story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
الصوت الواضح |

برّادة المقدّس

ص ص

في الدستور المغربي السابق، كان النص يقول إن شخص الملك “مقدس لا تُنتهك حرمته”. ثم جاء دستور 2011 تحمله أمواج الربيع الديمقراطي، فحذف صفة القداسة من النص، وأبقى على مقتضى مختلف يقول إن شخص الملك “لا تُنتهك حرمته، وللملك واجب التوقير والاحترام”.

كان ذلك فعلا رمزيا، ودليلا على أن المغرب تحرك في اتجاه تقليص لغة التقديس داخل المجال الدستوري. لكن بعد خمسة عشر عاما، نكتشف أن القداسة لم تختف، بل غادرت شخص الملك لتستقر عند أشخاص منحوها لأنفسهم “من غير لا إحم ولا دستور”.

كائنات جديدة، من بينها وزير للتربية الوطنية يبدو أن مجرد انتقاد سياساته بات كافيا لاستدعاء أستاذ من فصله الدراسي، وتسخير القضاء والشرطة والوكيل القضائي للمملكة ضده.

لقد تريثت في التعليق على هذه القضية، وتجنبت منطق “انصر أخاك” تجاه الأستاذ عبد الوهاب السحيمي، و”مالك مزغب” تجاه الوزير، لأن حرية التعبير لا تُدافع عنها بالعاطفة وحدها، بل أيضا بالتثبت والانضباط للوقائع؛ لكن ما كشفه الأستاذ السحيمي بنفسه في ضيافة الزميل حميد المهداوي، ثم ما أكدته المعطيات المتواترة، يجعلنا أمام قضية سريالية بكل معنى الكلمة: الرجل استمعت إليه الشرطة القضائية يوم 15 أبريل 2026، في إطار بحث تمهيدي، بناء على شكاية تقدم بها وزير التربية الوطنية عبر الوكيل القضائي للمملكة، بسبب ستة فيديوهات متفرقة تناولت بالنقد مشروع “مدارس الريادة”.

الشكاية بُنيت على اتهامات من قبيل إهانة موظفين عموميين، ونشر ادعاءات كاذبة بسوء نية، والمساس بالحياة الخاصة والتشهير… وفصول المتابعة تتوزّع بين القانون الجنائي وقانون الصحافة.

لكن ما معنى أن يُجمع ستة فيديوهات متباعدة زمنيا، نُشرت على امتداد شهور، لتُحوَّل دفعة واحدة إلى مادة للمتابعة؟ المعنى واضح ومخيف: هناك من يملك الوقت والجرأة والوسائل لكي يترصد الكلام، ويؤرشف الاعتراض، وينتظر اللحظة المناسبة للانقضاض.

لا نتحدث هنا عن رد سياسي على رأي سياسي، بل عن انتقال من النقاش العمومي إلى منطق التلصص على التعبير، ومن مجادلة الحجة بالحجة إلى هندسة الترويض. وهذا تدريب يومي على إخضاع المجتمع، وتحويل حرية الرأي والتعبير إلى مادة محرجة، أشبه بالممنوعات، يجب تداولها في الخفاء ودون إحداث أدنى صوت.

الأخطر من ذلك كله هو “الاجتهاد” الذي جرى توظيفه في هذه المتابعة، عبر إقحام مؤسسة إدارية اسمها الوكيل القضائي للمملكة. هذه المؤسسة تضطلع أساسا بتمثيل الدولة وإداراتها أمام القضاء، والدفاع عن مصالحها القانونية والمالية، وتقديم الاستشارة القانونية، كما تشمل مهامها “تقديم الشكايات والدفاع عن الموظفين” في الحالات التي يجيزها القانون.

أي أننا أمام ذراع قانونية-إدارية أنيط بها أصلا الدفاع عن مصالح الدولة، فإذا بها تُزج في ملف رأي متعلق بفيديوهات تنتقد سياسة تعليمية عمومية. فمنذ متى أصبحت مناقشة سياسات الوزارة اعتداء على الدولة نفسها؟ ومتى تحولت كرامة المرفق العام إلى حصانة سياسية للوزير ضد النقد والمساءلة؟

لو كان الوزير واثقا من اختياراته، ومؤمنا حقا بما يروج له حول “مدارس الريادة”، لخرج إلى الناس بالحجة، لا بالشكاية؛ وبالبيان العمومي، لا بالبحث التمهيدي؛ وبمناظرة الأفكار، لا بترهيب الأصوات. كان بوسعه أن يرد، وأن يشرح، وأن يفند ويعرض الأرقام والتقييمات والمآلات… لكنه اختار الطريق الأسهل والأفقر سياسيا: الاختباء خلف الموظفين، وتسخير مؤسسات الدولة، والتواري وراء الوكيل القضائي للمملكة، بدل أن يتحمل مسؤوليته السياسية والشخصية كاملة أمام الرأي العام.

هذا ترهيب وتكميم للأفواه بروح ومنطوق الأدبيات الكونية الخاصة بحرية الرأي والتعبير. فالتعليق العام رقم 34 للجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة يؤكد أن حرية الرأي والتعبير شرطان لا غنى عنهما لأي مجتمع، وحجر الزاوية لكل مجتمع حر وديمقراطي، كما يشدد على أن هذه الحرية ضرورية للشفافية والمساءلة. وفي الفهم الأممي المستقر للمادة 19 من العهد الدولي، لا يجوز للدول أن تحظر نقد المؤسسات، مثل الإدارة أو الجيش، لمجرد أن هذا النقد يزعج السلطة.

ثم تعالوا ننظر إلى المفارقة الأشد وقاحة: الوزير نفسه سبق أن لاحقته، في أواخر 2025، شبهات تضارب مصالح مرتبطة بشركات خاصة وصفقات في قطاع الأدوية، وهي شبهات تداولتها منابر إعلامية وبرلمانيون، قبل أن يخرج هو لينفيها ويؤكد أنه استقال من الشركات المعنية قبل توليه المنصب وأن وضعيته قانونية.

لسنا هنا بصدد الفصل في ذلك النزاع، لكن المفارقة السياسية والأخلاقية لا تخطئها العين: وزير تحوم حوله شبهات في المجال العام، وينفيها كما يشاء، يريد في المقابل أن يُجرَّ مواطنا إلى المتابعة لأنه مارس الشيء نفسه الذي مارسه الوزير لنفسه: الكلام، والتفسير، وتقديم الرأي في شأن عام.

أي أن في مغرب رجل اسمه “برادة” بات مقدّسا، من حقه أن يرد، وأن ينفي، وأن يوضح، بل وأن يسيء إلى الأساتذة حين دعا المواطنين إلى البحث عن الأستاذ الجيد والتوجّه إليه، مشيرا بذلك إلى ضعف جلّ أساتذة التعليم العمومي، لكن ليس من حق الأستاذ أن ينتقد.

القضية، في جوهرها، ليست قضية عبد الوهاب السحيمي. بل قضية كل مغربي يعتقد أن من حقه، بصفته مواطنا ودافعا للضرائب ومعنيا بمصير المدرسة العمومية، أن يناقش السياسة التعليمية، وأن يسخر منها، وأن يهاجمها، وأن يرفضها. فالمرفق العمومي ليس ضيعة خاصة للوزير. والتعليم ليس شركة عائلية. والسياسات العمومية ليست نصوصا مقدسة منزلة من السماء حتى يُعاقب كل من يجرؤ على مساءلتها.

إن أخطر ما في هذه المتابعة أنها تُرسي عرفا سياسيا قذرا: من ينتقد يُرصد، ومن يرصد يُكيّف، ومن يُكيّف يُجرّ نحو المحاكمة، ليس لأنه كذب أو حرّض على عنف، بل لأنه أزعج السلطة بما يكفي لكي تعتبر الرأي خطرا. وهكذا تتحول الدولة من ضامن للحقوق إلى طرف في تصفية الحساب مع الآراء المزعجة.

ليس مطلوبا من الوزير أن يحب النقد. بل المطلوب فقط أن يتحمله، وإلا فليرحل إلى بيته وحلوياته وليترك شأننا العام ومالنا العام لمن يتحمّل.

وليس المطلوب من الدولة أن تصفق للمعارضين. بل المطلوب فقط ألا تسخر أدواتها لتكميمهم. أما أن يُستدعى أستاذ بسبب فيديوهات انتقد فيها سياسات تعليمية، وأن يُدفع الوكيل القضائي للمملكة إلى مقدمة المشهد، وأن تُستدعى نصوص زجرية معروفة بسوء سمعتها الحقوقية، بل وأن تُستدعى الدولة كلّها لكي تردّ على “يوتيوب”، فذلك كله لا يقول شيئا عن السحيمي، بقدر ما يقول كل شيء عن هشاشة من ضاق صدره بالنقد.