المغرب وإسرائيل.. ماذا يعني الانتقال من مكتب اتصال إلى سفارة؟
لم يعد قرار المغرب وإسرائيل رفع مستوى تمثيلهما الدبلوماسي من مكتبي اتصال إلى سفارتين مجرد تغيير في تسمية البعثتين، بل خطوة تنقل العلاقة إلى مستوى أكثر رسمية ومؤسساتية، خصوصاً مع الاتفاق على تعيين وتبادل السفراء.
ومع ذلك، فهذه الخطوة لا تعني إنشاء علاقات دبلوماسية جديدة بين البلدين، إذ استؤنفت العلاقات في دجنبر 2020، وافتتح مكتب الاتصال الإسرائيلي في الرباط في يناير 2021. الجديد هو الانتقال من صيغة التمثيل المحدود إلى التمثيل الدبلوماسي الكامل على مستوى السفارات.
وجاء الإعلان عن الخطوة عقب اجتماع ثلاثي في نيويورك، جمع وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج ناصر بوريطة ونظيره الإسرائيلي جدعون ساعر والسفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة مايك والتز، حيث اتفق الأطراف على الارتقاء بالبعثتين إلى مستوى السفارات وتعيين السفراء، إلى جانب توسيع الرحلات الجوية والعمل على اتفاقيات مرتبطة بالاستثمار والعلاقات الاقتصادية والتجارية.
أكثر من تغيير اسم
في الدبلوماسية، السفارة ليست فقط مكتباً يحمل اسماً مختلفاً عن مكتب الاتصال. فبموجب اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية، تمثل السفارة بعثة دبلوماسية دائمة، ويكون رئيسها سفيراً معتمداً لدى الدولة المضيفة، بعد حصول الدولة الموفدة على موافقة الدولة المضيفة على تعيينه.
وتشمل وظائف البعثة تمثيل دولتها، والتفاوض مع حكومة الدولة المضيفة، وحماية مصالحها ومصالح مواطنيها، ورصد التطورات وإبلاغ حكومتها بها، فضلاً عن تطوير العلاقات الاقتصادية والثقافية والعلمية.
وهذا يعني أن الانتقال إلى السفارة يرفع العلاقة من مستوى قنوات اتصال أنشئت عقب استئناف العلاقات إلى مستوى بعثة دبلوماسية كاملة الصفة، يقودها سفير يتمتع بصفة رسمية أعلى في تمثيل دولته.
كما أن اعتماد السفراء يجعل القناة الدبلوماسية بين الرباط وتل أبيب أكثر وضوحاً وانتظاماً، سواء في الاتصالات السياسية أو في إدارة الخلافات والملفات المشتركة.
ولا يعني ذلك أن مكتب الاتصال كان عاجزاً عن القيام بالاتصالات السياسية والاقتصادية. فالمكتب الإسرائيلي في الرباط كان يعلن منذ افتتاحه أن من بين مهامه تسهيل المبادلات الاقتصادية والثقافية والتكنولوجية وتشجيع الاستثمارات والشراكات بين الشركات المغربية والإسرائيلية، كما يتوفر على قسم للشؤون القنصلية. وبالتالي فإن جزءاً من الوظائف التي تقوم بها السفارة كان موجوداً بالفعل، لكن الانتقال الجديد يضفي عليها إطاراً دبلوماسياً أكثر اكتمالاً.
سفير بدل رئيس مكتب
أبرز تغيير سياسي مباشر يتمثل في طبيعة التمثيل نفسه. فالسفير هو رئيس بعثة دبلوماسية من إحدى الفئات المنصوص عليها في اتفاقية فيينا، وتقديم أوراق اعتماده يمثل الإجراء الرسمي الذي يباشر من خلاله رئيس البعثة مهامه لدى الدولة المضيفة.
وفي الحالة المغربية الإسرائيلية، سيكون لهذا الأمر دلالة إضافية، لأن الجانبين لم يتبادلا السفراء منذ استئناف العلاقات سنة 2020، وظلت البعثات عند مستوى مكاتب الاتصال. وبالتالي فإن تعيين سفراء يعني لأول مرة الانتقال إلى تمثيل دبلوماسي كامل على هذا المستوى.
سياسياً، يفتح ذلك المجال أمام قناة أكثر انتظاماً للتواصل المباشر بين المؤسستين الدبلوماسيتين، سواء بشأن الملفات الثنائية أو التطورات الإقليمية أو الأزمات التي قد تؤثر في العلاقة. كما أن وجود سفير مقيم يجعل البعثة أكثر ارتباطاً بصورة يومية بالمؤسسات الحكومية والفاعلين السياسيين والاقتصاديين والثقافيين في الدولة المضيفة.
من الاتصال إلى التفاوض
أحد الفروق البارزة هو أن اتفاقية فيينا تجعل التفاوض مع حكومة الدولة المضيفة وظيفة صريحة للبعثة الدبلوماسية. ومع الانتقال إلى السفارة، يصبح هذا الدور جزءاً من الإطار الرسمي الدائم للعلاقة، إلى جانب التمثيل وحماية المصالح ونقل المعلومات إلى الدولة الموفدة.
وفي الحالة المغربية الإسرائيلية، يتزامن ذلك بالفعل مع الإعلان عن ملفات جديدة تتجاوز مجرد التمثيل الدبلوماسي. فقد أُعلن عن توسيع الرحلات الجوية، وتنظيم زيارات رفيعة المستوى خلال الأشهر المقبلة، والعمل على إبرام اتفاقيات تتعلق بحماية الاستثمارات وتجنب الازدواج الضريبي قبل نهاية سنة 2026.
بمعنى آخر، السفارة ستكون جزءاً من مسار أوسع لتوسيع العلاقة، وليس خطوة منفصلة عنه. فكلما انتقلت العلاقة إلى مجالات اقتصادية وتجارية وقنصلية وسياسية أكثر تعقيداً، ازدادت الحاجة إلى بعثة دبلوماسية كاملة قادرة على متابعة هذه الملفات والتفاوض بشأنها.
ماذا عن الحصانة والامتيازات؟
على المستوى القانوني، توفر اتفاقية فيينا إطاراً واضحاً لامتيازات وحصانات البعثات الدبلوماسية. فمقر البعثة يتمتع بالحرمة، ولا يجوز لسلطات الدولة المضيفة دخوله إلا بموافقة رئيس البعثة، كما تتمتع المراسلات والوثائق الرسمية بحماية خاصة، ويستفيد الدبلوماسيون من حصانات وامتيازات محددة بموجب الاتفاقية.
ولا يقتصر الانتقال من مكتب اتصال إلى سفارة على الرفع من مستوى التمثيل السياسي، بل يترتب عنه أيضاً اختلاف في الوضع الرسمي لرئيس البعثة. فالقانون المغربي المتعلق بالصحافة والنشر يقر حماية خاصة للممثلين الدبلوماسيين أو القنصليين الأجانب المعتمدين أو المندوبين لدى الملك، إذ تنص المادة 82 من القانون رقم 88.13 على غرامة تتراوح بين 50 ألفاً و200 ألف درهم على الإساءة إلى شخص وكرامة هؤلاء الممثلين بالوسائل التي يحددها القانون.
وبالتالي، فإن اعتماد سفير إسرائيلي لدى المملكة سيدخل رئيس البعثة بصورة صريحة ضمن فئة “الممثلين الدبلوماسيين الأجانب المعتمدين لدى الملك” التي يتحدث عنها النص، إلى جانب ما يترتب عن الصفة الدبلوماسية من حقوق وحصانات وفق القواعد المنظمة للعلاقات الدبلوماسية.
كما يخصص القانون نفسه في المادة 81 حماية لرؤساء الدول ورؤساء الحكومات ووزراء الخارجية الأجانب، مع عقوبات مالية تصل إلى 300 ألف درهم في حالات الإساءة التي تتم عبر وسائل النشر المحددة قانوناً.
خطوة سياسية قبل أن تكون إدارية
في الحالة المغربية، قد يكون أهم أثر سياسي للانتقال هو مأسسة العلاقة. فمكتب الاتصال يسمح بإدارة العلاقة عبر قناة دبلوماسية قائمة، لكنه يظل شكلاً أدنى من التمثيل؛ أما السفارة فتضع العلاقة داخل إطار دبلوماسي مكتمل، يقوده سفير معتمد، ويمنح التواصل السياسي والاقتصادي والقنصلي والاستثماري بنية أكثر انتظاماً. ولهذا فإن الأثر الأهم قد لا يظهر في يوم افتتاح السفارة، وإنما في ما سيأتي بعدها من اتفاقيات وزيارات وتعاون ومشاورات سياسية.
ويرتبط الإعلان عن السفارات في هذه الحالة بحزمة من الإجراءات الموازية، بينها استئناف الرحلات المباشرة، وزيارات رفيعة المستوى، واستكمال اتفاقيتين بشأن حماية الاستثمارات وتفادي الازدواج الضريبي قبل نهاية 2026. وهو ما يجعل من الصعب فصل رفع التمثيل الدبلوماسي عن مسار أوسع يسعى إلى تحويل العلاقة من صيغة تطبيع سياسي إلى علاقة أكثر انتظاماً وتشعباً على المستوى الاقتصادي والمؤسساتي.
ويمنح الانتقال إلى السفارات العلاقة أدوات اتصال وتفاوض وتمثيل أكثر انتظاماً. كما أن أي أزمة مستقبلية بين الرباط وتل أبيب ستجري، في حال وقوعها، داخل إطار علاقة دبلوماسية على مستوى السفراء، بما يعني أن آليات التصعيد أو التهدئة ستتخذ أيضاً أشكالاً أكثر رسمية، مثل الاستدعاء أو التشاور أو تخفيض التمثيل أو سحبه.
فلسطين في قلب المعادلة
وتزداد خصوصية الحالة المغربية بسبب موقع القضية الفلسطينية في السياسة الخارجية المغربية. فالعاهل المغربي محمد السادس يرأس لجنة القدس التابعة لمنظمة التعاون الإسلامي، فيما تعمل وكالة بيت مال القدس التابعة للجنة في مجالات مرتبطة بدعم سكان القدس والحفاظ على هويتها.
ولذلك، فإن تطوير العلاقات مع إسرائيل يضع الرباط أمام معادلة أكثر تعقيداً من مجرد توسيع التعاون الثنائي، بالنظر إلى الجمع بين استمرار العلاقة الدبلوماسية مع إسرائيل والإبقاء على موقف معلن داعم للحقوق الفلسطينية وحل الدولتين.
وهذه ليست مسألة نظرية فقط. فالتاريخ السابق للعلاقات يقدم مثالاً واضحاً على حساسية العامل الفلسطيني في القرار المغربي؛ إذ أغلقت الرباط وتل أبيب مكتبي الاتصال سنة 2000 خلال الانتفاضة الثانية، وربط المغرب آنذاك قراره بالانتهاكات الإسرائيلية في حق الفلسطينيين، حيث ظل مستوى العلاقة مع إسرائيل، في التجربة المغربية، قابلاً للتأثر المباشر بتطورات القضية الفلسطينية، حتى عندما توجد مصالح ثنائية قائمة.
سفارة في مواجهة رفض شعبي
لكن هذه الخطوة تأتي أيضا في سياق داخلي له خصوصيته، إذ يتزامن الانتقال إلى مستوى السفارات مع تصاعد الغضب الشعبي تجاه إسرائيل، في وقت تكشف فيه استطلاعات الرأي عن فجوة واضحة بين تطور العلاقات على المستوى الرسمي والموقف الشعبي منها.
فقد أظهر استطلاع للباروميتر العربي تراجع نسبة تأييد التطبيع في المغرب من 31 في المائة سنة 2022 إلى 13 في المائة خلال استطلاعات 2023-2024. كما أظهر المؤشر العربي لسنة 2025 أن 89 في المائة من المغاربة المشاركين في الاستطلاع يعارضون اعتراف بلدهم بإسرائيل، مقابل 6 في المائة يؤيدونه.
وتضع هذه الأرقام الانتقال إلى علاقات دبلوماسية على مستوى السفارات في سياق شعبي شديد الحساسية تجاه إسرائيل، على خلفية الحرب على قطاع غزة واستمرار حضور القضية الفلسطينية بقوة في النقاش العام المغربي.
كما أن لهذا الانتقال دلالة تتجاوز تغيير الصفة الدبلوماسية للبعثتين. فالسفارة الإسرائيلية في الرباط، ونظيرتها المغربية في تل أبيب، ستكونان أكثر حضورا ووضوحا من مكتبي الاتصال، باعتبارهما تعبيرا عن علاقة دبلوماسية رسمية ومؤسساتية ومستمرة بين البلدين.
ومن شأن هذا التحول أن يمنح تطور العلاقات بعدا داخليا أكثر بروزا، إذ لم يعد الأمر مرتبطا فقط بكيفية إدارة العلاقات بين الحكومتين، بل أيضا بزيادة حضورها في المجال العام المغربي، في وقت لا تزال فيه قوى سياسية ومدنية تعارض التطبيع وتطالب بإنهائه.