المغرب في الجغرافيا التوراتية
التحالف الأمريكي الإسرائيلي يلوّح بيد أولى بالزحف على أكثر من عشر دول عربية، بينما تشير الثانية إلى ضرب إيران، إما سياسيا عبر تفجيرها من الداخل أو عسكريا عبر قوة نارية ضخمة وغير مسبوقة تاريخيا، بينما تتقدّم خطّة “إخضاع” غزة وإخراجها من جبهة المواجهة، وفي الوقت نفسه، تستدعي واشنطن “الأطراف” المعنية بنزاع الصحراء إلى جولة جديدة من المشاورات هذا الأسبوع، ما يجعلنا، بشكل مباشر أو غير مباشر، معنيّين بهذا المخاض الذي يمكنه أن ينتهي بولادة، وقد يفضى إلى نزيف وفقدان للأم والجنين.
قد تكون اختيارات الدولة في سياستنا الخارجية اليوم موفّقة و”ذكية”، وهذا الراجح لديّ، لكن لا وجود لاختيارات سياسية، في الداخل كما في الخارج، بنسبة صفرية من المخاطر.
الدبلوماسية ليست فيزياء، ولا تُدار بمنطق المعادلات الرياضية التي تضمن النتائج، خصوصا في زمن تتساقط فيه المسلّمات كما تتساقط الفصول. زمن اضطراب متسارع يشبه مناخا عالميا خرج من عقاله، فتعرف اتجاه الريح الآن، لكنك لا تستطيع أن تعرف أين ستنزل العاصفة غدا.
لذلك نحتاج حدا أدنى من النقاش والوضوح. نقاش لا يطلب امتيازا ولا يصنع بطولة وهمية ولا يتوهّم كشف الأسرار والخطط والتدابير السرية، بل يبني جبهة داخلية واعية تُمسك بخيوط ما يجري حولها بدل أن تُساق إليه.
تصريحات السفير الأمريكية لدى إسرائيل، مايك هاكابي، الأخيرة ليست خبرا عابرا في يوم صاخب. أن يقول سفير قوة عظمى، في مقابلة مع تاكر كارلسون، إنه “لا بأس” لو أخذت إسرائيل “كل شيء” استنادا إلى قراءة دينية لعبارة “من النيل إلى الفرات”، ثم يضيف منطق “الأرض التي وهبها الرب”… فهذا ليس مجرد انزلاق بلاغي يمكن تنظيفه باعتذار سريع أو توصيفه بأنه “مجازٌ مبالغٌ فيه”.
هذه لحظةٌ تكثّف معنى أعمق، يكشف كيف تتحول النصوص إلى خرائط، وكيف تُستعمل “القداسة” كزيت لتزليق ماكينة السياسة حين تريد أن تمرّ فوق القانون والحدود والناس.
“الجغرافيا التوراتية” ليست درسا في أسماء الأماكن القديمة ولا تمرينا أكاديميا على مقارنة النص بالخارطة، بل هي تمرين في تحويل السرد الديني إلى “خريطة حقوق” تُقدَّم كأنها أعلى من التاريخ الاجتماعي وأثقل من القانون الدولي. والأخطر أن هذا التحويل لا يحتاج برهانا بقدر ما يحتاج صورة واحدة تُعلَّق على الوعي، أي امتدادٌ جغرافيٌ واسع، ووعدٌ قديم، ثم جملةٌ قصيرة تكمل المهمة: “من حقهم”.
عندما سُئل الرجل عن احتمال أن يثبت العلم عبر الخبرة الجينية ارتباطا جينيا أقدم للفلسطينيين بالأرض، لم يدخل إلى سجال علمي بقدر ما هرب إلى طريق يختاره هو، وإلى لغة يفضّلها، هي لغة “الحجارة” بوصفها صكّ ملكية. لم يقدم السفير الأمريكي على ذلك دفاعا عن علم الآثار ولا احتراما للتاريخ، بل هو تسليحٌ انتقائيّ لمناهج المعرفة، لأن الحقيقة تُقبل حين تخدم السرد، وتُرفض حين تُربك السرد.
قد يقول البعض إن هذه لغة إنجيلية أمريكية للاستهلاك الداخلي، فما شأننا نحن؟ لكن ردود الفعل العربية والإسلامية الرسمية (التي غاب عنها المغرب حتى كتابة هذه السطور) التي وصفت تصريحات هاكابي بأنها “خطيرة ومُحرِّضة” تكشف أن المنطقة فهمت الرسالة كما يجب.
هذه ليست مزحة في “ستوري”، بل اختبارٌ لحدود المقبول في الخطاب الدولي، ومحاولة لتعويد الوعي الجمعي على فكرة التوسع وكأنها احتمالٌ طبيعي في الغد القريب.
ولأن الأشياء لا تُقرأ منفصلة، فإن ربط هذه التصريحات بما يجري على الأرض يزيح عنا غبار البروبوغاندا. هناك ضمٌّ فعليّ يتسارع في الضفة الغربية، وهناك تيارات سياسية داخل إسرائيل لا تُخفي سعيها لتوسيع المعنى قبل توسيع الحدود، بل صدرت مواقف علنية من بنيامين نتنياهو حول الارتباط برؤية “إسرائيل الكبرى”، وما يجاورها من خطاب ديني/تاريخي يُقدَّم كهوية سياسية لا كذاكرة.
في هذه اللوحة الواسعة، أين يقف المغرب؟
قد لا نكون داخل خريطة “النيل والفرات”، لكننا حتما لسنا خارج منطقها. “الجغرافيا التوراتية” هنا ليست جغرافيا مسافات بقدر ما هي جغرافيا معايير. وأمامنا اليوم معيارٌ جديد يختبر المنطقة والعالم، مفاده أن الحدود يمكن أن تُعاد صياغتها بالسرد، وأن القانون يمكن أن يُطوّع بالوقائع، وأن الحرب يمكن أن تُقدَّم كطريق إلى “حق تاريخي” كان ينتظر ساعة التنفيذ.
وفي عالم يتصدّع نظامه الذي تشكّل بعد الحرب العالمية الثانية، تصبح السرديات أكثر فاعلية من الاتفاقيات، ويصير الكلام جزءا من السلاح.
لهذا لا يمكن فصل ما يقال في واشنطن وتل أبيب عما يُطبخ في الإقليم. فالتوتر المتصاعد مع إيران لا يبدو مجرد فصل إضافي في خصومة قديمة، بل هو “مباراة نهائية” يُراد لها أن تعيد ترتيب ميزان القوى، ومعها تُعاد هندسة الملفات: من غزة إلى الخليج إلى طرق التجارة وأمن الطاقة والممرات.
وفي قلب كل هذا، وجد المغرب نفسه منخرطا في ترتيبات جديدة مرتبطة بمرحلة ما بعد الحرب في قطاع غزة ضمن ما سُمّي “مجلس السلام”، حيث طُرحت تصورات لإعادة الإعمار وترتيبات أمنية وعسكرية.
وهنا يصبح السؤال المغربي سؤالا وجوديا لا أخلاقيا فقط:
• كيف نُمسك بمصلحتنا الوطنية العليا وسط هذا الطوفان؟
• وكيف نقرأ تموقعنا بين العالم العربي وأوروبا وإفريقيا، ونحن نتابع بالتوازي استحقاقات حاسمة في ملف الصحراء، وتحولات متسارعة في جوار متوتر؟
• وما السبيل إلى تجنّب السقوط في توزيع سخيف للأدوار: نخبةٌ تلوّح بالمواقف “المبدئية” دون تجرؤ على الواقع، ودولةٌ تشتغل ببراغماتية حذرة دون شرح كاف، وجمهورٌ يُستدرج بينهما إلى الانفعال بدل الفهم؟
ليست الدعوة هنا إلى النقاش سعي إلى التشويش على القرار، بل إلى تقويته. لأن أخطر ما في “الجغرافيا التوراتية” أنها لا تحاول فقط أن تُعيد رسم خرائط الآخرين، بل تحاول أن تُعيد تعريف اللغة التي يفهم بها الآخرون أنفسهم. أي أن تقنعك بأنك هامشٌ في قصة غيرك، وأن حضورك مشروطٌ بأن تُصفّق، وأن أمنك مرهونٌ بأن تصمت.
والجواب الوحيد الذي يليق بهذه المرحلة هو أن نُعيد نحن أيضا كتابة خريطتنا بكل عناصرها، من المصالح والتهديدات إلى التحالفات، ليس بخطاب حماسيّ سهل، بل بعقل بارد، وبصيرة تاريخية، وجرأة على طرح الأسئلة التي تؤجَّل عادة إلى ما بعد فوات الأوان.