story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
الصوت الواضح |

الماضي يختار المستقبل

ص ص

كشفت وزارة الداخلية عبر بوابة اللوائح الانتخابية عن آخر الأرقام الرسمية، والمحصورة في 10 يوليوز 2026، وهي تقول إن عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية العامة بلغ أقل من 16 مليونا، أي أكثر من مليوني ناخب أقل من الانتخابات السابقة.

عدد السكان المقيمين في المغرب ممن تبلغ أعمارهم 18 سنة فما فوق يناهز، يناهز 26 مليون شخص. أي أننا تقريبا، أمام عشرة ملايين شخص في سن الرشد، يعيشون خارج الدائرة الانتخابية قبل أن تبدأ الانتخابات أصلا.

وإذا افترضنا أن نسبة المشاركة في الانتخابات المقبلة ستستقر عند حدود خمسين في المائة، فإن عدد المصوتين الفعليين لن يتجاوز ثمانية ملايين شخص. أي أن من سيختارون مجلس النواب المقبل لن يمثلوا سوى نحو 30 في المائة من السكان الموجودين في سن التصويت، وحوالي خُمس مجموع السكان المقيمين في المغرب.

لا يعني ذلك أن الانتخابات تفقد شرعيتها القانونية، فالأنظمة الانتخابية في العالم لا تشترط مشاركة جميع المواطنين حتى تنتج مؤسسات صحيحة من الناحية الدستورية. لكن الشرعية القانونية شيء، ونسبة التمثيلية شيء آخر. وعندما تضيق دائرة المشاركين بهذا الحجم، يصبح السؤال ضروريا: أي مغرب تمثله نتائج الانتخابات؟

الجواب الذي تقدمه التركيبة العمرية للمسجلين لا يقل إثارة من الرقم الإجمالي، حيث تكشف قراءة أنجزها الزملاء في «ميديا24»، أن من تبلغ أعمارهم 60 سنة فما فوق يشكلون وحدهم 30 في المائة من الهيئة الناخبة، أي قرابة خمسة ملايين مسجل.

في المقابل، لا تمثل الفئة المتراوحة أعمارها بين 18 و24 سنة سوى 3 في المائة، بما يقارب 474 ألف شاب وشابة، أي أقل من نصف مليون شاب وشابة، من أصل كتلة ديمغرافية محتملة تقدر بنحو 3.89 أربعة ملايين شخص. وهنا لا تصبح الفجوة مجرد تفاوت طبيعي بين الأجيال، بل تشكل انقلابا شبه كامل للهرم الديمغرافي حين ننتقل إلى المجال الانتخابي.

الفئة التي يتجاوز عمرها 60 عاما تمثل الخزان الانتخابي الأول في البلاد، بينما لا يكاد الجيل الذي يدخل للمرة الأولى إلى سن التصويت يظهر داخل اللوائح. وحتى عند إضافة الفئة المتراوحة أعمارها بين 25 و34 سنة، لا تتجاوز حصة جميع من تقل أعمارهم عن 35 عاما نسبة 18 في المائة من المسجلين. أي أنها انتخابات يملك فيها الماضي وزنا أكبر بكثير من المستقبل.

تكشف الأرقام أيضا أن الرجال يمثلون 54 في المائة من المسجلين، مقابل 46 في المائة للنساء، بفارق يبلغ نحو 1.26 مليون شخص، وهو يعني ما يعنيه بالنسبة لحضور ومشاركة المرأة في الفضاء العام. كما يمثل سكان المدن 55 في المائة من الهيئة الناخبة، مقابل 45 في المائة في الوسط القروي، رغم أن نسبة التمدن في المغرب بلغت، وفق نتائج إحصاء 2024، نحو 62.8 في المائة.

وهذا يعني أن العالم القروي يتمتع داخل الخريطة الانتخابية بوزن يفوق نسبيا وزنه الديمغرافي منذ البداية، قبل أن نصل إلى يوم الاقتراع، والذي يعرف الجميع أن المجال القروي يسج]ّل فيه نسبة مشاركة أكبر بكثير من تلك التي تعرفها المدن المتوسطة والكبرى.

تضم المدن الكبرى الفئات التي يفترض، نظريا، أن تكون محرك التغيير السياسي: الطبقة المتوسطة النشيطة، والأجراء، والموظفون، وأصحاب المهن الحرة، والطلبة، والخريجون، والنساء العاملات، والمقاولون الشباب، والفئات الأكثر استعمالا للمنصات الرقمية والأكثر تعرضا للنقاش العمومي.

هذه الكتلة تتحدث كثيرا في السياسة، لكنها لا تدخل بالقدر نفسه إلى السياسة الانتخابية. تنتقد الحكومة، وتسخر من الأحزاب، وتناقش القوانين والقرارات والأسعار والفساد وتضارب المصالح. تصنع حملات رقمية، وتوقع العرائض، وتتابع جلسات البرلمان، وتحتج على المنصات، لكنها عندما تصل إلى الباب الأول للمشاركة، أي التسجيل في اللوائح، يتبدد جزء كبير منها. وعندما يحل يوم الاقتراع، يتحول القسم الكبير منها إلى مناضلين في حزب الكنبة.

في المقابل، تحافظ القرى والمدن الصغيرة وشبكات الأعيان والعائلات والمصالح المحلية على قدرتها على التعبئة. هناك يعرف الناخب المرشح شخصيا، أو يعرف من يطلب منه التصويت له. لهذا لا يكون التصويت دائما اختيارا بين برامج سياسية كبرى، بل قد يصبح امتدادا لعلاقة اجتماعية أو عائلية أو مصلحية قائمة سلفا.

هنا تنشأ واحدة من أكبر مفارقات السياسة المغربية: الأكثر تعبيرا في المنصات ليس بالضرورة الأكثر تصويتا، والأكثر تصويتا ليس بالضرورة الأكثر حضورا في المجال العمومي. والذي يملأ «فيسبوك» و«إنستغرام» و«تيك توك» قد لا يكون هو الذي يملأ صناديق الاقتراع.

لذلك يمكن أن يبدو الرأي العام الرقمي في اتجاه، ثم تأتي النتائج الانتخابية في اتجاه مختلف تماما، ليس لأن الانتخابات خالفت إرادة المجتمع بالضرورة، بل لأنها قاست إرادة الجزء الذي دخل إلى العملية، لا إرادة المجتمع كله.

هنا ينبغي ألا يختبئ الفاعل السياسي وراء تفسير مريح يقول إن المغاربة لا يهتمون بالسياسة. المغاربة يناقشون السياسة يوميا، ويصدرون أحكاما قاسية على المسؤولين والمؤسسات، ويتفاعلون مع كل قرار يمس حياتهم. مشكلتهم ليست غياب الاهتمام، بل غياب الثقة في الجدوى. هناك فرق كبير بين مواطن غير سياسي ومواطن لا يرى فائدة في السياسة المعروضة عليه.

لهذا نحتاج إلى عرض سياسي يجعل المواطن قادرا على التمييز بين الاختيارات، وإلى أحزاب لها مواقف قابلة للقياس والمحاسبة، ومرشحين لا تختصر قيمتهم في النفوذ والمال والقرابة، ومؤسسات منتخبة يشعر المواطن بأنها تملك فعلا ما يكفي من السلطة لتغيير حياته.

كما نحتاج إلى معالجة العوائق العملية، بدءا من التسجيل التلقائي أو الميسر في اللوائح، وتقريب مكاتب التصويت، واستيعاب تنقل الطلبة والعمال بين المدن، وإيجاد آليات أكثر فاعلية لمشاركة مغاربة العالم… لأن السؤال الحقيقي، في النهاية، ليس من سيفوز في انتخابات شتنبر، بل أي جزء من المغرب سيمنحه هذا الفوز.

إذا استمرت الفجوة الحالية، فقد تنتج الانتخابات مؤسسات سليمة من حيث القواعد الشكلية، لكنها تقوم على قاعدة اجتماعية ضيقة؛ وقد تحصل حكومة على أغلبية المقاعد، بينما لم يصوت لأحزابها سوى جزء محدود من الراشدين. وقد نقضي السنوات التالية في تفسير المسافة بين المجتمع والمؤسسات، رغم أن الأرقام كانت قد شرحتها مسبقا.

أخطر ما يمكن أن تفعله السياسة، هو أن تعتبر غياب عشرة ملايين مواطن عن اللوائح مجرد رقم إداري. ذلك أن هؤلاء لا يوجدون خارج المجتمع، بل خارج القناة التي يفترض أن تصل المجتمع بالدولة. وهم لا يختفون بعد الانتخابات، بل يعودون إلى الشارع والمنصات وأماكن العمل والجامعات، حاملين المطالب نفسها والغضب نفسه، لكن دون أن تكون المؤسسات المنتخبة قد اضطرت إلى سماعهم.