story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
إعلام |

المغرب في كأس إفريقيا.. قراءة لمباراة تنزانيا وطرح لأسئلة كبرى قبل لقاء الكاميرون

ص ص

في مباريات خروج المغلوب لا يعود السؤال الحقيقي هو “من تأهل؟” لأن النتيجة تُكتب في سطر، بينما تُكتب دلالاتها في التفاصيل. هكذا بدا ثمن النهائي الذي جمع المنتخب المغربي بنظيره التنزاني مساء الأحد 4 يناير 2026 بالملعب الأمير مولاي عبد الله في الرباط.

فوز مغربي بهدف واحد كان كافيا لعبور الدور، لكنه فتح في الوقت نفسه ملفا أوسع يتجاوز لوحة النتائج إلى قراءة الأداء تحت الضغط، وكيف يشتغل منتخب مرشح فوق أرضه حين يواجه خصما يدخل بلا إرث إقصائي، وبلا رصيد يمكن أن يخسره، وبقدر كبير من الجرأة.

حملت المباراة مفارقة واضحة منذ بدايتها: امتلك المغرب الكرة أغلب الوقت، لكن أخطر اللقطات الأولى جاءت من تنزانيا. وبين هاتين الحقيقتين تشكلت حكاية اللقاء كاملة.

منتخب مضطر إلى المبادرة أمام مدرجات ممتلئة تنتظر طريقا مختصرا نحو الأدوار الأخيرة، وخصم اختار أن يختبره بالتحولات السريعة، وبالاندفاع المبكر، وبإجباره على اللعب داخل مساحات ضيقة ثم دفعه إلى الخطأ حين يفقد التوازن.

إنذار تنزانيا المبكر

منذ الدقائق الأولى بدت تنزانيا وكأنها قررت كسر الصورة النمطية التي تُلصق غالبا بالمنتخبات الأقل خبرة في الأدوار الإقصائية.

هجمة أولى منظمة وصلت إلى منطقة الخطر وانتهت بفرصة قريبة جدا من مرمى ياسين بونو، ضاعت أمام شباك كانت شبه مفتوحة.

لم تكن لقطة عابرة بقدر ما كانت “إشارة” رسمت ما سيأتي: تنزانيا ستغامر كلما حصلت على لحظة انتقال، وستراهن على المساحات خلف البناء الهجومي المغربي.

كان ذلك إنذارا مزدوجا بالنسبة للمغرب. إنذار يهمّ الدفاع والتمركز في لحظات فقدان الكرة، ويخص الذهن أيضا، لأن مباريات الإقصاء تتحول سريعا إلى اختبار أعصاب: كل فرصة ضائعة للخصم تُربك المرشح، وكل دقيقة تمر دون هدف تزيد من ثقل التوقعات في المدرجات وعلى العشب.

بعد هذه البداية، استعاد المغرب المبادرة تدريجيا، وبدأ يرفع عدد اللمسات في نصف ملعب تنزانيا، مع اعتماد واضح على التحركات في الأطراف وعلى محاولات الاختراق الفردية.

لم تكن المشكلة في الوصول إلى الثلث الأخير من الملعب بقدر ما كانت في تحويل هذا الحضور إلى فرص صافية ومتكررة، لأن تنزانيا أغلقت العمق بكثافة عددية، وقلّصت المساحات أمام الكعبي، ودفعت لاعبي المغرب إلى البحث عن حلّ عبر كرة ثابتة أو تسديدة من خارج المنطقة أو مراوغة داخل الصندوق.

غياب أوناحي وعودة حكيمي

دخل المغرب المباراة بتغيير فرضته الظروف أكثر مما فرضته القناعة. غياب عز الدين أوناحي، الذي كان يوصف داخل البطولة كأحد مفاتيح الربط بين خطوط المنتخب المغربي، بدا مؤثرا في الشوط الأول من حيث جودة التمريرة الأخيرة وسرعة اتخاذ القرار قرب منطقة الجزاء.

ظهر ذلك في ارتفاع نسبة اللمسات غير المكتملة، وفي تأخر الإيقاع في لحظات كان يمكن فيها اللعب بتمريرة عمودية واحدة بدل الدوران حول الكتلة الدفاعية.

في المقابل، حملت التشكيلة عودة أشرف حكيمي إلى الرسمية في مباراة عالية الضغط بعد فترة ارتبطت بالاحتياط والعودة التدريجية، وهي عودة ذات معنى تكتيكي ونفسي في آن واحد.

تكتيكيا لأن حكيمي يمنح الطرف الأيمن أداة اختراق إضافية، ونفسيا لأنه لاعب يختصر كثيرا من “الاطمئنان” عند الجمهور حين يحتاج المنتخب لسرعة وحسم في الثلث الأخير.

لكن هذا التوازن ظل حساسا. فكل تقدم من الظهير يفتح مساحة خلفه، وهي المساحة التي كانت تنزانيا تنتظرها لتضرب في التحول.

لذلك بدا الشوط الأول كأنه شدّ حبل بين رغبة المغرب في فرض الإيقاع وبين خوفه من تلقي صدمة جديدة في الخلف.

انعكس هذا التردد على المشهد العام، من خلال مبادرات مغربية دون فعالية كافية، وتحولات تنزانية لا تتكرر كثيرا لكنها كلما تكررت حملت تهديدا واضحا.

تفاصيل الشوط الأول

رغم صعوبة الاختراق، صنع المغرب لحظات كان يمكن أن تفتح المباراة باكرا. كرة ثابتة انتهت إلى الشباك قبل أن يُلغى الهدف بداعي التسلل بعد مراجعة طويلة، وهو قرار أعاد المباراة إلى نقطة الصفر وأبقى الإيقاع تحت سقف القلق.

ثم جاءت لقطة أخرى أثارت نقاشا داخل الملعب وخارجه، عندما اصطدم الحارس التنزاني بالمهاجم المغربي داخل المنطقة في وضعية كانت قابلة للتأويل كركلة جزاء، قبل أن يقرر الحكم استمرار اللعب.

كان المغرب يحتاج هدفا لتخفيف الضغط وفتح المساحات، وتنزانيا كانت تحتاج استمرار التعادل لتكريس خطة الصمود ثم المباغتة.

كل قرار لا يمنح المغرب التقدم كان يعزز منطق الخصم، وكل دقيقة تمر كانت تجعل المباراة أكثر قابلية لأن تُحسم بلقطة واحدة، لصالح أي طرف.

في نهاية الشوط الأول، كان الشعور العام أن المغرب يملك السيطرة لكنه لا يملك “المفتاح”، وأن تنزانيا لا تملك الاستحواذ لكنها تملك ما يكفي من الجرأة لتصنع القلق عند كل كرة طويلة أو انتقال سريع.

الشوط الثاني.. الخلاص اسمه دياز

مع العودة من الاستراحة، ظهر المغرب بصورة أكثر سرعة في التحرك وأكثر جرأة في الضغط، وكأن الرسالة كانت واضحة: لا مجال لترك المباراة تمضي على إيقاع الشك.

تحسن الربط في وسط الميدان، وارتفع عدد التحركات بين الخطوط، وبدأت تنزانيا تتراجع خطوة إضافية تحت ضغط متزايد.

لكن المفارقة تكررت مرة أخرى: بينما كان المغرب يرفع الإيقاع، حصلت تنزانيا على فرصة جديدة خطيرة في وضعية قريبة من نقطة الجزاء، ضاعت في لحظة كان يمكن أن تقلب كل الحسابات. هذه اللقطة كانت، عمليا، آخر جرس إنذار كبير قبل التحول.

ثم جاء الخلاص عبر إبراهيم دياز. في الدقيقة التي نضج فيها الضغط المغربي ولم يعد الصندوق التنزاني قادرا على إغلاق كل المنافذ، استلم دياز الكرة داخل المنطقة، وفتح لنفسه زاوية بتغيير اتجاه سريع، ثم سدد بقوة في المساحة القريبة من القائم الأول.

لم يكن الهدف مجرد تسديدة ناجحة؛ بل كان ترجمة لفكرة أساسية في مباريات الإقصاء: عندما تتعقد الحلول الجماعية، تصبح الجودة الفردية هي الطريق الأقصر إلى فك العقدة.

كان هذا الهدف هو الرابع لدياز في البطولة، وهو رقم يضعه في قلب الحديث عن أبرز عناصر الحسم في هجوم المغرب خلال هذه النسخة. والأهم أنه جاء في لحظة احتاج فيها المنتخب “إشارة” تحرره من ثقل المباراة وتجعله ينتقل من البحث المتوتر إلى إدارة التقدم.

عودة التوتر في الدقائق الأخيرة

بعد تقدم المغرب، انخفضت حرارة المباراة تدريجيا. حاولت تنزانيا دفع خطوطها بحثا عن رد، لكن الأثر البدني بدأ يظهر، بينما اختار المغرب إدارة الإيقاع وتقليل المخاطر بدل فتح المباراة بشكل قد يمنح الخصم طريقا للعودة.

يعتبر هذا التحول مفهوما في منطق الإقصاء، لكنه أبقى نهاية اللقاء في مساحة حساسة، لأن الهدف الواحد لا يمنح دائما أمانا كاملا.

في الوقت بدل الضائع عادت المباراة لتقترب من لحظة جدل جديدة، عندما سقط لاعب تنزاني داخل منطقة المغرب وسط احتجاجات ومطالبات بركلة جزاء.

لم يحتسب الحكم شيئا، واستمر اللعب، لتُغلق المباراة على فوز مغربي بقي في حدّه الأدنى، لكنه ظل محاطا بإحساس أن الفارق كان يمكن أن يتغير لو استغلت تنزانيا إحدى فرصها المبكرة أو لو سلكت بعض اللقطات طريقا آخر.

ماذا تقول المباراة عن المغرب قبل ربع النهائي؟

من حيث النتيجة، فعل المغرب ما يلزم في مرحلة لا تقبل الخطأ. ومن حيث الصورة، قدم مباراة “غير مريحة” بالمعنى التقني.

سيطرة طويلة دون وفرة كبيرة في الفرص الصافية، وتوتر واضح في التعامل مع التحولات السريعة، ثم اعتماد حاسم على لقطة فردية لكسر القفل.

هذه العناصر لا تُقرأ كحكم نهائي على مستوى المنتخب، لكنها تُقرأ كمعطيات تقنية تحتاج إلى معالجة سريعة قبل الأدوار الأكثر صعوبة، لأن هامش النجاة يقل كلما ارتفع مستوى المنافس وارتفع إيقاع المباراة.

غياب أوناحي ترك أثرا في ربط الهجمات وفي صناعة الإيقاع قرب المنطقة، وهو أمر قد يتغير بحسب جاهزيته في الدور المقبل. وعودة حكيمي أعطت المنتخب زخما واضحا خصوصا بعد الاستراحة، وأثبتت أن قيمة هذا النوع من اللاعبين لا تظهر فقط في العرضيات والكرات الثابتة، بل في قدرة الفريق على كسب أمتار إضافية حين يحتاج إلى تسريع اللعب.

أما دياز، فواصل تقديم نفسه كأداة حسم أولى، ليس لأنه يسجل فقط، بل لأنه يملك القدرة على خلق التفوق في مساحة صغيرة، وهي العملة الأكثر ندرة أمام المنتخبات التي تتكتل وتدافع داخل الصندوق.

تنزانيا.. استحقاق الاحترام رغم الإقصاء

بالنسبة لتنزانيا، انتهت المشاركة عند ثمن النهائي، لكنها خرجت من المباراة بصورة منتخب منضبط وقادر على خلق المشاكل لخصم كبير.

ضاعت فرصتان واضحتان كانتا كفيلتين بإعادة كتابة سيناريو اللقاء، ومع ذلك ظل الفريق متماسكا دفاعيا، ونجح لفترات طويلة في جعل المباراة تُلعب على إيقاعه، قبل أن يحسمها فارق الجودة في لقطة واحدة.

وتبقى هذه التجربة، في سياق كرة القدم التنزانية، محطة مهمة لأنها وضعت المنتخب في مواجهة مباشرة مع ضغط ملعب ممتلئ ومع مرشح كبير، وقدمت له قياسا واقعيا لمستوى التفاصيل التي تفصل بين الإزعاج وبين الانتصار.

الكاميرون.. سقف مختلف للاختبار

قادت نتيجة ثمن النهائي المغرب إلى ربع النهائي أمام الكاميرون، وهو انتقال يغيّر طبيعة الأسئلة. لأن المنتخب الذي يكتفي بالهدف الواحد أمام خصم متكتل قد يجد نفسه أمام منافس أكثر قدرة على فرض الإيقاع وأقوى في الصراعات الثنائية وأكثر خبرة في إدارة لحظات التحول داخل المباراة.

ما حملته مواجهة تنزانيا من إشارات يجعل التحضير للمحطة المقبلة مرتبطا بثلاثة عناوين كبيرة: رفع النجاعة في الثلث الأخير حتى لا تتحول السيطرة إلى عبء نفسي، وضبط التحولات الدفاعية حتى لا تبقى كل كرة ضائعة فرصة للخصم، ثم إدارة الضغط الجماهيري بقدر من الهدوء يسمح للفريق بأن يلعب بطبيعته لا تحت خوف المفاجأة.

هكذا خرج المغرب من ثمن النهائي بتأهل مستحق على مستوى النتيجة، وبمباراة كثيفة الدلالات على مستوى الأداء.

وفي بطولة تقام على الأرض وبين الجمهور، قد تكون مثل هذه الليالي هي التي تختبر عمق الفريق أكثر مما تختبره المباريات السهلة؛ لأنها تضعه وجها لوجه أمام الحقيقة الأهم في الإقصائيات: الفوز لا يحتاج دائما إلى أفضل مباراة، لكنه يحتاج دائما إلى تركيز كامل، وإلى لحظة حسم، وإلى قدرة على النجاة حين لا تسير المباراة كما خُطط لها.