“الكابيتانو” الهادئ.. غانم سايس الذي ترك باعتزاله إرثا لا يمحى
في عالم كرة القدم، لا تقاس العظمة بشارة تلف حول الذراع فحسب، بل بالأثر الذي يتركه القائد في نفوس زملائه وذاكرة من عايشوه عن قرب، فصناع المجد يتركون بعد اعتزالهم ذكراهم حية، والدولي المغربي غانم سايس عندما أدرك أن جسده لم يعد يحتمل مجاراة نسق تعود عليه في عالم الساحرة المستديرة رفقة أسود الأطلس، أعلن رحيله بعمر اقترب فيه من 36 عاما، بعد أن سابق الزمن مرات عديدة بتسديداته وتحدى السنوات بمشاركاته مع المنتخب المغربي برقم بلغ 86 مباراة.
لم يكن سايس مجرد لاعب مر من تشكيلة المنتخب المغربي، بل كان تجسيدا حيا لمفهوم “القيادة الصامتة” والوفاء المطلق لمنتخب لم يعتلِ منصة التتويج منذ أكثر من 22 عاما.
وبإعلان إعتزاله دوليا، الاثنين 23 فبراير 2026، يضع “الكابيتانو” أو “كابي” كما يلقبه زملاؤه في المنتخب، نقطة النهاية لمسيرة كتبت بمداد من ذهب، تاركا خلفه إرثا دفاعيا سيظل مرجعا للأجيال القادمة، وباعتزال الرقم 6 أصبحت الأسماء الدفاعية تتقادم تباعا عن أسود الأطلس بعد اعتزال المهدي بنعطية عام 2019.
وداع مؤثر
طوى سايس صفحة من أثمن صفحات كرة القدم المغربية. في رسالة وداعية مؤثرة، لخص فيها صاحب 35 عاما حكايته مع المنتخب المغربي قائلا: “أطوي اليوم أجمل فصول حياتي كلاعب، وأعلن، بعد تفكير عميق، اعتزالي اللعب دوليا وقلبي تنتابه مشاعر جياشة. إن حمل ألوان المغرب وارتداء شارة القيادة كانا بكل تأكيد أعظم شرف في مسيرتي الكروية. لقد تجاوز هذا القميص معي إطار الرياضة، إنه حكاية جذور، وانتماء عائلة، ونبض قلب.”
وبهذا الاعتزال لن يدرج اسم غانم سايس في التشكيلة المستدعاة لتمثيل المنتخب المغربي في أكبر وأعرق بطولة كروية في العالم، مونديال عام 2026، تاركا مكانه لمن هو أحق به وقادر على تمثيل أسود الأطلس في الاستحقاقات المقبلة التي تحتاج للاعب جاهز قادر على منح الإضافة.
البدايات الكروية
بدأت رحلة قائد أسود الأطلس السابق نحو صقل موهبته الكروية في نادي أولمبيك فالانس بفرنسا خلال موسم 2010-2011 بدوري الدرجة الخامسة الفرنسي، حيث بدأ سايس بعيدا عن صخب الإعلام، منتقلا بين أصغر الأندية الفرنسية، قبل أن يوقع أول عقد احترافي له في شمال غرب فرنسا، وتحديدا مع فريق المدينة التي تقع على الضفة اليمنى لمصب نهر السين، نادي لوهافر، الذي كان ينشط آنذاك في دوري الدرجة الثانية خلال عام 2013.
هناك قضى سايس موسمين سجل خلالهما 3 أهداف من 61 مباراة خاضها مع الفريق، قبل أن يسوقه القدر نحو دوري الأضواء “الليغ 1” مع نادي أنجيه في 3 يوليوز من العام 2013، حيث بدأ اسم غانم يتشكل على قلة أحرفه، ما مهد له الطريق نحو تجربة جديدة بأمجد دوري لكرة القدم في العالم.
توهج البريميرليغ
بدأ بريق رومان سايس يظهر بشكل رائع من نادي وولفرهامبتون عندما انتقل إليه بعقد بلغ أربعة ملايين يورو لمدة أربع سنوات، بحيث بدأت الانطلاقة الحقيقية لأسد الأطلس مع النادي الإنجليزي، ولعب أول مباراة له يوم 17 شتنبر 2016 ضد نيوكاسل يونايتد. وحظي سايس آنذاك بتقدير المدرب نونو إسبيريتو سانتو، كما أنهى ناديه الموسم الأول في المركز 15، قبل أن يحققوا الصعود للدوري الإنجليزي الممتاز الموسم الموالي، بحيث قدم رومان سايس أداء رائعا وشارك في 54 مباراة مع وولفرهامبتون ذلك الموسم.
وفي موسم 2018-2019 شارك اللاعب المغربي في 19 مباراة بالدوري الإنجليزي الممتاز، بحيث استطاع تحقيق المركز السابع مع فريقه والتأهل إلى منافسات الدوري الأوروبي.
توالت السنوات التي لعبها سايس بقميص وولفرهامبتون، لكنها توقفت عند المباراة رقم 206، سجل فيها 15 هدفا مع فريق الذئاب خلال ستة مواسم قضاها في الفريق الإنجليزي، قبل أن يغادره نحو الدوري التركي من بوابة نادي بشكتاش عام 2022. هي ستة مواسم كانت كافية لتؤكد أننا أمام مدافع بمعايير ومواصفات عالمية، يجمع بين القوة البدنية والذكاء التكتيكي والهدوء، فضلا عن روح القيادة العالية.
رحلة المنتخب المغربي
حين التحق رومان غانم سايس بالمنتخب المغربي عام 2012، كان أسود الأطلس يفتقرون للاستقرار والتنافس على أعلى المستويات بقيادة رشيد الطاوسي، رغم وجود أسماء وازنة على غرار عادل تاعرابت ويونس بلهندة والراحل عبد العزيز برادة.
لكن مع قدوم الثعلب الفرنسي هيرفي رونار في 16 فبراير عام 2016، شكل سايس مع المهدي بنعطية ثنائيا دفاعيا أسطوريا أعاد الهيبة لدفاعات المنتخب المغربي بفضل تمركزهما العبقري وقراءتهما الاستباقية للعب، حيث كان سايس هو “صمام الأمان” الذي منح رفاقه الثقة نحو التقدم هجوميا.
وفي عام 2018، كان سايس أحد أبطال العودة المغربية لنهائيات كأس العالم بروسيا بعد غياب دام عشرين عاما، وهي اللحظة التي أعلنت بزوغ فجر جيل جديد لا يعرف المستحيل، جيل أصبح العالم يخشاه في عالم كرة القدم بعد عام 2022.
بعد اعتزال مهدي بنعطية عام 2019، تسلم سايس مشعل القيادة بفخر كبير فكان سند رفقاء أشرف حكيمي في أصعب اللحظات وأشدها، وهو يدرك تمام الإدراك أن القيادة لا تقاس بعلو الصوت بل بثبات المواقف وهدوء الواثقين، ليصبح الصوت المؤثر في مستودع ملابس المنتخب المغربي.
وفي عام 2022، عندما أصبح وليد الركراكي مديرا فنيا لأسود الأطلس، وجد سايس في نايف أكرد الشريك المثالي في خط الدفاع، ليشكلا معا “السد المنيع” في ملحمة قطر، مونديال الحالمين.
هناك، في الدوحة، كتب سايس ورفاقه فصلا مغربيا بأحرف من ذهب خالص. فرغم الإصابات العضلية التي كانت تنهك جسده، رفض مغادرة الميدان، متحاملا على أوجاعه ليقود المغرب إلى نصف نهائي المونديال في إنجاز غير مسبوق عربيا وإفريقيا. وأثناء صناعة المجد العالمي، كانت صور سايس تتصدر مواقع التواصل الاجتماعي وهو يقاتل رغم الألم، في صورة تلخص تجسيدا حيا لمعنى “القائد” الذي يضحي بكل شيء من أجل تشريف راية الوطن.
أما في كأس أمم إفريقيا المغرب 2025، خسر المنتخب الوطني ومعه سايس حلم لقب كأس أمم إفريقيا على أرض الوطن في 18 يناير 2025، وأخذ غانم سايس ما يفوق شهرا من أجل إعلان قرار الاعتزال، وهو الأمر الذي يفسر تردده الكبير بشأن هذا القرار.
ست وثمانون مباراة خاضها غانم سايس بقميص المنتخب المغربي لم تكن مجرد أرقام في سجلات “الفيفا”، بل كانت مسارا من التضحيات والقتال في أشد الظروف وأحلكها.
لن نرى سايس في التشكيلة الأساسية بعد اليوم، لكن “زئيره” سيظل يتردد في جنبات الملاعب المغربية بلا شك كمناصر لا كمدافع.
خديجة اسويس_ صحافية متدربة