بعد التطورات في فنزويلا.. لماذا تعود غرينلاند إلى واجهة أطماع ترامب؟
كشفت التطورات الأخيرة أن “شهية” الرئيس الأميركي دونالد ترامب للنفوذ في نصف الكرة الغربي تبدو غير محدودة، إذ انتقل سريعا من تصعيده ضد فنزويلا إلى إعادة فتح ملف غرينلاند.
فبعد يوم واحد فقط من اعتقاله الرئيس السابق لفنزويلا نيكولاس مادورو رفقة زوجته، قال ترامب للصحفيين على متن الطائرة الرئاسية إن الولايات المتحدة “تحتاج غرينلاند من منظور الأمن القومي”.
وأعادت هذه التصريحات، إلى جانب مواقف لاحقة، إشعال أزمة دبلوماسية مع الدنمارك، وأثارت صدمة واسعة في الأوساط الأوروبية، كما جدّدت الجدل حول طبيعة غرينلاند وأهميتها، ولماذا تعود بقوة إلى أجندة السياسة الأميركية.
ما طبيعة غرينلاند؟
غرينلاند هي جزيرة شاسعة تقع في القطب الشمالي، وتعد إقليماً يتمتع بالحكم الذاتي ويتبع سيادياً للدنمارك، تمتد على مساحة تقدر بـ2.16 مليون كيلومتر مربع، وتعد الأقل كثافة سكانية في العالم، إذ لا يتجاوز عدد سكانها 56 ألف نسمة، يشكل الإنويت حوالي 90% منهم.
وتتميز الجزيرة بطبيعتها القاسية، حيث يغطي الجليد نحو 81% من مساحتها، بينما تتركز المدن والمستوطنات على السواحل الغربية، وتعتمد بشكل رئيسي على الصيد كمصدر تاريخي للدخل.
لماذا هي مهمة استراتيجياً؟
تشغل غرينلاند موقعاً جيوسياسياً استراتيجياً، إذ تقع بين الولايات المتحدة وأوروبا وعلى امتداد ما يُعرف بفجوة GIUK، وهو ممر بحري بين غرينلاند وآيسلندا والمملكة المتحدة يربط القطب الشمالي بالمحيط الأطلسي.
كما تزيد رواسبها الغنية من الموارد الطبيعية، بما في ذلك النفط والغاز ومعادن العناصر الأرضية النادرة، من أهميتها الاستراتيجية، ولا سيما في ظل توظيف الصين لهيمنتها على صناعة العناصر النادرة للضغط على الولايات المتحدة.
وتزداد أهمية هذه المعادن النادرة في الاقتصاد العالمي، إذ تُستخدم في تصنيع كل شيء من السيارات الكهربائية وتوربينات الرياح إلى المعدات العسكرية، وقد تصبح ثروة غرينلاند المعدنية أكثر قابلية للاستخراج مع ذوبان الجليد في القطب الشمالي بفعل أزمة المناخ، وهي ظاهرة تجعل طرق الشحن الشمالية صالحة للملاحة لفترات أطول على مدار العام، ما قد يعيد توجيه التجارة ويجعل المنطقة أكثر أهمية.
ورغم تقليل ترامب من أهمية الموارد الطبيعية لغرينلاند، قائلاً للصحفيين الشهر الماضي في وقت سابق، “نحن بحاجة إلى غرينلاند من أجل الأمن القومي، وليس من أجل المعادن”، إلا أن مستشاره السابق للأمن القومي مايك والتز أشار في يناير 2024 إلى أن “تركيز ترامب كان على الموارد الطبيعية”، مؤكدا لقناة فوكس نيوز أن “اهتمام الإدارة بغرينلاند يتعلق بالمعادن الحيوية والموارد الطبيعية”.
من فنزويلا لغرينلاند
في اليوم التالي لاعتقال القوات الأميركية مادورو من منزله رفقة زوجته، كرر ترامب أن “الولايات المتحدة بحاجة إلى غرينلاند من منظور الأمن القومي”.
وفي الوقت نفسه، أكد نائب كبير موظفي البيت الأبيض للسياسات ستيفن ميلر تلك المزاعم، ما سلط الضوء بشكل أكبر على الإقليم القطبي.
وقال ترامب للصحفيين على متن طائرة الرئاسة “إير فورس وان” يوم الأحد 04 يناير الجاري، “نحن بحاجة إلى غرينلاند، إنها استراتيجية جداً الآن، غرينلاند مغطاة بالسفن الروسية والصينية في كل مكان”، مضيفا “نحن بحاجة إلى غرينلاند من منظور الأمن القومي، والدنمارك لن تكون قادرة على القيام بذلك”.
ومع مضاعفة الموقف يوم الثلاثاء 07 يناير الجاري، قال البيت الأبيض إنه “يناقش مجموعة من الخيارات للاستحواذ على غرينلاند، وأن استخدام الجيش الأميركي ليس مستبعداً”.
وخلال ولايته الأولى، ورغم إبلاغه من الجزيرة بأن “غرينلاند ليست للبيع”، إلا أن ترامب أعاد إحياء تلك الدعوات في دجنبر 2024، قائلاً في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي “لأغراض الأمن القومي والحرية في جميع أنحاء العالم، تشعر الولايات المتحدة الأميركية بأن ملكية غرينلاند والسيطرة عليها ضرورة مطلقة”.
وقال إن الولايات المتحدة بحاجة إلى غرينلاند من أجل الأمن الاقتصادي، قبل أن يسافر نائب الرئيس جي دي فانس إلى الجزيرة في مارس 2025، حيث قال إن “سياسة الولايات المتحدة هي رؤية تغييرات في القيادة الدنماركية للجزيرة”، لكنه أقرّ بأن “على الغرينلانديين أن يقرروا مستقبلهم”.
رفض واسع في غرينلاند
وتُظهر استطلاعات الرأي في غرينلاند معارضة واضحة لأن تصبح جزءاً من الولايات المتحدة، إذ يعارض 85% من سكان غرينلاند الحكم الأميركي.
من جهتها، قالت رئيسة وزراء الدنمارك ميتي فريدريكسن إن خطاب الولايات المتحدة “غير مقبول تماماً”، وأضاف في بيان “عندما يتحدث رئيس الولايات المتحدة عن الحاجة إلى غرينلاند ويربطنا بفنزويلا والتدخل العسكري، فإن ذلك ليس خطأً فحسب، بل هو عدم احترام”.
وأضافت فريدريكسن “لا مزيد من أوهام الضم، نحن منفتحون على الحوار، نحن منفتحون على النقاشات، لكن يجب أن تتم عبر القنوات الصحيحة وباحترام القانون الدولي، غرينلاند هي وطننا وإقليمنا وستبقى كذلك”.
الناتو أمام اختبار صعب
إذا استخدمت الولايات المتحدة عملاً عسكرياً للاستيلاء على غرينلاند، وهو أمر لا يستبعده ترامب، فقد يؤدي ذلك إلى تصدع حلف الناتو.
فقد قالت رئيسة الوزراء الدنماركية ميتي فريدريكسن يوم الاثنين الماضي “إذا اختارت الولايات المتحدة مهاجمة دولة أخرى في الناتو عسكرياً، فإن كل شيء سيتوقف، بما في ذلك الناتو، وبالتالي الأمن الذي تم توفيره منذ نهاية الحرب العالمية الثانية”.
ويوم أمس الثلاثاء، عبر قادة قوى أوروبية كبرى عن دعمهم للدنمارك وغرينلاند، مضيفين أن “أمن القطب الشمالي يجب أن يُصان بشكل جماعي مع حلفاء الناتو، بما في ذلك الولايات المتحدة”.
وقال قادة فرنسا وألمانيا وإيطاليا وبولندا وإسبانيا وبريطانيا والدنمارك في بيان مشترك “غرينلاند تعود لشعبها، الأمر يعود للدنمارك وغرينلاند، ولهما وحدهما، لاتخاذ القرارات المتعلقة بالدنمارك وغرينلاند”. مضيفين “لقد أوضح الناتو أن منطقة القطب الشمالي أولوية، وأن الحلفاء الأوروبيين يعززون جهودهم”.