story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
إعلام |

باتريس لومومبا وكأس إفريقيا المغرب 2025.. كيف أعاد مشجع كونغولي شخصية تاريخية إلى الواجهة؟

ص ص

شهدت مدرجات كأس أمم إفريقيا بالمغرب 2025 ظهور “بطل” من نوع مختلف. مشجع كونغولي جاء لا بوجهه فقط، بل بوجه التاريخ نفسه. بدلة داكنة محكمة، نظارات سميكة تُحيل إلى صور الأبيض والأسود، وقفة جامدة تشبه تمثالاً خرج من كتاب مدرسة، وذراع مرفوعة بإيماءة تحفظها الذاكرة الإفريقية قبل أن تحفظها عدسات الهواتف.

هكذا خطف الرجل الأضواء. لم يكن يهتف باسم لاعب ولا يلوّح بشعار فريق، بل يستحضر اسم باتريس لومومبا، كأن المدرج صار لحظة واحدة منصة خطاب قديم يعود بجرح جديد.

يدعى هذا المشجع ميشيل كوكا مبولادينغا، ويعرّف نفسه كمناصر لمنتخب جمهورية الكونغو الديمقراطية اختار “تقمص” لومومبا لأن رمزيته، في نظره، ما تزال صالحة لزمن اليوم: زمن تتجدد فيه أسئلة السيادة والكرامة الإفريقية، حتى وسط ضجيج كرة القدم.

لم تكن اللقطة تنكّراً كرنفالياً عابراً. كان حولها أداء كامل: سكونٌ مقصود، نظرةٌ ثابتة، واقتصادٌ في الحركة يجعل الإشارة أثقل من الهتاف. ظل يحتفظ بالإيماءة وهي تتحول إلى مادة للتداول على المنصات، كما لو أنه يقول بوضوح: أنا هنا لأذكّر… لا لأتسلى.

المدرجات تتحول إلى ذاكرة

كرة القدم الإفريقية، خصوصاً في “الكان”، ليست ملعباً رياضياً خالصاً. إنها من آخر الفضاءات الجماعية التي تسمح للقارة بأن تروي نفسها بنفسها: بلغاتها المتعددة، بإيقاعها الشعبي، وبذاكرتها التي لم تُغلق جراحها تماماً. في المدرجات تختلط الأغنية بالسياسة دون خطب، وتظهر الرموز كما تظهر الأعلام، ويصير التشجيع أحياناً طريقةً للقول حين تضيق المنابر.

لهذا لم يكن غريباً أن يلتقط مشجع “لومومبا” عدسات المصورين. لأنه لم يأتِ بصرخة عابرة، بل جاء بما صار نادراً في زمن السرعة: جاء بحكاية، وبحضور لا يستهلكه التصفيق ثم ينساه.

وعندما يقرر مشجع أن يتقمّص لومومبا بالذات، فهو لا يختار اسماً للافتات أو للفرجة. إنه يستدعي شخصية تسكن قلب السؤال الإفريقي الأكبر: لماذا يدفع بعض القادة ثمن محاولة بناء دولة مستقلة أكثر مما يدفعه آخرون ثمن الفشل نفسه؟ ولماذا يصبح الحلم بالسيادة، في لحظات معينة، جريمةً أفدح من العجز عن الحلم؟

من هو باتريس لومومبا؟

كان باتريس إيميري لومومبا واحداً من أبرز وجوه الحركة الوطنية الكونغولية في سنوات الاستعمار البلجيكي الأخيرة، ونجماً صاعداً في لحظة كانت القارة كلها تتحسس طريقها نحو الاستقلال. وعندما أُعلن استقلال الكونغو في 30 يونيو 1960، بدا أن الرجل وجد أخيراً موقعه الطبيعي داخل التاريخ: دولة جديدة تولد، ورئيس وزراء جديد يتقدم لقيادتها، ووعدٌ بأن زمن الوصاية انتهى.

غير أن الدولة التي وُلدت يومها لم تولد على أرض صلبة. وُلدت داخل حقل ألغام: انقسام سياسي حاد، جيش مضطرب، إدارة استعمارية غادرت وهي تترك وراءها مؤسسات هشة، ثم فوق ذلك كله صراع نفوذ دولي كان يبحث عن موطئ قدم داخل بلد يملك ما يكفي من الثروات ليصبح “جائزة” في سوق الحرب الباردة.

في خطاب الاستقلال الشهير، لم يكتف لومومبا بلغة الاحتفال. كسر البروتوكول ورفع الصوت ضد إرث الاستعمار، فصار ذلك الخطاب يُقرأ اليوم كإعلان مبكر عن حقيقة موجعة: المعركة ليست في رفع العلم فقط، بل في امتلاك القرار السياسي والاقتصادي، وفي القدرة على حماية الاستقلال من أن يتحول إلى شكل بلا مضمون.

بعد أيام وأسابيع قليلة، انفجرت “أزمة الكونغو” بسرعة مذهلة. تمردات في الداخل، توتر داخل الجيش، صراع على السلطة، ثم انفصال إقليم كاتانغا الغني بالمعادن بما حمله ذلك من رهانات اقتصادية هائلة. دخلت الأمم المتحدة على خط الأزمة عبر بعثة لحفظ السلام، لكن وجودها لم يوقف انحدار الدولة الجديدة نحو مزيد من التشظي، بل جعل الصراع أكثر تعقيداً لأن الكونغو صار فجأة ساحة تتقاطع فيها المصالح والقرارات الدولية مع هشاشة الداخل.

داخل هذه الدوامة، سقط لومومبا سياسياً، ثم اعتُقل، ثم انتهت حياته قتلاً في يناير 1961. ومنذ ذلك الحين ظل مسار اغتياله واحداً من أكثر فصول إفريقيا الحديثة إثارة للجدل، لأنه لم يُقرأ كحادث داخلي فقط، بل كحدث تتداخل فيه الأيادي الكونغولية مع حسابات قوى كبرى، وتلتقي فيه مصالح محلية مع منطق الحرب الباردة الذي كان يرى في القادة الجدد إما أدوات يجب احتواؤها أو أخطاراً يجب إنهاؤها.

وهنا تتشكل الرمزية الثقيلة للرجل. لومومبا لم يتحول إلى أيقونة لأنه حكم طويلاً أو لأنه انتصر، بل لأنه مثّل لحظة انفجار السؤال الإفريقي في صورته الأكثر قسوة: من يُسمح له أن يستقل فعلاً؟ ومن يُعاقَب لأنه حاول أن يكون مستقلاً أكثر مما ينبغي؟

ما الذي يربط لومومبا بالمغرب؟

علاقة باتريس لومومبا بالمغرب ليست تفصيلاً على الهامش، بل تقاطع يفرضه مزاج تلك الحقبة نفسها. زمن كانت فيه إفريقيا تتشكّل سياسياً أمام أعينها، وتتعلم باكراً أن الاستقلال لا يُقاس بإعلان رسمي، بل بقدرة الدول الجديدة على حماية قرارها من العودة المقنّعة إلى الوصاية.

المغرب، الذي خرج حديثاً من الاستعمار، كان جزءاً من موجة إفريقية–آسيوية ترى أن تفكيك الاستعمار ليس شأناً محلياً لكل بلد على حدة، بل مشروعاً جماعياً، وأن المعارك التي تنفجر في بلد إفريقي بعيد هي، في العمق، امتحان لكل القارة: هل تُترك دولة ناشئة لتنهار تحت ضغط السلاح والمال والخرائط المصنوعة خارجها، أم يُنظر إليها كقضية سيادة مشتركة؟

لهذا، حين انفجرت أزمة الكونغو، لم يبق المغرب بعيداً عنها. بل حضرت الأمم المتحدة بقوة، وشاركت دول متعددة — من بينها المغرب — بقوات ضمن بعثة الأمم المتحدة في الكونغو خلال السنوات الأولى المضطربة.

هذا المعطى يكشف “الخيط المغربي” في الحكاية، فهو لم يكن متفرجاً على واحدة من أكثر ساحات إفريقيا حساسية في مطلع الستينيات، بل كان حاضراً في قلب المشهد الذي كانت فيه الدولة الكونغولية الجديدة تُعاد صياغتها تحت ضغط السلاح وتوازنات السياسة الدولية.

ثم يأتي خيط ثانٍ، أشد رمزية، يرتبط بـ“مجموعة الدار البيضاء” التي انعقد مؤتمرها سنة 1961. كانت تلك المجموعة عنواناً لتيار إفريقي يرفع سقف فكرة السيادة والتحرر والتضامن داخل القارة، ويبحث عن تنسيق مواقف تتجاوز حدود البيانات العامة. وفي ذلك السياق، لم تكن أزمة الكونغو مجرد خبر خارجي، بل ملفاً ثقيلاً يفرض نفسه على النقاش الإفريقي لأن الكونغو، بثرواته وموقعه وحساسية صراعه، كان يبدو كأنّه مختبر مبكر لحدود الاستقلال الإفريقي كله.

بهذا المعنى، لم يعد لومومبا “قضية كونغولية داخلية” فقط. بل صار سريعاً مرآة إفريقية تُختبر فيها المفاهيم الكبرى: معنى الدولة، ومعنى السيادة، ومعنى أن يرفع قائدٌ صوته أكثر مما تسمح به خرائط النفوذ.

والمغرب كان، ضمن دول تلك المرحلة، واحداً ممن عاشوا هذا الامتحان عن قرب، واشتغلوا داخل حدوده السياسية، لا بوصفهم جزءاً من قصة رجل واحد، بل بوصفهم جزءاً من قصة قارة كانت تحاول أن تكتب استقلالها فعلاً لا شعاراً.

لماذا يعود لومومبا في “كان” المغرب؟

تقول المدرجات، أحياناً، ما تعجز عنه المنابر الرسمية وهي تتأنّق بالكلمات وتخاف من ظلالها. فالمشجع الذي ظهر بملامح لومومبا لا يرفع مذكرة، ولا يطالب بقرار، ولا يفتح ملفاً قانونياً معقّداً. لكنه يقوم بحركة أبسط وأشد أثراً: يعيد اسماً ثقيلاً إلى الصورة، ويضعه أمام ملايين العيون في لحظة جماعية لا يمكن تجاهلها.

هو لا يشرح ولا يعلّق، فقط يحضر. حضورٌ يتحول إلى رسالة لأن زمننا صار يحتاج إلى “علامة” كي ينتبه. وإيماءة واحدة، ونظارات سميكة، وصمت متعمد… ثم اسم يعود إلى التداول كما لو أنه خرج للتو من أرشيف القارة، لا من تاريخها.

ولأن كأس أمم إفريقيا ليست مجرد مباريات، بل عرض حيّ لمعنى “إفريقيا” وهي تتنفس في فضاء واحد، فإن استدعاء لومومبا داخلها يبدو منطقياً إلى حد البداهة. الكرة هنا ليست لعبة فقط؛ هي إحدى آخر المساحات التي تسمح للقارة أن ترى نفسها بكامل تناقضاتها: فرحها الجماعي، وحساسيتها القديمة، وجرحها الذي لا يلتئم لأنه ليس جرحاً فردياً بل جرح خريطة كاملة.

عندما يظهر لومومبا في المدرجات، فهو لا يأتي ليعكر الاحتفال، بل ليذكّر بما تحمله خلفية الاحتفال أصلاً. إفريقيا التي تهتف اليوم لمنتخباتها هي نفسها إفريقيا التي ما تزال تتفاوض مع معنى الاستقلال الناقص، ومع موارد تُدار من خارجها أكثر مما تُدار بأيديها، ومع حدود رُسمت فوقها ثم طُلب منها أن تتعامل معها كقدر نهائي، لا كاختيار تاريخي فُرض عليها.

في تلك اللحظة، يصير المدرج شاشة ذاكرة. وصارخاً بلا صوت. يقول: نحن نغني ونفرح، نعم… لكننا لم ننس السؤال الذي وُلد قبل صافرة البداية بزمن طويل.