story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
إعلام |

الكاميرون.. عودة “الأسود غير المروّضة” في زمن التحولات القارية

ص ص

في قلب كأس إفريقيا للأمم 2025 المقامة حاليا بالمغرب، وعلى تخوم ربع نهائي البطولة الإفريقية، تتهيأ القارة لمواجهة من طراز خاص؛ لا تجمع مجرد منتخبين، بل يصطدم فيها رمزان من رموز إفريقيا. لقاء أسود، بعيدًا عن الأدغال وعلى أرض مغربية، حيث يُختبر التاريخ أمام الطموح، وتُعاد إلى الواجهة واحدة من أكثر الثنائيات إثارة في تاريخ كرة القدم الإفريقية.

“أسود الأطلس” في مواجهة “الأسود غير المروّضة”؛ مباراة تُلعب على العشب، لكنها تعيش في الذاكرة. ماضٍ حققت فيه الكاميرون ستة انتصارات أمام المغرب، مقابل فوزين للمنتخب الوطني في آخر مواجهاتهما، كان الأول سنة 2018، برسم تصفيات كأس الأمم الإفريقية، وهو الفوز الذي كسر به أسود الأطلس عقدة طويلة فرضت خلالها الأسود الكاميرونية سيطرتها منذ أول لقاء رسمي جمعهما سنة 1981.

وثاني فوز لأسود الأطلس كان خلال المواجهة التي جمعت المنتخب الوطني للمحليين بنظيره الكاميروني، في بطولة الشان سنة 2021، حيث انتصر أبناء الناخب الوطني حينها الحسين عموتة بـ 4-0.

يعيش منتخب الكاميرون لكرة القدم مرحلة مفصلية في تاريخه القاري، بين إرث ثقيل من الألقاب والهيمنة الإفريقية، وواقع جديد تفرضه تحولات كرة القدم في القارة السمراء. ففي نهائيات كأس الأمم الإفريقية المقامة بالمغرب، لم يعد حضور “الأسود غير المروّضة” مجرد استعادة لأمجاد الماضي، بل محاولة واعية لإعادة تعريف موقع أحد أكثر المنتخبات تتويجًا في إفريقيا داخل مشهد كروي بات أكثر تنافسية وتعقيدًا.

التأهل إلى الدور ربع النهائي، وإن بدا للبعض تحصيل حاصل لمنتخب يحمل خمس كؤوس قارية، إلا أنه جاء هذه المرة في سياق مختلف، اتسم بصعوبات تكتيكية، وضغط جماهيري، وأسئلة عميقة حول هوية المنتخب واستمرارية مشروعه الرياضي، خاصة بعد سنوات من التذبذب وعدم الاستقرار الفني.

كرة القدم هوية وطنية

تقع الكاميرون في وسط غرب إفريقيا، وتُلقّب بـ”إفريقيا المصغّرة” لما تختزنه من تنوع لغوي وثقافي وجغرافي. ويزيد عدد سكانها عن 28 مليون نسمة، تنعكس تعدديتهم بشكل مباشر على كرة القدم، التي ظلت منذ الاستقلال أحد أهم روافد بناء الهوية الوطنية الجامعة.

في بلد عرف توترات سياسية ولغوية، خصوصًا بين المناطق الناطقة بالفرنسية والإنجليزية، ظلت كرة القدم الملاذ الجماعي الوحيد القادر على توحيد الشارع الكاميروني.

فالمنتخب الوطني ليس مجرد فريق، بل رمز سيادي، تُعلّق عليه آمال الاستقرار والاعتزاز الوطني، وتُستدعى مبارياته في لحظات الشدّة السياسية والاجتماعية.

إرث ثقيل وتاريخ لا يرحم

يصعب الحديث عن كرة القدم الإفريقية دون استحضار الكاميرون. خمسة ألقاب في كأس الأمم الإفريقية، ومشاركات مونديالية تاريخية، أبرزها ملحمة إيطاليا 1990، وأسماء خالدة مثل روجيه ميلا، وصامويل إيتو، وباتريك مبوما، ولوران إيتامايير.

لكن هذا التاريخ، بقدر ما يمنح الهيبة، يفرض ضغطًا مضاعفًا على الأجيال الحالية، التي تجد نفسها مطالبة ليس فقط بالفوز، بل بإحياء صورة “الأسود غير المروّضة” التي لا ترضخ ولا تساوم.

غير أنه في السنوات الأخيرة، واجهت الكرة الكاميرونية عدة إكراهات، أبرزها صراعات إدارية داخل اتحاد كرة القدم، وتوتر العلاقة بين بعض اللاعبين والجهاز الفني، فضلاً عن تراجع مستوى الدوري المحلي مقارنة بدوريات شمال وجنوب القارة.

ورغم امتلاك الكاميرون لخزان بشري هائل من المواهب، إلا أن غياب الاستقرار حال دون بناء مشروع متكامل طويل النفس، وهو ما انعكس على الأداء القاري للمنتخب، خاصة في نسخ الكان الأخيرة.

في الجانب التقني، لم يعد منتخب الكاميرون يعتمد على التفوق البدني وحده كما في السابق. فالتطور الذي عرفته المنتخبات الإفريقية فرض مقاربة أكثر واقعية، قائمة على التنظيم، إدارة الإيقاع، واستغلال التفاصيل الصغيرة.

في هذه النسخة، ظهر المنتخب الكاميروني بأسلوب أكثر تحفظًا، مع اعتماد واضح على الصلابة الدفاعية، والانتقال السريع عبر الأطراف، مستفيدًا من القوة البدنية والخبرة الدولية لعدد من لاعبيه المحترفين في أوروبا.

المدرب اعتمد على مقاربة براغماتية، تُقلل من المخاطر، وتراهن على الحسم في اللحظات المناسبة، حتى وإن جاء الأداء أقل إمتاعًا مما اعتاده الجمهور الكاميروني تاريخيًا.

صدام التاريخ والطموح

في مواجهة منتخب المغرب، فإن الأمر يتجاوز مباراة كرة قدم. هو صدام بين منتخب يسعى لتكريس مشروعه الحديث والطموح، ومنتخب عريق يحاول استعادة مكانته الطبيعية بين كبار القارة.

ورغم الفوارق في الاستقرار والجاهزية، تبقى الكاميرون خصمًا حادًا لا يمكن الاستخفاف به، منتخبًا يعيش على ثقافة الفوز، ويجيد اللعب تحت الضغط، ويعرف كيف يحوّل المباريات الكبرى إلى لحظات تاريخية.

ومهما كانت نتيجة المشوار في “كان” المغرب، فإن الكاميرون تقف اليوم أمام مفترق طرق حقيقي: إما الاستثمار في إعادة هيكلة الكرة محليًا، وتطوير الدوري والتكوين القاعدي، أو الاستمرار في الاعتماد على الإرث التاريخي وحده، في قارة لم تعد تعترف إلا بالمشاريع الواضحة والعمل طويل الأمد.

“الأسود غير المروّضة” ما زالت تملك الزئير، لكن زمن الهيمنة السهلة انتهى. والرهان اليوم ليس فقط على لقب جديد، بل على إعادة بناء منتخب قادر على الصمود في إفريقيا جديدة.. لا ترحم من يتأخر عن ركبها.