الوعود الانتخابية للأصالة والمعاصرة: ثلاث ثلاثيات غير منسجمة ومستحيلة!
قدم حزب الأصالة والمعاصرة وعوده الانتخابية في المجال الاقتصادي والمالي ومن بينها مجموعة من الالتزامات الكبرى من مثل خلق مليون منصب شغل صاف على الأقل خــــلال خمس سنوات المقبلة؛ وخفض مستوى البطالة من 10,8% حاليا إلى 7,0% سنة 2031؛ ورفع نسبة مشاركة النساء في سوق الشغل من 17,5% حاليا إلى 21,2% سنة 2031؛ وتخفيض الضريبة على الأجر باعتماد ثلاثة أشطر بمعدل هامشي يبلغ 20% عوض 37% حاليا؛ وكلفة إضافية تراكمية للبرنامج تبلغ حوالي 350 مليار درهم على مدى خمس سنوات، ومن ضمنها ما سماه هذا الحزب “الأثر الإضافي الناتج عن النمو بحوالي 300 مليار درهم على مدى خمس سنوات”.
وفي إطار النقاش العمومي الجاد والمسؤول وبعيدا عن التنابز والمزايدات المتواصلة التي تطبع خرجات الحليفين الحكوميين الحاليين، فإن المسؤولية السياسية والمصداقية العلمية تقتضي إخضاع هذه الوعود والأرقام للاختبار بعرضها على أدبيات السياسة الاقتصادية والانسجام الماكرو اقتصادي، لكيلا تبقى هذه الأرقام مجرد وعود معسولة لاستجلاب أصوات الناخبين ليس إلا، في الوقت الذي يثبت اقتصاديا وسياسيا عدم القدرة على تحقيقها بالنظر لطبيعة الاقتصاد الوطني وإمكانياته وما يقترحه -بل ما لم يقترحه- هذا الحزب في مجال السياسة الاقتصادية والمالية.
وهنا تبرز الأسئلة الحقيقية التي لم يجب عنها حزب الأصالة والمعاصرة بخصوص مدى الانسجام الماكرو-اقتصادي لهذه الوعود ولهذه الأرقام ومدى قابليتها للتحقيق، كي لا تبقى وعودا معلقة كالتي سبقتها خلال الولاية الحكومية الحالية.
وبدراسة هذه الأرقام مجتمعة وعرضها على أدبيات السياسة الاقتصادية والانسجام الماكرو اقتصادي، تبرز ثلاث ثلاثيات غير منسجمة ومستحيلة التحقق وهي:
الثلاثية المستحيلة الأولى: 1-خلق مليون منصب شغل؛ و2-خفض مستوى البطالة إلى 7%؛ و3-رفع نسبة مشاركة النساء في سوق الشغل إلى 21,2%!
الثلاثية المستحيلة الثانية: 1-مستوى النمو الحالي ومحتواه التشغيلي؛ 2-وخلق مليون منصب شغل وخفض مستوى البطالة إلى 7% ورفع نسبة مشاركة النساء في سوق الشغل إلى 21,2%؛ و3-وانخراط هذا الحزب في وعد رفع الحد الأدنى للأجر إلى 5.000 درهم، بعد أن أعلن عنه حزب التجمع الوطني للأحرار!
الثلاثية المستحيلة الثالثة: 1-مستوى النمو الحالي و2-توليد 300 مليار إضافية برسم الأثر الإضافي الناتج عن النمو لتمويل هذه الوعود الانتخابية؛ و3-تخفيض الضريبة على الأجر!
وتبين الثلاثيات الثلاث غير المنسجمة والمستحيلة التحقق التناقض الكبير الذي يسكن في العمق البرنامج الانتخابي لحزب الأصالة والمعاصرة، حيث أن الجمع بين الوعد بتخفيض معدل البطالة إلى 7% ورفع مشاركة النساء في سوق الشغل إلى 21.2% يتطلب توفير ما يناهز 1.5 مليون فرصة صافية، وليس مليوناً واحدا فقط، أي بمعدل 300 ألف فرصة شغل صافية سنوياً، وليس 200 ألف والفرق بذلك كبير.
كما أن تحقيق هذا الحجم من فرص الشغل ومن معدل البطالة ومن نسبة مشاركة النساء في سوق الشغل، يحتاج إلى نمو حقيقي -دون احتساب نسبة التضخم- أكبر بكثير من مستوى النمو الحالي، إذ لتحقيق هذه الوعود يحتاج المغرب إلى نسبة نمو حقيقي من 6 إلى 8%، مع تحقيق ارتفاع كبير في المحتوى التشغيلي للنمو، وبصورة متواصلة خلال خمس سنوات، وليس خلال سنة واحدة.
كما أنه للحصول على 300 مليار درهم إضافية من الموارد الضريبية -فوق النمو الطبيعي للضرائب- يحتاج المغرب إلى مستوى نمو حقيقي -دون احتساب نسبة التضخم- يقارب 8% سنوياً، مع شرط الحفاظ على نفس مستوى الضغط الضريبي، وذلك أيضا بصورة متواصلة خلال خمس سنوات، وليس خلال سنة واحدة، هذا في الوقت الذي من المتوقع أن يؤدي التخفيض الجذري الذي اقترحه هذا الحزب في الضريبة على الأجر إلى تراجع موارد الضريبة على الدخل بحوالي 25 إلى 30 مليار درهم سنوياً، أي ما يقارب 125 إلى 150 مليار درهم على مدى خمس سنوات.
وعليه، فإن النتيجة الأساسية هي أن تحقيق هذه الأهداف مجتمعة يتطلب رفع معدل النمو الحقيقي بصورة كبيرة إلى 8% سنوياً، مع شرطين إضافيين وكبيرين وهما: الشرط الأول- تحقيق ارتفاع كبير في المحتوى التشغيلي للنمو، والشرط الثاني- الحفاظ على نفس مستوى الضغط الضريبي الحالي.
وأمام كل هذه التناقضات الكبيرة والثلاثيات غير المنسجمة والمستحيلة التحقق، فإن السؤال الحقيقي الذي لم يجب عليه هذا الحزب هو كيف سينقل حزب الأصالة والمعاصرة المغرب من نمو يتأرجح بين 3 و5% إلى نمو مستدام يبلغ 8%؟ وكيف سيخلق مليون و500 ألف فرصة شغل؟ وكيف سيعوض ما بين 125 و150 مليار درهم برسم الضريبة على الدخل ويحافظ في نفس الوقت على مستوى من عجز الميزانية ومديونية الخزينة تحت السيطرة؟
لأن هذه الوعود مجتمعة -المقدمة هنا والآن- لا تحتاج فقط إلى سنة فلاحية جيدة أو إلى دورة اقتصادية ظرفية قوية، بل إلى تحول اقتصادي هيكلي قوي ومستدام ونقطة انعطاف كبيرة عن السيناريو المرجعي الاقتصادي الحالي، وهو ما يعني انتقال المغرب من اقتصاد ينمو في المتوسط بين4و4,5% إلى اقتصاد يحقق بصورة متواصلة بين 6 و8% سنويا، ونمو مرتفع من حيث محتواه من فرص الشغل، كل هذا في الوقت الذي تتوقع المؤسسات الوطنية والدولية معدل نمو لا يتجاوز 3% سنة 2027 ونموا يتأرجح بين 3 و5% خلال السنوات اللاحقة.
ثم إنه كيف للحزب أن ينسب لبرنامجه الانتخابي النمو الناتج عن الاستثمار ارتباطا بمشاريع البنية التحتية لكأس العالم والماء والطاقة…والتي هي مشاريع موجودة ومتضمنة في السيناريو المرجعي أصلاً، وهو ما يفرض عليه أن يجيب عن سؤال السياسة والإجراءات الاقتصادية الجديدة التي سترفع النمو من نحو 4–4,5% المتوقعة أصلاً إلى 6 أو 8%؟ لأن الفرق بين الاثنين هو الذي يمكن نسبته فعلياً إلى البرنامج الانتخابي، وما عدا ذلك فهو استمرار للبرنامج المرجعي.
وهنا تبدو المفارقة الاقتصادية والمالية الكبرى، حيث يحمل حزب الأصالة والمعاصرة النمو بدفع الفاتورة ثلاث مرات. مرة بخلق مليون منصب شغل وإن كانت غير كافية والمطلوب هو مليون و500 ألف، ومرة بتوليد 300 مليار درهم إضافية لتمويل البرنامج، ومرة بتعويض عشرات المليارات من الموارد من الضريبة على الدخل التي سيتم تخفيضها.
وهنا تصبح القضية قضية مصداقية سياسية قبل أن تكون قضية حملة انتخابية ظرفية. فإذا كان الحزب قادراً فعلاً على نقل المغرب إلى نمو مستدام يصل 8%، دون احتساب مستوى التضخم، فعليه أن يقدم للمغاربة خطته لتحقيق هذه القفزة وهذه الانعطافة الاقتصادية النوعية.
أما أن يعد بخلق مليون منصب شغل صاف، وخفض مستوى البطالة إلى 7,0%؛ ورفع نسبة مشاركة النساء في سوق الشغل إلى 21,2%؛ وتخفيض الضريبة على الأجر، وتحقيق موارد تبلغ 300 مليار درهم من الأثر الإضافي الناتج عن النمو، في الوقت الذي تؤكد كل التوقعات عكس ذلك، ودون أن يعطي الحزب مستوى ومصدر النمو نفسه، وكيف سيتم إنجاز هذا التحول الاقتصادي النوعي، فذلك ما لا يمكن أن ينطلي مرة أخرى على المواطنين والمواطنات الذين عاشوا مع حكومة كان من ضمنها حزب الأصالة والمعاصرة، حكومة أخلفت الوعود وتنصلت منها وتنكرت لها.