المغرب في خانة “الانتهاكات المنتظمة” لحقوق العمال.. ونقابيون يحذرون من تراجعات قانونية واجتماعية
صنف تقرير دولي المغرب ضمن خانة الدول التي تعرف “انتهاكات منتظمة” لحقوق العمال، وهو تصنيف يضع الرباط إلى جانب عدد من العواصم التي تسجل اختلالات متواصلة في مجال الحقوق النقابية والحقوق الأساسية في العمل.
وأشار التقرير، ضمن مؤشر الحقوق العالمية لسنة 2026 الصادر عن الاتحاد الدولي لنقابات العمال (ITUC)، إلى أن المغرب عرف خلال السنة الماضية دخول قانون الإضراب الجديد حيز التنفيذ، والذي عارضته لمركزيات النقابية بشأن، معتبرة أنه يفرض شروطاً وإجراءات معقدة لممارسة الحق في الإضراب، ويحد من حرية العمال في اللجوء إلى هذا الشكل الاحتجاجي المكفول دستورياً.
ويأتي هذا التصنيف في سياق دولي سجل، بحسب التقرير ذاته، تراجعاً في مؤشرات الحقوق النقابية عبر العالم، حيث رصد ارتفاعاً في التضييق على حرية التعبير والتجمع، وصعوبات متزايدة في تأسيس النقابات وممارسة الحق في الإضراب، مع استمرار تحديات الولوج إلى العدالة العمالية في عدد كبير من الدول.
وفي هذا الصدد، اعتبرت فاطمة أزوكاغ، المستشارة البرلمانية عن الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، أن تصنيف المغرب ضمن خانة الدول التي تعرف انتهاكات منتظمة لحقوق العمال “يعكس بشكل طبيعي التراجعات القانونية والمؤسساتية التي تعرفها الحقوق الشغلية”، في ظل تراجع القدرة الشرائية وارتفاع نسب التضخم وتفاقم الأوضاع الاجتماعية للطبقة العاملة.
وقالت أزوكاغ، في حديث مع صحيفة “صوت المغرب”، إن من أبرز أسباب هذا الوضع “غياب حوار اجتماعي جاد ومسؤول وممأسس”، معتبرة أن الحكومة تنصلت من عدد من الالتزامات المرتبطة بتحسين الدخل وحماية القدرة الشرائية للأجراء، إضافة إلى التراجع عن مبدأ التوافق حول القوانين ذات الطابع الاجتماعي قبل إحالتها على المؤسسة التشريعية.
وأضافت أن الأغلبية البرلمانية، التي وصفتها بأنها “أغلبية عددية تدعم الرأسمال على حساب التوازنات الاجتماعية”، مهدت لتمرير مجموعة من القوانين “ذات طابع تراجعي”، مشيرة في هذا السياق إلى قانون الإضراب، ودمج الصندوق الوطني لمنظمات الاحتياط الاجتماعي (كنوبس) في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، إلى جانب قانون التعليم المدرسي وقانون التعليم العالي.
وسجلت المتحدثة ذاتها أن الحكومة لا تتفاعل بشكل إيجابي مع التعديلات التي تتقدم بها مجموعات برلمانية، بما فيها مجموعة الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمجلس المستشارين، مضيفة أن هذه التعديلات “تُواجه بالرفض سواء من طرف الحكومة أو من طرف الأغلبية البرلمانية، وأحياناً بدعم من بعض مكونات المعارضة”.
كما اعتبرت أزوكاغ أن السنوات الأخيرة عرفت تزايداً في التضييق على الحريات النقابية وارتفاعاً في خروقات مدونة الشغل، وهو ما ينعكس “على أوضاع الشغيلة وعلى مناخ الحقوق الاجتماعية بالمغرب”.
وأكدت المستشارة البرلمانية أن الكونفدرالية الديمقراطية للشغل تنظر إلى الوضع الحالي باعتباره “وضعاً مقلقاً يهدد الاستقرار الاجتماعي”، داعية الحكومة إلى التجاوب مع مطالب الطبقة العاملة، وعلى رأسها تحسين الدخل وحماية القدرة الشرائية، إلى جانب إرساء آليات رقابية فعالة لمواجهة المخالفات المرتبطة بتطبيق القوانين الشغلية.
كما شددت على ضرورة إعادة القوانين ذات الطابع الاجتماعي إلى طاولة الحوار الاجتماعي من أجل التوافق بشأنها، مع المصادقة على الاتفاقية رقم 87 لمنظمة العمل الدولية المتعلقة بالحرية النقابية وحماية الحق النقابي.
وأكدت أزوكاغ على أن من بين الأولويات المطروحة اليوم “مأسسة الحوار الاجتماعي بشكل فعلي”، وتنفيذ الالتزامات التي ما تزال “ديوناً مستحقة في ذمة الحكومة تجاه الطبقة العاملة”.
من جانبه، يرى عبد الله لفنادسة، المنسق السابق لشبكة “تقاطع” للدفاع عن حقوق الشغيلة، أن التقارير الدولية التي ترصد أوضاع الحقوق الشغلية بالمغرب “لا تعكس في كثير من الأحيان الحجم الحقيقي للانتهاكات”، معتبراً أن غياب دراسات ميدانية واسعة تستند إلى معايير علمية دقيقة يجعل من الصعب الإحاطة الكاملة بواقع احترام حقوق العمال ومدى تطبيق المعايير الدولية داخل أماكن العمل.
وأوضح لفنادسة، في حديث مع صحيفة “صوت المغرب”، أن دراسة رسمية سبق أن أنجزتها وزارة الشغل كشفت أن نحو 15 في المائة فقط من المقاولات كانت تطبق مقتضيات قانون الشغل، معتبراً أن هذه النسبة قد تكون تراجعت خلال السنوات الأخيرة إلى ما بين 8 و10 في المائة، في ظل تداعيات الأزمات الاقتصادية المتلاحقة، بما فيها جائحة كورونا ، التي يقول إن عدداً من المقاولات “استعملتها مبرراً للتملص من التزاماتها القانونية تجاه الأجراء”.
وفي ما يتعلق بالأجور، سجل المتحدث استمرار خروقات الحد الأدنى القانوني للأجر في عدد من القطاعات، مشيراً إلى أن عمالاً في القطاع الفلاحي يتقاضون، بحسب المعطيات التي يتوفر عليها، أجوراً يومية تتراوح بين 70 و80 درهماً، رغم أن الحد الأدنى القانوني يفوق ذلك.
كما توقف عند ظاهرة اللجوء إلى شركات الوساطة في التشغيل، معتبراً أن اعتماد بعض المقاولات على هذه الصيغة “يؤدي إلى إضعاف العلاقة المباشرة بين العامل والمشغل، ويترتب عنه في حالات عديدة حرمان العمال من الاستفادة من التصريح لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي والتغطية المرتبطة بحوادث الشغل والأمراض المهنية”.
وربط لفنادسة هذه الاختلالات بما وصفه بـ”إشكالية احترام القانون”، معتبراً أن استمرار التهرب من الالتزامات القانونية والاجتماعية يطرح، بحسب تعبيره، تساؤلات حول مدى ترسخ دولة القانون في المجال الاجتماعي والشغلي.
وفي السياق ذاته، انتقد المتحدث وضعية جهاز تفتيش الشغل، معتبراً أنه “يعاني من خصاص كبير في الموارد البشرية”.
وأشار إلى أن “عدد مفتشي الشغل يظل محدوداً مقارنة بعدد المقاولات النشيطة”، موضحاً أن جزءاً مهماً من مهامهم “أصبح يتركز على الجوانب الإدارية والتصالحية أكثر من المراقبة الميدانية”، وهو ما يحد، وفق تقديره، من فعالية مراقبة احترام تشريعات الشغل داخل الوحدات الإنتاجية.
وأضاف أن مفتشي الشغل “يواجهون بدورهم إكراهات مرتبطة بغياب نظام قانوني يوفر لهم الحماية الكافية أثناء أداء مهامهم”، مبرزاً أن بعضهم تعرض لاعتداءات داخل مقرات العمل، وهو ما أثر، بحسب قوله، على فعالية آليات المراقبة والزجر.
وعلى المستوى النقابي، اعتبر لفنادسة أن العمل النقابي “يواجه تحديات متزايدة داخل عدد من الوحدات الصناعية والمناطق الاقتصادية”، متحدثاً عن وجود تضييقات تحد من ممارسة الحريات النقابية داخل بعض فضاءات العمل.
كما أشار إلى أن المغرب لم يصادق بعد على الاتفاقية رقم 87 لمنظمة العمل الدولية المتعلقة بالحرية النقابية وحماية الحق النقابي، رغم المطالب المتكررة الصادرة عن المركزيات النقابية والهيئات الحقوقية في هذا الاتجاه.
وفي ما يتعلق بالإطار التشريعي، سجل المتحدث استمرار العمل بالفصل 288 من القانون الجنائي، معتبراً أنه “ما يزال محل انتقاد من طرف عدد من الفاعلين النقابيين بسبب استعماله في قضايا مرتبطة بالنشاط النقابي”. كما عبر عن تخوفه من انعكاسات قانون الإضراب الجديد على ممارسة هذا الحق، معتبراً إياه تقييداً لمكتسبات تاريخية للطبقة العاملة.
وخلص لفنادسة إلى أن التحدي الأساسي المطروح اليوم “يتمثل في ضمان التطبيق الفعلي لقانون الشغل وتعزيز آليات المراقبة والحماية الاجتماعية والحريات النقابية، بدل الاكتفاء بالنصوص القانونية أو إدخال تعديلات تشريعية لا تنعكس بالضرورة على واقع العمال داخل أماكن العمل”.