمية الأكثر نشاطا.
كما تحول موعد 15 غشت إلى عنصر في خلاف دبلوماسي بين مدريد وروما. فالحكومة الإيطالية، التي أعادت فرض المراقبة على القادمين من إسبانيا بعد أزمة سبتة، أعلنت أنها لن تعيد النظر في إجراءاتها قبل 15 غشت، مستندة إلى احتمال حصول موجة جديدة نحو المدينة في ذلك التاريخ.
وردت إسبانيا بفرض مراقبة مؤقتة على المسافرين القادمين من إيطاليا ابتداء من 8 غشت، مع إعلان استمرارها مبدئيا إلى 7 شتنبر.
في المقابل، تؤكد الحكومة الإسبانية أن وضع سبتة ومليلية أصبح تحت السيطرة “إلى حد كبير”، وأن أغلبية من عبروا في نهاية يوليوز عادوا إلى المغرب ولم يصلوا إلى شبه الجزيرة الإيبيرية.