story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
الصوت الواضح |

الملك بريء من ساعة بنعبد القادر!

ص ص

خرج الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، إدريس لشكر، في الحلقة الأخيرة من برنامج “ديكريبتاج” على أمواج إذاعة MFM الخاصة، ليستكثر على المغاربة أن يجعلوا من موضوع الساعة المشؤومة (الإضافية) “شورى” بينهم، ويتداولوا فيه “جميعا”، “لا للي فاهم علاش ولا للي ما فاهمش علاش”، و”نزّل الباطل” على الملك في هذا الشأن، معتبرا أن هذا الشأن يدخل ضمن اختصاصه “إلى جانب الحكومة”، والحقيقة أن الملك وآليات اشتغاله الدستورية والمؤسساتية بريء براءة الذئب من دم يوسف من هذا الموضوع.

الساعة المشؤومة تطبّق على المغاربة منذ أكثر من سبع سنوات بقرار حكومي (مرسوم) اتّخذ في مجلس حكومي، ولا علاقة لا للبرلمان ولا للملك بكل أدوات اشتغاله بهذا الموضوع.

المرجع الأصلي الخاص بتحديد “الساعة القانونية” للمملكة، يتمثّل في مرسوم ملكي صدر خلال فترة الاستثناء، ولم يكن هناك أي “ظهير ملكي” كما زعم لشكر خلال مشاركته الأحد الماضي في البرنامج الإذاعي نفسه.

الكاتب الأول لحزب الوردة قال خلال هذا اللقاء: “راحنا الساعة قادّيناها بظهير”، مستنتجا من ذلك أن أمرها “يرجع إلى جلالة الملك”، والحقيقة أن الأمر يتعلّق بمرسوم ملكي يحمل رقم 455.67 وصدر بتاريخ 2 يونيو 1967 إبان فترة حالة الاستثناء، أي عندما كان البرلمان معلّقا وتولى الملك الجمع بين ممارسة السلطتين التشريعية والتنظيمية.

ثم عاد لشكر ليستكثر على المغاربة أن يناقشوا موضوع الساعة القانونية في البرلمان، لأننا “ما عمّرنا غادي نتّافقوا وما عمّر شي ساعة غادي تقلّع عندنا”، مستكثرا عليهم القدرة على تدبير شؤونهم واتخاذ قراراتهم بالآليات الديمقراطية البسيطة، من تصويت واحتكام للمؤسسات وانضباط لقرارات الأغلبية.

ليعود الكاتب الأول لحزب المذكرات التاريخية للإصلاح الدستوري، ويكرّر أن موضوع الساعة يندرج ضمن مجال السلطة التنظيمية، “أي الحكومة وجلالة الملك”! هكذا قال، في الوقت الذي ينص فيه الفصل 90 من الدستور الوحيد الذي “تفاوض” حوله المغاربة وصادقوا عليه، على أن “يمارس رئيس الحكومة السلطة التنظيمية، ويمكن أن يفوّض بعض سلطه إلى الوزراء”، وبالتالي لماذا إقحام الملك في الموضوع؟

الحقيقة أن موضوع الساعة الرسمية للمغرب لم يكن يوما شأنا ملكيا، وكل ما يؤطره من نصوص هو المرسوم الملكي لسنة 1967، ثم جاء المرسوم الحكومي رقم 2.12.126 الصادر في 18 أبريل 2012، أي في عهد حكومة عبد الإله ابن كيران، والذي قضى باعتماد التوقيت “الصيفي” خلال فترة معيّنة من السنة، قبل أن يأتي المرسوم رقم 2.18.855 الصادر في 26 أكتوبر 2018، في عهد حكومة العثماني، ليقرّر بشكل استثنائي، الاستمرار في العمل بتوقيت (GMT+1)خلال الفترة الشتوية، بزعم “التجريب” والدراسة، قبل أن يأتي الوزير الاتحادي، التابع للتنظيم السياسي الذي يقوده إدريس لشكر، ويقرّر في نهاية هذه الفترة “التجريبية”، اعتماد التوقيت الصيفي طيلة السنة زاعما وجود دراسة، لم يُكشف عنها إلى اليوم، تدعم هذا الخيار.

إذا كان لابدّ من “شخصنة” القصة وإلصاقها باسم شخص معيّن، كما هو التقليد في فرنسا مثلا حيث تحمل القوانين والقرارات أسماء المسؤولين الذين يصدرونها، فإننا أمام “ساعة بنعبد القادر” بصفته وزيرا منتدبا لدى رئيس الحكومة مكلف بإصلاح الإدارة والوظيفة العمومية في حكومة العثماني الأولى، مارس صلاحيات تنظيمية بتفويض من رئيس الحكومة، وبالتالي نحن أمام “ساعة الاتحاد الاشتراكي” لا “ساعة الملك” كما حاول أن يمرّر إدريس لشكر مستكثرا على المغاربة مناقشة موضوع يمسّ إيقاع حياتهم اليومي.

وبعيدا عن منطق “الغنان” فإن موضوع الساعة القانونية وما يتعرّض له المغاربة يوميا من تعذيب بسببها، هو مسؤولية الأحزاب والسياسيين “من الطّرف للطّرف”، لأن جلّ المشاركين في العمل السياسي المؤسساتي (تقريبا)، شاركوا في الحكومات الثلاثة التي تدخّلت في هذا الموضوع وخضعت لضغوط اللوبيات الاقتصادية الفرنسية، خاصة مننها المصالح المرتبطة بمجال الخدمات المرحّلة (اوفشورين)، واختارت التضحية بصحة وراحة ومزاج المغاربة من أجل راحة ومصالح الفرنسيين.

صحيح أن اجتماع المجلس الحكومي بشكل استثنائي يوم 26 أكتوبر 2018، جاء يوما واحدا بعد دخول المدير العام السابق لمجموعة “رونو” الفرنسية، كارلوس غصن، القصر الملكي بمراكش، واستقباله من طرف الملك وهو يحمل مشروع توسيع نشاط الشركة الفرنسية التي تصنع السيارات في المغرب؛ وأنا شخصيا ممن يعتقدون باحتمال وجود علاقة ما بين الحدثين، لكن بمنطق “اللوبيينغ” والبحث عن قنوات تمرير الأفكار والقرارات والخيارات، واللعب بورقة الإشارات، وهو ما تحسن القيام به هذ الشركات العملاقة، خاصة الفرنسية؛ لكن هذا لا يعني التعسّف في حقّ الدستور والمؤسسات وليّ عنق الحقيقة.

الذي اتّخذ قرار تحويل الساعة الإضافية من “صيفية” إلى دائمة هو الحكومة ولس الملك. لم يكن هناك أي ظهير أو مجلس وزاري تطرّق إلى هذا الموضوع أو تداول فيه، ولم نسمع قطّ بصدور أي توجيهات أو أوامر ملكية للحكومة بهذا الخصوص، وبالتالي على السياسيين والأحزاب أن يتحمّلوا مسؤولياتهم، ويحترموا تعبيرات وتحرّكات المجتمع عبر وسائل النضال المدني والسياسي، من قبيل العريضة الرقمية التي عمد السيد إدريس لشكر إلى تحقيرها، والتقليل من أهمية توقيعها من طرف مئات الآلاف من المواطنين مستكثرا عليهم تمثيل “40 مليون مغربي”.

الحقيقة أنني أخشى أن أعثر، بعد بحث سريع، على رقم إجمالي لعدد الأصوات التي حصل عليها حزب الاتحاد الاشتراكي في الانتخابات الأخيرة، يقلّ عن عدد الموقّعين على عريضة إلغاء الساعة المشؤومة. وحينها سيكون على الكاتب الأول لحزب الوردة أن يخبرنا كيف يعقل أن يستحق دخول مؤسسات دستورية ومنتخبة، ويتولى مسؤوليات، ويقترح أعضاء في مؤسسات، ويتلقى تمويلات عمومية من كل الأنواع، ببضع مئات الآلاف من الأصوات؟

الحقيقة أن إلصاق الموضوع بالملك هو فصل جديد من فصول تيئيس المغاربة من السياسة. وهذا الموضوع تحديدا قدّم ما يكفي لإثبات تفسّخ الجسم الحزبي، إلا من رحم ربّك. ويكفي أن الوزير بنعبد القادر واجه بعد إعلانه ترسيم العمل بالساعة الإضافية ابتداء من 2019، مساءلات غاضبة من حزب العدالة والتنمية الذي يقود الحكومة حينها، ومن برلمانيي حزب التجمع الوطني للأحرار المشارك في تلك الحكومة والقائد للحكومة الحالية، كما واجه “صلية” من تلك “الصليات” الكلامية التي كان وزير العدل الحالي، عبد اللطيف وهبي، يحترفها وهو حينها في مقعد المعارضة.

يأتي اليوم السيد إدريس لشكر ليلصق التهمة بالملك، والتي لن تؤدي إلا إلى أحد أمرين: توجيه الغضب والاحتجاج الشعبيين نحو الملك، وهو نوع من أنواع الوقيعة؛ أو ترهيب المغاربة وثنيهم عن التعبير على اعتبار أنهم يعارضون قرارا ملكيا.

وبالتالي نحن أمام فضيحة سياسية، ومأساة اجتماعية، وكارثة دستورية، ينبغي حلّها ومعالجتها بعيدا عن الملك.