بعد استقالته.. مسؤول أمريكي سابق: إيران لم تشكل تهديدًا والحرب نتيجة ضغوط إسرائيلية
في حوار كشف فيه عن كواليس صناعة قرار الحرب في واشنطن، أكد جو كينت، المدير السابق للمركز الوطني لمكافحة الإرهاب، أن الولايات المتحدة انخرطت في مواجهة عسكرية مع إيران بناء على ضغوط خارجية، مشدداً على أن طهران لم تكن تمثل تهديداً وشيكاً، وأن قرار الحرب لم يكن مدفوعاً بوقائع استخباراتية حاسمة.
وأوضح كينت، في أول مقابلة له منذ مغادرته منصبه، أن إيران لم تكن تشكل أي تهديد مباشر للولايات المتحدة قبل اندلاع الحرب. وكشف أن الذريعة التي سِيقت لشن الهجوم لم تكن ناتجة عن خطط إيرانية مبيتة لمهاجمة أمريكا، بل لأن المسؤولين الأمريكيين علموا أن إسرائيل كانت على وشك شن هجوم منفرد.
وأضاف: “لم تكن هناك أي معلومات استخباراتية تُظهر وجود تهديد وشيك؛ التهديد الوشيك لا يظهر إلا بعد أن نبدأ نحن بالهجوم، وهذا منطق ينطبق على أي دولة تدافع عن نفسها”.
وأشار كينت إلى وجود “منظومة معلومات” موازية في واشنطن، تتكون من جماعات ضغط (لوبي) ومسؤولين إسرائيليين، عملت على تجاوز تقييمات أجهزة الاستخبارات الأمريكية الرسمية عبر تسريبات إعلامية مكثفة، ونجحت في تحويل “الخط الأحمر” الأمريكي من “منع امتلاك سلاح نووي” إلى “منع أي مستوى من التخصيب”، وهو ما أدى فعلياً إلى تخريب كافة فرص التفاوض.
بدائل دبلوماسية ضائعة
ويرى كينت أنه كان بإمكان واشنطن تجنب الانزلاق إلى هذه الحرب عبر خيارات واضحة، قائلاً: “كان بإمكاننا ببساطة إبلاغ الإسرائيليين برفضنا لهذا التحرك وتهديدهم بسحب الدعم في حال التنفيذ”.
كما كشف عن إمكانية التواصل غير المباشر مع طهران لإبلاغها بأن واشنطن ليست طرفاً في أي تصعيد إسرائيلي محتمل للحفاظ على مسار المفاوضات، خاصة وأن الخطط الإيرانية للرد مثل استهداف القواعد ومضيق هرمز كانت معروفة ومتوقعة.
حقيقة القنبلة النووية
وفيما يخص الملف النووي، شدد كينت على أن إيران لم تكن على وشك امتلاك القنبلة، مستشهداً بـ “فتوى دينية” تحرم ذلك منذ عام 2004، ولم تظهر أي مؤشرات على إلغائها أو تجاوزها.
ووصف الاستراتيجية الإيرانية بأنها “براغماتية بامتياز”، حيث سعوا للحفاظ على قدرات التخصيب كأداة ردع لتجنب مصير معمر القذافي، وفي الوقت نفسه تجنبوا إنتاج السلاح فعلياً لتفادي مصير صدام حسين.
وأشار إلى أن الإيرانيين يتمتعون بالقدرة الفكرية على تطوير سلاح نووي، كما كان بإمكانهم مبادلة كميات كبيرة من النفط مع باكستان أو غيرها للحصول على سلاح نووي، “لكنهم لم يفعلوا ذلك، ولم يكن لدينا أي مؤشر على أنهم كانوا يفعلون ذلك”. وأردف قائلًا: “هذا ليس لأنهم شعب غير ذكي، بل على العكس تمامًا، يمكننا أن نرى الآن أنهم أذكياء للغاية”.
كارثة عالمية
وحذر كينت من الانقياد الأعمى وراء الأهداف الإسرائيلية، قائلاً: “نحن نثق بالإسرائيليين أحياناً أكثر مما ينبغي، متناسين أن مصالحهم قد تختلف عن مصالحنا”.
وأوضح أن انهيار إيران وتحويلها إلى ساحة فوضى قد يخدم مصالح إسرائيلية ضيقة، لكنه سيمثل “كارثة عالمية” للولايات المتحدة وحلفائها، حيث سيؤدي إلى انهيار إمدادات الطاقة، وتهديد الملاحة في مضيق هرمز، وإثارة موجات هجرة نحو أوروبا.
حتى يوم الثلاثاء 17 مارس الجاري، كان كينت يشغل منصب مدير المركز الوطني لمكافحة الإرهاب، الوكالة الأمريكية المسؤولة عن تنسيق وتحليل المعلومات الاستخباراتية المتعلقة بالإرهاب. وتعد استقالته أشد انتقاد عملي حتى الآن لجهود الحرب من داخل إدارة ترمب.
ويعتبر جو كينت أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران غير مبررة، فضلا عن كونها تمثل انحرافًا عن السياسة الأمريكية، محذرا من أن استمرارها قد يؤدي إلى نتائج عكسية، منها تصعيد الصراع وزيادة احتمالات زعزعة الاستقرار الإقليمي، إضافة إلى تعميق التوتر بين الولايات المتحدة وإيران بدل احتوائه.
اغتيال خامنئي قرار خاطئ
ويذهب كينت إلى أن استهداف المرشد الأعلى الإيراني آية الله خامنئي كان خطأً استراتيجيًا، موضحًا أن مثل هذه العمليات تميل إلى تعزيز تماسك الأنظمة بدلاً من إضعافها.
وقال: “لا أعتقد أن المرشد الأعلى كان يخشى الموت، ليس لأنه شخص متهور، وربما تلعب ثقافة “الشهادة” في المذهب الشيعي دورًا جزئيًا في ذلك، لكنني أعتقد أنه كان يعلم أنه إذا قُتل، فإن النظام سيستمر، لأن الشعب سيلتف حوله”.
ويرى كينت أن اغتيال القيادات العليا يؤدي عادة إلى توحيد الداخل حول السلطة القائمة، كما أنه قد يدفع نحو تصعيد أكبر، إضافة إلى أنه يمنح الحرس الثوري الإيراني مبررًا لتعزيز نفوذه داخل البلاد. ويشير إلى وجود توازن داخلي بين القيادة الدينية والحرس الثوري، محذرًا من أن تقويض هذا التوازن قد يؤدي إلى مزيد من التشدد بدل الانفتاح.
كما تناول كينت سياسة العقوبات التي فُرضت على إيران، معتبرًا أنها لعبت دورًا في الضغط الاقتصادي على النظام، وربما ساهمت في تحفيز بعض الاحتجاجات الداخلية.
لكنه في الوقت نفسه يؤكد أن أي تغيير حقيقي يجب أن يكون نابعًا من الداخل بشكل تلقائي وطبيعي، وليس نتيجة تدخل خارجي أو عمليات عسكرية، محذرًا من أن التدخل الخارجي قد يؤدي إلى نتائج عكسية، من بينها تعزيز الالتفاف الشعبي حول النظام بدل إسقاطه.