المنتخب الكاميروني.. ألقاب ومشاكل خلال البطولات الكبرى
المعروف عن منتخب الكاميرون لكرة القدم، أنه قوة كروية كلاسيكية في القارة الإفريقية بالنظر لسجله التاريخي من الألقاب القارية والحضور الوازن في دورات كأس العالم، وأيضا إنجاب العديد من النجوم الذين استطاعوا فرض أسمائهم في أعرق الأندية الأوربية والعالمية.
لكن هناك ثابت تاريخي آخر يقول إن الكاميرون ليست مصنفة من البلدان القديمة الأولى التي سطع اسم منتخبها في إفريقيا مثل بعض البلدان كمصر والسودان وغانا والمغرب وباقي المنتخبات الإفريقية التي انتظمت في نهاية الخمسينات بعد استقلالها عن الاستعمار مباشرة، بل كان منتخب “الأسود غير المروضة” منتخبا مغمورا لم يبرز إسمه قاريا إلا سنة 1970 حيث شارك أول مرة في نهائيات كأس إفريقيا للأمم التي دارت في السودان.
أما الكاميرون القوة الكروية لم تعرف إلا خلال بداية الثمانينات، مع جيل روجي ميلا، وطوماس نكونو، ومكاناكي، وكوندي، وطاطاو، حيث سطع نجمها من خلال التأهل لمونديال 1982 بإسبانيا، وأيضا فوزها بعد ذلك بكأسي إفريقيا للأمم خلال دورتي الكوت ديفوار 1984 والمغرب 1988 ثم الإنجاز الكبير الذي بصمت عليه في كأس العالم بإيطاليا سنة 1990 من خلال تسجيل إسمها كأول منتخب إفريقي يصل إلى دور الربع.
لكن هناك مفارقة مثيرة التصقت بمنتخب الكاميرون منذ بداية تسعينيات القرن الماضي، وهي مروره دائما بأزمات كبرى قبل المواعيد المهمة، لكن وعلى الرغم من ذلك فهو يبقى ثاني أكبر المنتخبات الإفريقية عبر التاريخ قياسا بالألقاب والإنجازات بعد مصر.
البلاد ومنتخبها في أزمة
البداية ستكون من عام 1994 وأثناء استعداد الكاميرون للمشاركة في كأس العالم بأمريكا، وبعد 4 سنوات من الوصول التاريخي لربع نهائي المونديال بإيطاليا، كان المنتخب يسير بشكل جيد رغم الحصول على المركز الرابع في كأس الأمم الإفريقية 1992 الذي اعتبره الكاميرونيون فشلا ذريعا. غير أن المشاكل في الكاميرون بدأت في الانتشار قبل المونديال.
أزمة الكاميرون وقتها لم تكن فقط تتعلق بكرة القدم ولكن بالدولة بأكملها والتي وصلت لحالة اقتصادية سيئة وكانت على وشك الإنهيار، و كان الاتحاد الكاميروني لكرة القدم قد أفلس بالفعل نتيجة انعدام الموارد المالية، ووصل الأمر إلى عدم القدرة على دفع فواتير الهاتف والفاكس الخاص بمقر جامعة كرة القدم والتي توقفت بالكامل عن العمل.
ولم يتوقف الأمر عند الاتحاد ولكن كرة القدم الكاميرونية بالكامل كانت تعاني بقوة، حتى أن جميع ملاعب الدولة توقفت عن العمل لعدم وجود القدرة على تحمل تكلفة صيانتها فيما عدا ملعب واحد فقط وهو ملعب دوالا والذي كان بالفعل بحاجة إلى الصيانة والتجديد ولكنه استمر في الخدمة لسبب واحد وهو أن الاتحاد الدولي لم يفتشه قبل المباريات.
صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية وضعت منتخب الكاميرون تحت عنوان “منتخب الكاميرون يحاول الوصول للحلم بتزامن مع انهيار كل شيء آخر”.
ومع الوضع السيء للدولة لم يختلف وضع منتخب الكاميرون كثيرا خلال المونديال وخرج من الدور الأول متحصلا على نقطة واحدة فقط، واستمرت الأوضاع الاقتصادية الكارثية للكاميرون ترخي بظلالها على كرة القدم في البلاد لسنوات أخرى طويلة.
ألقاب وسط طاحونة الفساد
في عام 2000 كانت الأوضاع السيئة قد وصلت بالبلاد إلى مستويات متدنية جدا، لدرجة أن منظمة الشفافية الدولية صنفت الكاميرون على أنها الدولة الأكثر فسادا في العالم مشيرة إلى أن الآفة أصبحت بنيوية في الكاميرون وتغلغلت في جميع مجالات الحياة العامة.
وعلى الرغم من وضع البلاد السيء، تمكن منتخب الكاميرون من تحقيق لقب كأس الأمم الإفريقية في الدورة التي نظمت بشكل مشترك في غانا ونيجيريا.
الأمر لم يتوقف عند سوء الحالة الاقتصادية ولكن الكاميرون كانت دخلت في نزاعات سياسية وصلت لحد المناوشات العسكرية مع نيجيريا للحصول على سيادة شبه جزيرة باكاسي الغنية بالنفط.
الكاميرون كانت أيضا تعاني من تمرد داخلي كبير كان ينذر بإمكانية حدوث حرب أهلية بين السلطات الحكومية وحركات التمرد الإنفصالية التي كانت تهدف لمنح السيطرة للمتحديثن باللغة الإنجليزية في البلاد عام 2001.
ورغم استمرار أزمات الكاميرون ومشاكلها الدخلية استطاعت أن تضيف لقبا آخر في الدورة الموالية التي احتضنتها مالي عام 2002 حيث نجح منتخب الكاميرون في التتويج متغلبا على كل الأزمات الداخلية للدولة.
النسخة التي شهدت جدلا كبيرا بسبب لعب المنتخب الكاميروني بزي مكون من قطعة واحدة وبدون أكمام، وانتهى به إلى تلقي غرامة مالية كبيرة من “الكاف” مع التزام بالعودة إلى اللباس العادي في بقية المباريات.
المونديال وفضيحة المراهنات
في عام 2014 وفي نسخة جديدة لكأس العالم ظهر منتخب الكاميرون فيها بمستوى متواضع نظرا لصعوبة مجموعته التي وقع فيها مع البرازيل وكرواتيا والمكسيك، ولم يتمكن من تحقيق أي نقطة مع تسجيله هدف واحد فقط في ثلاث مباريات ليحقق أسوأ مشاركة له في تاريخ كأس العالم.
بعد البطولة كشفت شبكة “بي بي سي” عن وجود اتهامات لسبعة لاعبين من منتخب الكاميرون بالتلاعب بنتيجة المباريات خلال البطولة من أجل المراهنات ولكن تلك الإدعاءات لم تتعد التحقيقات ولم يثبت أي شيء عن اللاعبين أو كشف هوياتهم.
في الأساس كانت الخلافات الداخلية داخل الفريق هي المسيطرة على أجواء مشاركته في البطولة التي احتضنتها البرازيل، وربما تجلى ذلك الأمر في مشهد النطحة التي وجهها إسو إيكوتو لزميله بينيامين موكاندجو.
معاناة داخلية ولقب كبير
قبل كأس الأمم الإفريقية 2017 ظهرت تقارير مفاجئة عن رفض 7 من نجوم المنتخب المشاركة في البطولة لرغبتهم في التركيز على أنديتهم وعدم تركها في فترة وسط الموسم.
التقارير تم تأكيدها بشكل رسمي، وبالفعل لم ينضم اللاعبون لقائمة الكاميرون التي سافرت إلى الغابون لخوض البطولة ليطلب الاتحاد الكاميروني من الفيفا منعهم من المشاركة مع أنديتهم طوال فترة البطولة، كما قرر الاعتماد على لاعبين بدلاء وشباب لتعويضهم خلال الكأس الأمم الإفريقية.
كان اللاعبون الذين رفضوا المشاركة مع الكاميرون هم كل من أندري أونانا وجويل ماتيب وزامبو أنجويسا وألان نيوم وجاي نداي وماكسيم بونجي وإبراهيم أمادو.
قدم منتخب الكاميرون أحد أفضل مشاركاته في البطولة وتمكن من تحقيق اللقب رغم أنه لم يكن الأكبر كأسماء أو حتى أكثر المرشحين للتتويج.
تتويج الكاميرون أخرج بعض النجوم الجدد مثل فابريس أوندوا حارس المرمى، وكريستيان باسوجوج الذي حصل على جائزة أفضل لاعب في البطولة. فيما بعض اللاعبين الذين رفضوا المشاركة في تلك البطولة لم يلبسوا بعدها قميص منتخب الكاميرون من جديد حتى اليوم.
تمرد اللاعبين قبل “الكان”.
في النسخة التالية وعام 2019 كان منتخب الكاميرون قريبا من عدم المشاركة فيها رغم تأهله بشكل طبيعي والسبب كان بسبب تمرد اللاعبين.
التمرد جاء بسبب عدم حصولهم على المكافآت المنصوص عليها من الاتحاد الكاميروني بالإضافة إلى رفضهم المكافآت التي رصدها للمشاركة في البطولة واعتبارها غير كافية بالنسبة لهم.
الأزمة انتهت مباشرة قبل توجه منتخب الكاميرون لمصر للمشاركة في البطولة بعد تدخل وزير الرياضة الكاميروني ولكنها ألقت بظلالها على أداء حامل اللقب والذي خرج من دور الـ 16.
وفي عام 2021 كانت الكاميرون هي مستضيفة كأس إفريقيا للأمم التي كان من المفترض أن تقام صيفا، لكي لا تتعارض مع وسط الموسم الكروي في الدوريات الأوروبية على غرار النسخة التي سبقتها بمصر، ولكن تم تأجيلها لأن الصيف يتزامن مع موسم الأمطار الغزيرة في غرب إفريقيا.
تأجلت البطولة لتقام في يناير ولكن ذلك أثار اعتراضا شديدا من الأندية الأوربية، التي ضغطت من أجل تأجيلها إلى صيف عام 2022، غير أن صامويل إيتو رئيس الاتحاد الكاميروني رفض ذلك التأجيل رفضا قاطعا وقال إن الدوريات الأوروبية لن تقرر مصير بطولات إفريقيا.
المشكل الأكبر كان في عدم جاهزية الكاميرون وملاعبها التي لم تكتمل سوى قبل أيام من انطلاق البطولة، حيث سادت قبلها التكهنات بإمكانية تأجيلها، ولكن وعلى الرغم من ذلك أقيمت كأس الأمم الإفريقية في موعدها الرسمي وظهرت بشكل مقبول على مستوى الملاعب والتنظيم.
أقُصي منتخب الكاميرون من دور نصف النهائي أمام مصر، وكشفت التقارير الإعلامية بعد ذلك أن شجارا كبيرا حدث بين تشوبو موتنج نجم بايرن ميونيخ والمدرب أنطونيو كونسيساو قبل المباراة الحاسمة وهو ما أثر على أداء بقية اللاعبين بشكل كبير.
فوضى مونديال قطر
قبل المباراة الفاصلة لمنتخب الكاميرون للتأهل لنهائيات كأس العالم بقطر 2022، وقبل مواجهة الجزائر هدد لاعبو الفريق بعدم السفر لخوض المباراة الحاسمة، لأسباب تتعلق بالمكافآت المالية والتي تم حلها ساعات قليلة قبل التوجه إلى المطار.
لكن وعلى الرغم من الأزمة تمكن منتخب الكاميرون من التأهل في وقت قاتل على حساب الجزائر بهدف كارل تولو إكامبي.
وخلال التواجد بالعاصمة القطرية الدوحة، وبعد إجراء المباراة الأولى للكاميرون في كأس العالم 2022 ضد سويسرا أعلن الاتحاد الكاميروني استبعاد حارس مرماه أندري أونانا من البطولة بشكل كامل لأسباب انضباطية.
بعض التقارير أكدت أن سبب استبعاد أونانا جاء بسبب خلاف مع المدرب روغيبير سونغ حول طريقة اللعب مما تسبب في احتدام النقاش بينهما والذي انتهى باستبعاده من البطولة.
أونانا قرر الاعتزال دوليا عقب البطولة ولكنه عاد للمشاركة من جديد مع المنتخب الكاميروني قبل أن يتم إبعاده من المشاركة في كأس إفريقيا للأمم 2025 بالمغرب.
لائحتان في “كان”المغرب
قبل التوجه إلى المغرب لخوض الدورة 35 لكأس إفريقيا للأمم، شهدت كرة القدم في الكاميرون خلافا حادا بين رئيس الجامعة النجم الدولي السابق صامويل إيتو، ووزير الرياضة نارسيس مويل كومبي، حول منصب المدرب في منتخب “الأسود غير المروضة”.
إيتو، الذي أكمل أربع سنوات على توليه رئاسة الاتحاد الكاميروني، يخوض صراعاً محتدماً مع المدرب البلجيكي بريس، الذي يرفض قرار إقالته من طرف نجم برشلونة السابق، بداعي ارتباطه بعقد مع وزارة الرياضة يمتد حتى شتنبر 2026، رغم أن إيتو أبلغه أن فترة قيادته للمنتخب قد انتهت.
هذا الخلاف أثار ارتباكاً كبيراً بين الجماهير الكاميرونية، خاصة مع الإعلان عن قائمتين مختلفتين للمنتخب للمشاركة في البطولة.
وكان اتحاد الكرة بقيادة صامويل إيتو مدافعا عن تشكيلته المكونة من 28 لاعباً، وقرر تعيين ديفيد باغو مدرباً جديداً للفريق الوطني خلال كأس إفريقيا 2025 بالمغرب.
باغو، الذي أصبح مدرباً معتمداً الآن على موقع الاتحاد الدولي “فيفا”، عقد مؤتمراً صحافياً لاستعراض خطط المنتخب وطموحاته في البطولة، وانضم إليه طاقم مساعد عينه إيتو.
وقد شهدت اللائحة الجديدة عدة استبعادات مفاجئة، بظءا من الحارس أندريه أونانا إلى المهاجم إريك تشوبو موتينغ والهداف فينسنت أبوبكر.
وقالت مصادر لصحيفة “ذا صن” البريطانية إن إيتو استبعد أبوبكر من التشكيلة لتجنب تحطيم رقمه القياسي كأفضل هداف للمنتخب، حيث يحتاج اللاعب إلى تسجيل 12 هدفاً ليصبح الهداف التاريخي للكاميرون.
لكن الخلاف أخذ منعطفاً جديداً قبل البطولة القارية بأيام قليلة، بعدما رفض بريس الإقالة وأعلن تشكيلته الخاصة للمشاركة في البطولة، مع إعادة الثلاثي المستبعد إلى القائمة.
وفي تصريحات لوسائل الإعلام، أكد بريس: “كان هدف إيتو منذ البداية هو إقالتي بسرعة، وقد أهانني منذ اللحظة الأولى، لكنني كنت منافساً قوياً له. بالطبع، استبعاد أونانا وموتينغ وأبوبكر قرار إيتو، فكيف يمكن أن تخوض كأس إفريقيا بدون حارس عالمي أو بدون أبوبكر؟ يبدو هذا غير معقول، لكنه ليس مفاجئاً، فهو شخص نرجسي ويظن أنه الأفضل.”
وأضاف: “طالما لم تصدر رئاسة الجمهورية مذكرة رسمية بتعيين ديفيد باغو مدرباً للفريق، أبقى أنا مدرب المنتخب الأول في نظر الكاميرون، وهذا غير قابل للنقاش.”
إيتو، البالغ من العمر 44 عاماً، عرف بتصادماته المتكررة مع المدرب البلجيكي بريس، منذ توليه رئاسة الاتحاد، الذي كان قد هدد بالاستقالة العام الماضي بعد استبعاد مساعده يواكيم مونانغا من القائمة الرسمية، في خطوة اعتبرها الكثيرون محاولة تمهيدية من إيتو لعزله من منصبه، وهو بالفعل ما أقدم عليه بعد ذلك وتوجه منتخب الكاميرون بوجوه جديدة إلى المغرب، ليتمكن رغم كل الإضطراب في التحضير، في الوصول حتى الآن إلى دور ربع النهائي.