“أصعب مباراة افتتاحية للسيليساو منذ مونديال 90”.. كيف تنظر الصحافة البرازيلية لمواجهة المغرب؟
أقل من 48 ساعة تفصلنا عن المواجهة المرتقبة بين المنتخب المغربي ونظيره البرازيلي، في واحدة من أبرز مباريات الجولة الأولى من دور المجموعات في كأس العالم 2026، حيث يدخل المنتخبان اللقاء بطموح تحقيق انطلاقة قوية ووضع قدم أولى نحو صدارة المجموعة الثالثة.
وتحظى المباراة باهتمام واسع داخل البرازيل بالنظر إلى المكانة التي بات يحتلها المنتخب المغربي على الساحة الدولية بعد الإنجازه التاريخي في مونديال قطر، فخلال الأيام الأخيرة، خصصت وسائل الإعلام البرازيلية ساعات طويلة لتحليل أسلوب لعب “أسود الأطلس”، واستعراض نقاط قوته وأبرز لاعبيه، في ظل حالة من الحذر والترقب تجاه المنتخب المغربي، في مشهد كان من الصعب تخيله قبل سنوات قليلة.
ويكاد يجمع عدد من أبرز المحللين البرازيليين على أن المباراة ستكون واحدة من أصعب المباريات الافتتاحية لمنتخب البرازيل في منافسات كأس العالم، خاصة بعد أداء المنتخب المغربي أمام النرويج في الشوط الأول من مباراته الودية الأخيرة، والذي قدم من خلاله لمحة عن الشخصية التكتيكية للفريق والطريقة التي يعتزم خوض بها منافسات المونديال.
وقد انصب جانب كبير من النقاش في البرامج الرياضية التي عاينتها صحيفة “صوت المغرب” على المقارنة بين أظهرة المنتخبين، في ظل ما اعتبره المحللون البرازيليون “أزمة” يعيشها منتخبهم في مركز ارتبط تاريخيا بهوية كرة القدم البرازيلية وواحد من أبرز نقاط قوتها عبر العقود.
وفي المقابل، حظي ظهيرا المنتخب المغربي، نصير مزراوي وأشرف حكيمي، بإشادة واسعة، خاصة الأخير الذي استأثر بجزء كبير من النقاشات والتحليلات، باعتباره أحد أبرز نجوم المنتخب المغربي وأفضل ظهير أيمن في العالم حاليا وفق توصيف عدد من المتدخلين.
“أصعب مباراة افتتاحية للبرازيل منذ مونديال 1990”
البداية مع برنامج “سيليساو كوبا” على قناة “سبورت تي في”، أكثر القنوات الرياضية متابعة في البرازيل، حيث أبدى الصحافي الرياضي أندريه ريزك تشاؤمه من كون مواجهة المغرب ستكون المباراة الأولى لمنتخب بلاده في المجموعة الثالثة.
وقال ريزك: “كنت أفضل أن نبدأ أمام هايتي، ثم نواجه اسكتلندا ونتدرج في مستوى المنافسة، ونترك مباراة المغرب للجولة الثالثة. حينها كنت سأكون أكثر ثقة”.

وأوضح أن المنتخب البرازيلي عانى تاريخيا في المباريات الافتتاحية لكأس العالم، مستحضرا مواجهة كوريا الشمالية في مونديال جنوب إفريقيا 2010، عندما دخل “السيليساو” اللقاء باعتباره اختباراً سهلا، قبل أن يجد نفسه أمام مباراة معقدة حسمها بصعوبة بنتيجة هدفين مقابل هدف واحد. وأضاف أن المنتخب الكوري الشمالي نفسه تعرض بعد ذلك لهزيمة قاسية أمام البرتغال بستة أهداف دون رد.
واتفق أغلب الضيوف على أن مباراتهم أمام المنتخب المغربي، تعد أصعب مباراة افتتاحية لـ”سيليساو” منذ مونديال 1990، مؤكدين أن “المباراة ستكون صعبة للغاية”، حيث صرح المحلل الرياضي البرازيلي برونو فورميغا: “لن أفاجأ حتى إذا لم تفز البرازيل”، وذلك بالنظر إلى المستوى الذي يقدمه المنتخب المغربي.
وتطرق أندريه ريزك إلى مقارنة أظهرة المنتخب البرازيلي والمنتخب المغربي قائلا: “عندما ننظر إلى المنتخب المغربي وما يملكه من أظهرة بقيمة أشرف حكيمي ونصير مزراوي، نعترف بأن أظهرتهم أفضل من أظهرتنا، وأننا بتنا نعاني من أزمة في هذا المركز، وذلك رغم كونه أحد أبرز المراكز التي ارتبطت تاريخيا بكرة القدم البرازيلية”.
وذكر أن البرازيل، عندما توجت بلقبها العالمي الرابع في مونديال 1994 كانت تتوفر على جورجينيو وكافو في الجهة اليمنى، وبرانكو وليوناردو في الجهة اليسرى. وتابع: “بل إن روبرتو كارلوس، الذي كان بطلاً للدوري البرازيلي مع بالميراس، لم تتم دعوته إلى كأس العالم آنذاك.”
وتابع المتحدث أن الوضع لم يكن مختلفاً في مونديال 2002، عندما امتلك المنتخب البرازيلي خيارات عديدة في هذا المركز، مشيراً إلى أن لاعبين بحجم زي روبرتو، القادر على شغل مركز الظهير الأيسر، وسيرجينيو، نجم ميلان الإيطالي آنذاك، لم يجدا مكانا ضمن القائمة النهائية بسبب كثرة الخيارات المتاحة.
وقال: “انظروا إلى نوعية الأظهرة التي تركناها خارج القائمة في ذلك الوقت، ثم انظروا إلى ما نملكه اليوم”، وأضاف: “عندما نقارن أنفسنا بالمنتخبات القوية الأخرى، نجد أن كثيراً منها يملك أظهرة أفضل منا”، معتبراً أن هذا الواقع “لم يكن أحد ليتخيله قبل سنوات”.
“امتصاص اندفاع المنتخب المغربي الأول”
نبقا مع نفس القناة وبرنامج “سيليساو” الذي ربط الاتصال مع موفد القناة إلى الولايات المتحدة الأمريكية، نيلسون كلافا، وذلك بعد حضوره لمشاهدة مباراة المنتخب الوطني أمام النرويج، والذي شدد على أن المنتخب المغربي تغير كثيرا مقارنة بالنسخة الماضية من كأس العالم، موضحا أنه “لم يعد ذلك المنتخب الذي ينتظر فرصة واحدة لضرب منافسيه، بل أصبح فريقا يبادر إلى صناعة اللعب وفرض إيقاعه على المباريات”.

وأضاف أن “أسود الأطلس” يضغطون بقوة على عملية خروج الكرة من دفاع المنافس، ويعتمدون على ضغط عالٍ يتطلب تحركات مستمرة من المهاجمين، غير أنه أشار في المقابل إلى أن هذا النسق المرتفع “لا يستمر طوال المباراة”، إذ ينخفض تدريجيا مع مرور الوقت، خاصة في ظل درجات الحرارة المرتفعة التي تسببه إرهاقا بدنيا للاعبين.
وشدد على أن المنتخب البرازيلي مطالب بالانتباه إلى هذه النقطة، معتبرا أن مفتاح التعامل مع المغرب يكمن في “امتصاص اندفاع المنتخب المغربي الأول” خلال الدقائق الأولى من المباراة.
كما وصف المنتخب المغربي بأنه فريق منظم للغاية على المستوى الجماعي، ويرى أن أسلوبه يشبه في بعض جوانبه الفكرة التي يحاول كارلو أنشيلوتي ترسيخها مع المنتخب البرازيلي، مسشتهدا في ذلك بعدم اعتماد المغرب على مهاجم صريح ثابت، موضحاً أنه يلعب بأربعة عناصر هجومية متقدمة تتبادل المراكز باستمرار وتتحرك بشكل ديناميكي، فضلاً عن امتلاكها مهارات فردية تسمح لها بالمراوغة وتقديم الحلول الفردية.
وتوقف كلافا عند الجهة اليمنى للمنتخب المغربي، معتبراً أن أشرف حكيمي، الذي وصفه بأفضل ظهير أيمن في العالم، يشكل ثنائيا مميزا مع إبراهيم دياز، موضحا أن “حكيمي يدافع كظهير أيمن، لكنه يهاجم كمهاجم أو جناح متقدم للغاية”، وهو ما يمنح المنتخب المغربي حلولاً إضافية في الثلث الأخير من الملعب.
في المقابل، حاول فيليبي ميلو، اللاعب الدولي البرازيلي السابق وأحد محللي القناة، تسليط الضوء على بعض الجوانب التي اعتبرها نقاط ضعف محتملة في أداء المنتخب المغربي. وأوضح أن المغرب بات في الآونة الأخيرة أكثر ميلا للاستحواذ على الكرة وبناء الهجمات من الخلف، معتبرا أن هذا التطور الإيجابي قد يوفر لأنشلوتي بعض الثغرات.
وقال ميلو إن النرويج نجحت في عدة مناسبات في ممارسة ضغط عالٍ على دفاع المغرب، ما مكنها من افتكاك ثلاث أو أربع كرات في مناطق حساسة، كما نجحت في الضغط مباشرة بعد فقدان الكرة داخل مناطق المنتخب المغربي، وهو ما أدى إلى خلق فرص حقيقية للتسجيل.
وأضاف: “تخيلوا لو كان الفريق الذي مارس هذا الضغط هو البرازيل”، مبرزا أن المنتخب البرازيلي يعتمد بدوره على الضغط العالي كأحد أسلحته الرئيسية، وقد استفاد منه في مباراتيه الأخيرتين أمام مصر وبنما. وختم بالقول إن الضغط على دفاع المغرب أثناء عملية البناء من الخلف قد يكون إحدى الوسائل التي يمكن للبرازيل استغلالها خلال المواجهة المرتقبة.
“عقلية برازيلية قديمة”
ننتقل الآن إلى برنامج “G4” على قناة “باند سبورت” البرازيلية، والذي شهد نقاشا حاد بين الضيوف، بعد التفاعل مع سؤال أحد المشاهدين، الذي علق: “إلى أي درجة انحدرت كرة القدم البرازيلية، حتى بتنا نفكر في تغيير الخطة بسبب حكيمي”، ما دفع الضيوف إلى توجيه انتقادات حادة لما وصفوه بـ”عقلية برازيلية قديمة”.
أرنالدو ريبيرو، أحد الصحافيين الرياضيين بالقناة، صرح أن المشكلة هي أن الكثير من البرازليين ما زالوا يعتقدون أن بلادهم ما تزال تملك أفضل منتخب في العالم وأفضل اللاعبين في كل المراكز، مؤكداً أن “هذا لم يعد واقعاً منذ سنوات طويلة”.
وأضاف أن حكيمي أفضل من أي ظهير أيمن برازيلي حاليا، بل أفضل ظهير أيمن برازيلي منذ داني ألفيش، مضيفا “إنه أساسي في باريس سان جيرمان، ومتوج بدوري أبطال أوروبا مرتين”.

ويرى المتحدث أن النقاش الحقيقي قبل مباراة المغرب والبرازيل لا ينبغي أن يقتصر على تاريخ المنتخبين أو عدد الألقاب، بل على تفاصيل الحاضر، متسائلا: “من اللاعب القادر فعلاً على صناعة الفارق في المباراة؟ فينيسيوس جونيور أم أشرف حكيمي؟”.
وتابع: “ما يبدو لي هو أن أنشيلوتي سيحاول إبعاد فينيسيوس عن المواجهة المباشرة مع حكيمي، ومنحه حرية أكبر في التحرك هجومياً، بدلا من استنزافه في الواجبات الدفاعية وملاحقة الظهير المغربي.
وشدد ريبيرو، الذي بدا غاضبا من التعليق: أنه “لا توجد كرة قدم اليوم من دون التفكير في المنافس”، مضيفا أنه “في الوقت الذي نستمر فيه بترديد أننا الأفضل، تواصل المدارس الكروية الأخرى تطوير نفسها، وتطوير لاعبيها، وخياراتها.”
من جانبه، اعتبر الصحافي الرياضي باولو ماسيني أن صاحب التعليق ينطلق من تصور قديم ما يزال راسخاً لدى جزء من الجماهير البرازيلية، “يقوم على فكرة التفوق التلقائي للمنتخب البرازيلي”. لكنه شدد على أن كرة القدم تغيرت كثيراً، موضحاً أن “اللاعبين تطوروا، والمنتخبات تطورت، وأصبحت المنظومة التكتيكية أكثر أهمية من أي وقت مضى”.

وأضاف أن امتلاك فريق منظم يضم 11 لاعباً يعملون ضمن منظومة جماعية متكاملة قد يكون أكثر فعالية من الاعتماد على ثلاثة نجوم فقط، مبرزا أن كرة القدم الحديثة أصبحت أكثر اعتمادا على الجانب البدني والتنظيمي مقارنة بالماضي. وقال في هذا السياق إن تعليق المشاهد “ينتمي إلى زمن لم يعد موجودا”.
هذا النقاش قاد مقدم البرنامج إلى طرح سؤال مباشر على ضيوفه: “هل وجود أفضل ظهير في العالم يصنع فعلا هذا الفارق الكبير؟”، وهو السؤال الذي حظي بإجماع داخل الاستوديو، حيث أكد أرنالدو ريبيرو أن الأمر يصنع “فارقا حقيقيا”، خاصة عندما يعرف المدرب كيف يستثمر قدرات لاعبيه على الأطراف.
وأضاف: “باريس سان جيرمان لم يصبح بطلاً لأوروبا مرتين إلا لأنه يملك أفضل ظهيرين في العالم، أحدهما برتغالي والآخر مغربي”، في إشارة إلى نونو مينديش وأشرف حكيمي.
وفي السياق ذاته، استحضر ماسيني الدور الحاسم الذي كان يلعبه أظهرة المنتخب البرازيلي في فترات سابقة، معتبرا أنهم كانوا من العناصر التي تحسم المباريات. وهو الرأي الذي أيده ريبيرو، قائلا: “من باب المصادفة أو ربما لا، منذ نهاية حقبة كافو وروبرتو كارلوس، لم تفز البرازيل بكأس العالم”.مقتنع أمقتن
“أنا مقتنع أن المنتخب المغربي سيقع في الفخ”
وفي ختام النقاش، انتقل الضيوف إلى الحديث عن العقلية التي سيدخل بها المنتخب المغربي المباراة، حيث أبدى أرنالدو ريبيرو قناعته بأن “أسود الأطلس” سيقعون في فخ “الثقة المفرطة” بعد الإنجاز التاريخي الذي حققوه في مونديال قطر 2022.

وأوضح ريبيرو أن المنتخب المغربي يعيش اليوم مرحلة مختلفة عن تلك التي خاض بها مونديال قطر، قائلاً إن هناك نقاشاً داخل الأوساط الكروية المغربية مفاده: “لقد لعبنا كفريق صغير وحققنا ما حققناه، لكن الآن لدينا لاعبون من ريال مدريد وباريس سان جيرمان، والمنتخب يجب أن يلعب بطريقة أكبر”.
واعتبر المتحدث أن هذه الرغبة في تقديم كرة قدم أكثر هجومية ستدفع المغرب إلى الهجوم باندفاع وحماس مفرط ورغبة في فرض أسلوبه، “وهو ما سيترك مساحات سيستفيد منها المنتخب البرازيلي، من خلال الهجمات المرتدة التي يجيدها فريق أنشلوتي”.
“مواجهة المغرب مشابهة لمونديالي 1982 و1986”
أما إذاعة “إيتاتيايا” البرازيلية، فقد خصصت بدورها حيزاً مهماً لتحليل أداء المنتخب المغربي بعد مباراته الودية الأخيرة أمام النرويج. وأكد مراسل الإذاعة أن “أسود الأطلس” قدموا مباراة جيدة جدا، مشيرا إلى أنه خلال الفترة التي شارك فيها معظم اللاعبين الأساسيين، كان المنتخب المغربي متقدما بهدف دون رد وصاحب أخطر الفرص في اللقاء.
كما تطرق المتحدث إلى الإصابة التي تعرض لها عبد الصمد الزلزولي قبل الإعلان رسمياً عن استبعاده من قائمة المنتخب المشاركة في كأس العالم 2026، معتبراً أن غيابه سيمثل خسارة مؤثرة للمنتخب المغربي بالنظر إلى ما يقدمه من إضافة على المستوى الهجومي.
وفي المقابل، لفت إلى أن المنتخب المغربي يدخل مواجهة البرازيل الافتتاحية وهو في سلسلة لافتة من النتائج الإيجابية، “إذ لم يتذوق طعم الهزيمة في آخر 26 مباراة خاضها”.
وبالعودة إلى الاستوديو الرئيسي، تحدث ألكسندر سيمويس، رئيس قسم الرياضة في الإذاعة عن صعوبة المباراة بالنسبة للمنتخب البرازيلي، موضحا أن المغرب هو نظرياً أقوى منافس سيواجهه المنتخب البرازيلي في هذه المجموعة، مذكرا بحالات مشابهة في مونديالي 1982 و1986، حين افتتحت البرازيل مشوارها في البطولة بمواجهة أقوى منافس لها في المجموعة.

وأشار إلى أن المباراة الأولى للبرازيل في مونديال 1982 كانت أمام الاتحاد السوفييتي، وفازت البرازيل 2-1 بعد العودة في النتيجة، بالإضافة إلى مباراة البرازيل أمام إسبانيا في مونديال 1986 حين فاز “السيليساو” بهدف دون رد.
وشدد على أن مواجهة أقوى منافس في المباراة الافتتاحية “ليس أمراً جديداً على البرازيل”، مضيفا: “المنتخب البرازيلي مرّ بهذه الظروف سابقاً، وفي النهاية نجح”.