story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
الصوت الواضح |

النقش على الحجر

ص ص

في التعليم، لا تظهر الحقيقة دائما في ضجيج الشعارات أو في المبارزات السياسية الموسمية؛ بل تظهر أحيانا في شيء أكثر هدوءا وأشد صلابة، هو ذلك الأثر الذي يتركه التدخل العمومي حين يكون مبكرا، ومنتظما، ومحصّنا نسبيا من نزوات التدبير اليومي.

لهذا تبدو نتائج الدراسات الجديدة حول التعليم الأولي في المغرب، الصادرة عن المؤسسة المغربية للتعليم الأولي، والمتقاطعة في جوهرها مع تقرير تقييم التعليم الأولي بالمغرب الصادر عن الهيئة الوطنية للتقييم لدى المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، أشبه بما قالته حكمة “التعليم في الصغر كالنقش على الحجر”.

الدرس الأول الذي تضعه هذه المعطيات أمامنا هو أن التعليم الأولي لم يعد ذلك الترف التربوي الذي يمكن تأجيله. تقرير المجلس الأعلى ينطلق أصلا من مسلمة علمية وسياسية، مفادها أن السنوات الأولى ليست مجرد محطة تمهيدية، بل مرحلة تتشكل فيها قواعد التعلمات المعرفية واللغوية والاجتماعية-الوجدانية، وتنعكس لاحقا على المسارات الدراسية والاجتماعية، مع أثر مثبت على تقليص اللامساواة وتحسين الاستعداد المدرسي وعائد اجتماعي مرتفع للاستثمار المبكر.

حين نضع هذا الإطار العام بجانب نتائج المؤسسة المغربية للتعليم الأولي، تتضح الصورة أكثر، لأطفال التعليم الأولي الجيد الذين يبدؤون الابتدائي بأفضلية دراسية مبكرة، وهذه الأفضلية ليست “أسطورة”، بل تظهر في نقاط التلاميذ، وفي مواد مثل الرياضيات والقراءة والتعبير الكتابي.

المعطيات التي عرضتها المؤسسة حول تتبع أفواج كبيرة من المستفيدين، وانخفاض نسب التأخر، خاصة عند من استفادوا من سنتين من التعليم الأولي، تقول ببساطة إننا لا نتحدث فقط عن تحسين نقاط التلاميذ، بل عن إعادة ترتيب فرص البداية نفسها، أي عن عدالة تربوية عملية.

ربطت دراسة المجلس الأعلى بين ثلاثة مستويات عادة ما نفصل بينها، هي السياسات العمومية، وجودة البيئة التعليمية، ومكتسبات الأطفال الفعلية. كما سمحت الدراسة بقياس ما يحدث داخل القسم، وتحديد أي نوع من التعلم يتطور فعلا عند الأطفال.

ويكشف تقرير المجلس الأعلى تقدما واضحا في التمدرس الأولي خلال العقد الأخير، من ارتفاع معدلات التمدرس الخاص بالفئة 4-5 سنوات، إلى اتساع عدد الأطفال المتمدرسين، مع تسارع لافت بعد إطلاق البرنامج الوطني سنة 2018، رغم التعثر الظرفي مع الجائحة.

كما يسجل التقرير مفارقة إيجابية ذات دلالة: الوسط القروي حقق تقدّما أكبر في التغطية، بل تجاوز العالم الحضري في المعدلات المسجلة خلال السنوات الأخيرة، وهو تطور يجب أن يُقرأ كأثر مباشر لتوجيه الجهد العمومي والشراكات نحو المجالات الأقل تغطية تاريخيا.

لكن التقرير نفسه، لا يسمح لنا بأن “نسكر” بنشوة التعميم ونغض الطرف عن جودة ما يُعمَّم. ففي تحليل مكتسبات الأطفال، تظهر صورة مركبة، تضم مستويات جيدة نسبيا في الجانب الاجتماعي-الوجداني، وأداء أفضل في مادة الرياضيات، مقابل ضعف نسبي في محو الأمية المبكر (littératie précoce) وتفاوتات أكبر في هذا المجال بحسب البيئات التعليمية والأسرية والاجتماعية.

ومن أجمل ما تكشفه هذه النتائج، أنها تُخرج التعليم الأولي من صورة القاعة الصغيرة، وتعيده إلى حجمه الحقيقي كبنية تحتية بشرية ومؤسساتية ومجتمعية. ويذكّر تقرير المجلس الأعلى بأن جودة التعليم الأولي لا تُقاس فقط بالمقرر، بل أيضا بالموارد، وبالتنظيم، وبعلاقة المؤسسة بالأسرة، وبالمهنية الفعلية للموارد البشرية. ويسجل في الآن نفسه تعقيدات مغربية حقيقية، مثل تعدد المتدخلين، وتحوّل النماذج التنظيمية بسرعة، بما يجعل الحكامة نفسها جزءا من معركة الجودة.

ويقدّم التقرير هذا التعقيد كحقيقة يجب تدبيرها بوضوح مؤسساتي أكبر. ففي خلاصاته، يضع على الطاولة أسئلة الإنصاف الترابي، وموقع الجماعات الترابية، والحكامة والتمويل والوضوح المؤسساتي، ثم مسألة مهنية المربي/المربية، وجودة البيئات التعليمية، واستمرارية التعلمات بين الأولي والابتدائي.

من هنا تكتسب نتائج المؤسسة المغربية للتعليم الأولي قيمة إضافية، لأنها تظهر أفضلية للمستفيدين، وكيف ينخفض التأخر الدراسي بشكل أوضح لدى من استفادوا من سنتين لا سنة واحدة، أي أن الرسالة ليست تربوية فقط، بل تدبيرية أيضا، وهي أن تراكم الزمن في التعليم الأولي مهم، وأن الجودة والمدة معا تصنعان الفرق، وأن الاستثمار المبكر لا يُقاس فقط بعدد المقاعد المفتوحة، بل بقدرة المنظومة على إنتاج أثر مستدام بعد عبور الطفل إلى المدرسة الابتدائية.

لهذا يبدو مؤسفا أن يظل قطاع بهذه الحساسية عرضة للتجاذبات السياسوية أو لتصفية الحسابات الرمزية بين الفاعلين. الإشارة التي وردت في حوار محمد نبيل بنعبد الله في “فنجان رمضان” بخصوص ما واجهه الوزير السابق شكيب بنموسى ليست تفصيلا سياسيا عابرا، بل تنبيها إلى مرض مغربي قديم، يجعلنا نميل إلى إضعاف الورش لأنه محسوب على هذا الطرف أو ذاك، لا لأن نتائجه ضعيفة.

والخطر نفسه قائم اليوم، بصيغ أخرى، إذا جرى التعامل مع ما أُنجز وما ينبغي أن يُستكمل داخل مؤسسة نور الدين بوطيب (المؤسسة المغربية للتعليم الأولي) بمنطق الوصاية السياسوية أو المنافسة البيروقراطية من طرف وزارة برادة وحكومة أخنوش، بدل منطق الدولة التي تراكم ولا تبدأ كل مرة من الصفر.

التعليم الأولي ليس ملفا للاستهلاك السياسي، لأن ثماره لا تظهر في دورة انتخابية واحدة، بل في جيل كامل. وهذا تحديدا ما يجعله سهل الافتراس من طرف الخطاب السياسوي، بفعل إنجازاته البطيئة، وصوره غير الصاخبة، ونتائجه التي لا تُختزل في قصّ الشريط. لكنه، في المقابل، من أكثر الأوراش التي تحدد مستقبل المدرسة المغربية، بل مستقبل المغرب نفسه، لأنه يشتغل في النقطة التي يتقرر فيها الكثير قبل أن نبدأ إحصاء نسب التكرار والهدر والضعف في المهارات في المستويات العليا.

إذا كان لنا أن نستخلص عبرة جامعة من تقاطع الدراستين، فهي أن المغرب أصاب حين وضع التعليم الأولي في قلب الإصلاح، وأصاب حين دفع نحو التعميم، لكنه سيكون مصيبا أكثر إذا اعتبر المرحلة المقبلة مرحلة “النقش على الحجر” فعلا، أي تثبيت الجودة، وحماية المهنية، وتقوية الجسر مع الابتدائي، وتحويل هذا الورش إلى سياسة دولة مكتوبة بالإرادة والاستمرارية، لا مرتبطة بتقلب الحكومات وتعاقب الأمزجة.

الأمم لا تُبنى فقط بما ترفعه من أسقف، بل بما تُحسن وضعه من أساسات. والتعليم الأولي، كما تقول الأرقام حين تنطق الدراسات، ليس الهامش في هذه القصة، بل حجرها الأول.