story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
دولي |

القصة الكاملة.. لماذا يعتبر النفط مفتاح فهم العلاقات الأمريكية الفنزويلية؟

ص ص

إذا أردنا أن نفهم لماذا تعود فنزويلا، مرة بعد أخرى، إلى واجهة الاهتمام الأمريكي، مع إقدام واشنطن على توقيف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو ومحاكمته، فالبداية لا تكون من الشعارات ولا من تبدّل الإدارات، بل من عنصر واحد ظلّ ثابتا في قلب الصورة: النفط.

ليس لأن واشنطن لا تعيش إلا على البرميل الفنزويلي، ولا لأن فنزويلا أصبحت أكبر منتج في العالم، وإنما لأن فنزويلا تجمع ثلاثة عوامل تجعلها، في الحسابات الكبرى، بلدا بالغ الحساسية:

  1. ثروة نفطية هائلة ذات قيمة استراتيجية طويلة الأمد،
  2. قرب جغرافي مباشر من السوق الأمريكية بما يقلّص زمن الإمداد ويضاعف أثر أي اضطراب،
  3. ثم توتر سياسي ممتد يجعل الطاقة تنتقل سريعا من كونها تجارة إلى كونها أداة تأثير.

لهذا بدت العلاقة، زمنا طويلا، علاقة مصالح اقتصادية مباشرة: صادرات نحو سوق قريب، ومصاف وشركات وعقود واستثمارات، وروتين تجاري يُنتج في العادة نوعا من الاعتماد المتبادل.

غير أن هذا “الطبيعي” لم يكن محصنا ضد التحول؛ لأن النفط، حين يكون بهذه الضخامة وهذا القرب، لا يبقى سلعة فقط، بل يصبح جزءا من توازنات النفوذ. وما إن تبدأ السياسة الداخلية في فنزويلا أو الخيارات السيادية في إدارة القطاع في إعادة رسم شروط اللعبة، حتى يتجاوز الملف حدود السوق ليدخل مجال الضغط: عقوبات تُضيّق منافذ البيع والتحصيل، أصول تُصبح موضوع نزاع، ومسارات قضائية تتداخل مع القرار السياسي.

ومن هنا يتكرر السؤال الذي يطفو كلما اشتد التوتر أو تغيّر السياق الدولي: من يتحكم فعليا في النفط الفنزويلي؟ من يملك القدرة على تحويله إلى صادرات وعائدات داخل النظام المالي العالمي؟ ومن يملك القدرة على تعطيل هذا المسار أو إعادة تشكيله؟ هذا السؤال، أكثر من أي عنوان آخر، هو الذي يفسّر كيف تحوّلت العلاقة تدريجيا من “سوق ومصاف وشركات واتفاقات” إلى ملف مركّب تتجاور فيه التجارة مع العقوبات، والاقتصاد مع القانون، والنفط مع السياسة.

الجذور التاريخية للاهتمام الأمريكي بفلنزويلا

حين يعود الحديث إلى فنزويلا في واشنطن، كثيرا ما يُقدَّم الملف كما لو أنه وليد لحظة: أزمة سياسية انفجرت فجأة في بلد بعيد، أو اسم رئيس ظهر على الشاشات ثم تحوّل إلى عنوان يومي. غير أن تتبّع المسار الطويل يبيّن أن العلاقة أقدم بكثير من الأشخاص، وأنها مرتبطة بإطار ذهني وسياسي تشكّل منذ نهاية القرن التاسع عشر وتحوّل إلى ثابت من ثوابت المقاربة الأمريكية: النظر إلى نصف الكرة الغربي باعتباره مجالا حيويا يجب أن يبقى، في ميزان القوة والنفوذ، بعيدا عن حضور القوى المنافسة، مع اعتبار أن موارد هذا المجال—وفي مقدمتها الطاقة والطرق البحرية—ليست تفصيلا اقتصاديا، بل جزء من الأمن القومي وترتيبات السيطرة.

هذا المنظور لا يشرح فقط لماذا تتكرر فنزويلا في أجندات الإدارات المتعاقبة، بل يشرح أيضا لماذا تتخذ العلاقة أحيانا طابعا تصاعديا سريعا عندما تتقاطع السياسة مع ملفات السيادة والموارد والعقوبات. لذلك، حين أعلنت واشنطن في مطلع 2026 تنفيذ عملية في كاراكاس انتهت باعتقال الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته ونقلهما خارج فنزويلا، وترافق ذلك مع توصيف فنزويلي رسمي للحدث بوصفه عملا عدائيا، بدا المشهد أقرب إلى ذروة مسار طويل من التوترات المتراكمة، لا إلى حادث منفصل يمكن فهمه خارج سياقه التاريخي.

تبدأ القصة “الحديثة” فعليا مع نهاية القرن التاسع عشر، في لحظة صاغت فيها الولايات المتحدة لغتها تجاه القارة بوضوح شديد. وأزمة النزاع الحدودي بين فنزويلا والإمبراطورية البريطانية حول غويانا سنة 1895 تحولت إلى محطة تأسيسية في هذا المسار.

دخلت واشنطن على خط الأزمة بثقل دبلوماسي وسياسي كبير، ودفعت باتجاه التحكيم، وأعادت تثبيت مبدأ عملي مفاده أن النزاعات التي تمس المجال الأمريكي لا تُترك لمنطق التوازنات الأوروبية وحده. ومن هذه الواقعة خرجت إشارات واضحة إلى أن الولايات المتحدة لا ترى نفسها مجرد مراقب بعيد لشؤون الأمريكيتين، بل طرفا يملك حق المبادرة والتوجيه حين يتعلق الأمر بحدود النفوذ في القارة.

بعد سنوات قليلة، جاءت الحرب الأمريكية–الإسبانية سنة 1898 ومعاهدة باريس لتُظهر انتقالا إضافيا من مستوى الخطاب إلى مستوى إعادة هندسة النفوذ. لم يعد الأمر يتعلق فقط بمنع تدخل أوروبي أو ضبط نزاع حدودي، بل صار يتعلق بتوسّع فعلي في الكاريبي وما وراءه، وبروز القوة البحرية كأداة لترتيب المجال القريب وحماية طرق التجارة والتحكم في نقاط العبور.

ثم جاء ملف بنما وقناة بنما سنة 1903، ليضيف بعدا عمليا جديدا: الربط بين محيطين ليس مشروعا تقنيا فحسب، بل عقدة استراتيجية تُلخّص كيف تتداخل المصالح التجارية والعسكرية مع صناعة الوقائع السياسية على الأرض، وكيف يتحول “الجوار القريب” إلى فضاء تُدار فيه المصالح بميزان الجغرافيا والموارد والأمن.

من هذا الخط التاريخي تتشكل الخلفية التي تجعل فنزويلا، لاحقا، أكثر من بلد نفطي غني. إنها تقع في قلب مجال تُعرِّفه واشنطن منذ أكثر من قرن بوصفه فضاء لا يُفترض أن يتغير فيه ميزان النفوذ من دون كلفة، ولا أن تُترك موارده الاستراتيجية لتتحول إلى نقاط ارتكاز لقوى أخرى.

بهذه العدسة يصبح مفهوم “الملف الطارئ” أقل دقة، لأن فنزويلا في الذاكرة الاستراتيجية الأمريكية لم تكن مجرد خبر عابر، بل إحدى ساحات اختبار دائمة لفكرة أوسع تتعلق بمن يحدد قواعد النفوذ في نصف الكرة الغربي، وكيف تُدار ثرواته عندما تختلط السياسة بالموارد.

بداية العلاقة.. نفط قريب بأقل كلفة

في العقود التالية لتثبيت الولايات المتحدة لفكرة “المجال الحيوي” في نصف الكرة الغربي، ترسّخ هذا المنطق عبر موجة تدخلات متكررة في الكاريبي وأمريكا الوسطى خلال أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين.

في تلك المرحلة، تداخلت اعتبارات الأمن البحري والملاحة والتجارة مع حماية الاستثمارات، فصار المجال القريب يُدار باعتباره وحدة واحدة تتقاطع فيها السياسة مع الاقتصاد. تشكّلت، عمليا، منظومة تقوم على حضور بحري وعسكري عند الحاجة، وعلى ترتيبات سياسية تضمن حكومات حليفة أو مسارات حكم مستقرة وفق التصور الأمريكي، وعلى نفوذ شركات كبرى تجاوز نطاق التجارة ليصل إلى التأثير في البنى المالية والمؤسساتية لبعض الدول.

ومع تكرار هذه الوقائع، استقر في الوعي الإقليمي تصورٌ يرى أن العلاقة مع واشنطن كثيرا ما تُفهم ضمن معادلة تجمع بين السيادة المحلية، وحدود ما تسمح به موازين المصالح الأمريكية.

داخل هذا المناخ، ظهر النفط بوصفه العامل الأكثر حسما في تشكيل العلاقة الفنزويلية–الأمريكية خلال القرن العشرين. تحولت فنزويلا إلى بلد نفطي من الدرجة الأولى، وتحوّلت العلاقة تدريجيا إلى شبكة مصالح قائمة على القرب الجغرافي وتلاقي الاحتياجات الصناعية.

فالنقل من فنزويلا إلى الساحل الأمريكي أقصر زمنا وأقل كلفة مقارنة بمصادر بعيدة، ما يجعل تدفقات الخام أكثر ارتباطا بإيقاع السوق اليومي. وإلى جانب القرب، لعبت طبيعة جزء معتبر من الخام الفنزويلي دورا مهما في ترسيخ هذه العلاقة، إذ إن خامات ثقيلة من هذا النوع كانت تنسجم تاريخيا مع طبيعة عدد من المصافي الأمريكية، خصوصا في جنوب الولايات المتحدة ومنطقة خليج المكسيك، التي تطورت عبر عقود لاستيعاب هذا الصنف من النفط.

وبذلك لم تكن علاقة النفط مجرد تبادل يمكن استبداله فورا ببدائل أخرى دون كلفة، بل علاقة تتصل ببنية تكرير وتعاقدات وسلاسل إمداد تشكلت على المدى الطويل.

بهذه العناصر، بدت العلاقة زمنا طويلا علاقة سوق بالدرجة الأولى: فنزويلا تُصدر، والولايات المتحدة تشتري وتكرر وتستهلك، وشركات حاضرة في الدورة، واتفاقات تضمن استمرار التدفقات.

غير أن هذه العلاقة لم تبق عند حد التجارة الخارجية، بل تعمقت عندما امتلكت فنزويلا حضورا داخل العمق الأمريكي عبر أصول تكرير وتسويق. وجود أصل من هذا النوع داخل الولايات المتحدة منح كاراكاس منفذا مباشرا إلى جزء من سلسلة القيمة، وليس إلى مرحلة التصدير فقط.

في الوقت نفسه، أدخل هذا الوجود العلاقة في نطاق أكثر تعقيدا، لأن الأصول الواقعة داخل بلد آخر تخضع لقوانينه ولمساراته القضائية ولإيقاعه السياسي. ومع أي توتر سياسي، تصبح هذه الأصول جزءا من البيئة التي يمكن أن تتحرك فيها النزاعات القانونية، وتظهر فيها مطالبات الدائنين، وتتعقد فيها الأسئلة المتعلقة بالإدارة والعائدات والملكية.

ضمن هذا المسار، انتقل النفط تدريجيا من كونه سلعة قريبة ومصدر طاقة إلى كونه ملفا متعدد الأبعاد، تتجاور فيه التجارة مع السياسة، وتتقاطع فيه التدفقات مع أدوات القانون والتمويل. وبذلك صار سؤال “من يتحكم في النفط الفنزويلي” سؤالا عمليا يتصل بالإنتاج والتصدير والتحصيل وبالأصول الخارجية وبقابلية الوصول إلى الأسواق، أكثر مما هو سؤال نظري عن ملكية الموارد على الورق.

فنزويلا تدخل إلى العمق الأمريكي من بوابة المصافي

في 1976، دخلت فنزويلا مرحلة مفصلية بتأميم قطاع النفط وإعادة تنظيمه على قاعدة سيطرة الدولة، مع إنشاء الشركة الوطنية “بتروليوس دي فنزويلا” باعتبارها الفاعل المركزي في الاستكشاف والإنتاج والتسويق.

هذا التحول نقل العلاقة من صيغة امتيازات طويلة الأمد كانت تتحكم فيها الشركات الأجنبية في حلقات واسعة من القطاع، إلى صيغة تُدار فيها الثروة النفطية عبر قرار سيادي ومؤسسات وطنية، وتصبح فيها شروط الاستثمار والتعاقد والتسعير جزءا من سياسة عامة تقررها الدولة.

ومع التأميم، لم تعد العلاقة النفطية تُبنى فقط على توازنات السوق، بل أصبحت مرتبطة أيضا بكيفية تعريف فنزويلا لمصالحها الاستراتيجية، وبحدود ما تعتبره قابلا للتفاوض مع الشركاء الخارجيين.

في هذا السياق، تغيّر موقع الدولة في المعادلة. فبدل أن تكون مجرد سلطة تُصدِر تراخيص وتستفيد من عائدات الضرائب والإتاوات، صارت هي التي تدير دورة القطاع بكاملها أو الجزء الأكبر منها. وبذلك انتقل النفط من مجال تُحدده الشركات وفق اعتبارات الربحية والاستثمار، إلى مجال تُعاد صياغته وفق اعتبارات السيادة وتدبير الموارد والميزانية العامة.

وضع جعل العلاقة مع الولايات المتحدة، بحكم كونها سوقا رئيسيا وشريكا صناعيا، تتداخل فيها الحسابات الاقتصادية مع التفاوض السياسي، لأن الطرف الفنزويلي أصبح يمتلك أدوات تأثير أوسع، مثل تحديد شروط الشراكات، وحصص الإنتاج، وتوجهات التصدير.

ثم جاءت مرحلة عمّقت هذا التداخل بصورة أكثر حساسية، عندما امتلكت فنزويلا أصولا داخل السوق الأمريكية نفسها عبر “سيتغو”، وهي شركة تنشط في التكرير والتسويق وتوزيع المنتجات.

وجود أصل بهذا الحجم داخل الولايات المتحدة منح فنزويلا امتدادا مباشرا داخل سلسلة القيمة، بحيث لا تقف عند حدود تصدير الخام، بل تمتد إلى مراحل التكرير والتسويق والوصول إلى المستهلك النهائي

وفّر هذا التموقع مستوى أعلى من التعقيد في إدارة العلاقة، لأنه ربط جزءا من المصالح الفنزويلية بإطار قانوني ومؤسساتي أمريكي، وجعل الأصول خاضعة لقواعد القضاء والتنظيم والتمويل داخل الولايات المتحدة.

ومع أي توتر سياسي بين البلدين، تظهر قابلية هذا النوع من الأصول لأن يتحول إلى نقطة ضغط. فالأصل الموجود داخل دولة أخرى يصبح مرتبطا بإيقاع قراراتها وببيئتها القانونية، ويمكن أن يدخل في دوائر نزاع تتعلق بالديون والتعويضات وحجوزات محتملة ومساطر إنفاذ.

التحول الأكبر في طبيعة “النفط كسيادة” برز بصورة أوضح مع صعود هوغو تشافيز أواخر التسعينيات. في تلك المرحلة، اتخذ النفط بعدا سياسيا أكثر حضورا في الخطاب وفي السياسات العمومية، بوصفه أداة لإعادة ترتيب الأولويات الاجتماعية والمالية، وبوصفه عنوانا لسيادة القرار الوطني في مواجهة أنماط استثمار وشراكات سابقة.

بذلك بدأ النفط ينتقل تدريجيا من صورة “تجارة قريبة” إلى صورة ملف سيادي يُدار ضمن خيارات اقتصادية داخلية وتموضع خارجي، مع ما يستتبعه ذلك من إعادة تفاوض حول شروط الاستثمار، وحول توزيع العائدات، وحول موقع الدولة في إدارة القطاع.

النفط من تجارة إلى موقف سيادي

مع صعود هوغو تشافيز أواخر التسعينيات، ثم انتقال السلطة إلى نيكولاس مادورو، بدأت العلاقة بين الدولة الفنزويلية وقطاع النفط تُدار بمنطق يختلف عن الصيغ التي استقرت خلال عقود سابقة.

في هذه المرحلة، لم يعد النفط يُقدَّم فقط باعتباره سلعة تصديرية أو موردا ماليا للميزانية، بل باعتباره مجالا سياديا له وظيفة سياسية داخلية وخارجية. ظهرت هذه المقاربة في الخطاب الرسمي وفي القرارات التي استهدفت إعادة ترتيب قواعد الاستثمار والشراكة، وتعزيز موقع الدولة داخل المشاريع، وتوسيع هامش القرار الوطني في إدارة الإنتاج والتعاقد والتسويق. وبذلك انتقل النقاش حول النفط من تفاصيل تقنية وتجارية إلى نقاش حول من يضع الشروط ومن يتحكم في مفاتيح القطاع.

انعكس هذا التحول في كيفية التعامل مع الشركات. فالدولة رفعت سقف تدخلها في تحديد أدوار الفاعلين، ووسعت حضورها في حلقات من سلسلة القيمة كانت تُدار في السابق بصيغ أكثر انفتاحا على الشركات الأجنبية. كما أعادت صياغة جزء من العلاقة مع الشركاء على أساس رؤية تعتبر أن النفط ليس مجالا اقتصاديا منفصلا عن السياسة، بل جزء من مشروع حكم وسياسات اجتماعية، ما جعل عائداته ترتبط ببرامج داخلية وباختيارات مالية واجتماعية معلنة.

وفي الوقت نفسه، بدأ النفط يدخل بقوة إلى التموقع الخارجي لفنزويلا، سواء عبر إعادة ترتيب علاقاتها مع شركاء دوليين، أو عبر استعمال موارد الطاقة كرافعة في بناء شراكات وتحالفات تتجاوز المنطق التجاري الصرف.

في المقابل، أعادت واشنطن قراءة هذا المسار من زاويتين متداخلتين. الزاوية الأولى اقتصادية، تتعلق بتغيّر شروط العمل والاستثمار للشركات وباستقرار تدفقات النفط نحو السوق القريب. والزاوية الثانية سياسية، تتعلق بتحول بلد نفطي قريب من المجال الأمريكي إلى نموذج حكم وتموضع خارجي لا ينسجم مع التصورات الأمريكية التقليدية في إدارة التوازنات داخل القارة.

مع تكرار التوترات، لم يعد الأمر يُختزل في اختلاف سياسات طاقية أو تباين في مقاربات التنمية، بل دخل في نطاق خصومة سياسية ممتدة، تغذيها ملفات داخلية فنزويلية مرتبطة بإدارة الأزمة الاقتصادية والاجتماعية، وبالصراع السياسي حول المؤسسات، وبتمدد الاستقطاب داخل المجتمع، وبموجات من الاحتجاج والتوتر.

ومع مرور الوقت، ازدادت عناصر التعقيد في العلاقة بسبب بروز نزاع حول الشرعية السياسية وتعدد مراكز الاعتراف الدولي، وتحوّل الملف الفنزويلي إلى موضوع دائم في النقاشات الإقليمية والدولية.

وضع وسّع دائرة الأطراف المتداخلة في الأزمة، وجعل النفط أكثر التصاقا بالصراع، لأنه يمثل المورد الرئيسي الذي يحدد قدرة الدولة على الاستمرار في التمويل والاستيراد والخدمات، كما يحدد في المقابل قدرة الأطراف الخارجية على ممارسة الضغط أو فتح هوامش تخفيف محدودة وفق شروط.

في قلب هذه التحولات، تغيّرت وظيفة النفط داخل العلاقة. فبدل أن يكون موردا يذهب إلى السوق في مسارات شبه مستقرة، أصبح جزءا من أدوات إدارة الصراع. وفي لحظات التوتر، يُستدعى النفط بوصفه محورا للعقوبات أو للتراخيص أو لإعادة توجيه الصادرات، ويُستعمل في الخطابات الرسمية باعتباره معيارا للسيادة والاستقلال الاقتصادي.

في الوقت نفسه، تحول النفط إلى مجال ضغط متبادل لأن التحكم في مساراته لا يتوقف عند الإنتاج داخل فنزويلا، بل يمتد إلى التأمين والشحن والتمويل والتحصيل والوصول إلى الأسواق، وهي حلقات تتيح لكل طرف أن يؤثر في حركة القطاع وفق ما يملكه من أدوات سياسية وقانونية ومالية.

بهذه الكيفية، لم يعد النفط مجرد تجارة قريبة، بل صار ملفا سياديا متعدّد المستويات، تتداخل فيه قرارات الدولة مع توازنات السوق ومع صراع النفوذ.

مرحلة العقوبات

ابتداء من أواخر العقد الماضي، دخلت العلاقة بين واشنطن وكاراكاس مرحلة اتسمت بتوسّع العقوبات وتحوّلها من إجراءات محدودة إلى منظومة ضغط متعددة المستويات.

في البداية، اتخذت العقوبات طابعا موجها نحو أفراد أو كيانات بعينها، ثم اتسعت لتشمل قطاعات ومؤسسات محورية، قبل أن تمس تدريجيا مفاصل الاقتصاد الأكثر ارتباطا ببقاء الدولة: المال والطاقة.

وبالنظر إلى أن النفط يمثل المورد الرئيس للعملة الصعبة ولتمويل الواردات والالتزامات الخارجية، فإن إدخال قطاع الطاقة في نطاق العقوبات نقل الأزمة من مستوى سياسي إلى مستوى يمس القدرة التشغيلية للاقتصاد ومؤسسات الدولة.

في هذا السياق، لم تعد العقوبات مجرد رسالة سياسية، بل صارت تؤثر في سلسلة النفط بكاملها، من لحظة التعاقد إلى لحظة التحصيل. فمن جهة، أدت القيود إلى تضييق القنوات التي يمكن عبرها بيع النفط بصورة مباشرة، وإلى ارتفاع كلفة التعامل مع الخام الفنزويلي بسبب المخاطر القانونية والمالية التي تتحملها الشركات والوسطاء وناقلو الشحن.

ومن جهة أخرى، تعقدت عمليات الدفع والتحويل، لأن القيود على النظام المالي والتعاملات بالدولار والضوابط المصرفية رفعت من صعوبة تحصيل العائدات أو إعادة تدويرها بصورة سلسة، وهو ما انعكس على تدفقات السيولة وعلى قدرة القطاع على تمويل الصيانة والاستثمار وشراء المعدات والخدمات.

مع توسع هذه القيود، ظهرت آثار تشغيلية على مستوى الإنتاج والتصدير. فكلما تزايدت العوائق أمام البيع والتحصيل، انخفضت القدرة على المحافظة على مستوى استقرار الإنتاج، لأن قطاع النفط يعتمد على استثمارات مستمرة وصيانة وتدفق للقطع والخدمات.

في الوقت نفسه، تغيرت جغرافيا التصدير، إذ انتقل جزء من الصادرات إلى أسواق أبعد وبترتيبات أكثر تعقيدا، سواء عبر وسطاء أو عبر أشكال مقايضة أو خصومات سعرية، وهو ما ترتب عنه في كثير من الحالات انخفاض فعلي في صافي العائد مقارنة ببيع مباشر ضمن قنوات تجارية أقل مخاطرة.

وفي المستوى التجاري، أنتجت العقوبات بيئة تجعل التفاوض على العقود محكوما بتوازنات جديدة. فالطرف المشتري أو الوسيط يضع في الحسبان كلفة المخاطرة وارتفاع التأمين واحتمال التعطيل، ما ينعكس على شروط التعاقد وعلى الأسعار وعلى آجال الدفع.

بذلك، لم يعد النفط يُباع ضمن منطق سوق طبيعي يقوم على منافسة بين مشترين متعددين، بل صار جزءا من المبيعات يتم ضمن مجال محدود من الخيارات، ما يضعف القدرة التفاوضية ويرفع تكلفة كل عملية.

ضمن هذا المناخ، تعقّد ملف “سيتغو” بصورة حادة، لأن الأصول الفنزويلية الموجودة داخل الولايات المتحدة أصبحت واقعة في تقاطع حساس بين العقوبات والنزاعات القضائية. فالوجود داخل نطاق الولاية الأمريكية يجعل الأصل قابلا للتأثر بمسارات التقاضي وإنفاذ الأحكام، خصوصا مع تراكم مطالبات دائنين وأحكام تعويض مرتبطة بنزاعات استثمارية وتجارية، إضافة إلى ملفات ديون سيادية وشبه سيادية.

في هذه البيئة، يتحول الأصل إلى موضوع تنازع حول من يملك حق الإدارة ومن يملك حق العائدات، ومن يستطيع استعمال المساطر القانونية لتجميده أو الحجز عليه أو الدفع نحو بيعه، مع ما يرافق ذلك من إجراءات طويلة ومعقدة.

تحوّل “سيتغو” من امتداد اقتصادي يمنح فنزويلا موقعا داخل سلسلة القيمة الأمريكية إلى عقدة مفتوحة داخل الصراع، لأن الأصول لم تعد تُقرأ فقط باعتبارها نشاطا تجاريا، بل باعتبارها هدفا قابلا للاستعمال ضمن منظومة الضغط أو ضمن تسوية المطالبات.

ومع تواصل التوتر، صار ملف الأصول والأحكام والديون جزءا من بنية العلاقة نفسها، بحيث لم يعد ممكنا فصل ما هو نفطي عما هو قانوني ومالي، ولا فصل ما هو اقتصادي عما هو سياسي في إدارة هذا المسار.

لماذا ظلّت فنزويلا مهمة نفطيا لواشنطن؟

قد يبدو السؤال مباشرا: إذا كانت الولايات المتحدة قد رفعت إنتاجها من النفط خلال العقدين الأخيرين وأصبحت من كبار المنتجين عالميا، فلماذا تظل فنزويلا حاضرة باستمرار في الحسابات الأمريكية، ولماذا يُتعامل معها كملف حساس يتجاوز حدود التجارة؟

الجواب يرتبط بثلاثة مستويات متداخلة تُفسّر استمرار الوزن النفطي لفنزويلا في الرؤية الأمريكية، حتى مع تغيّر خريطة الإنتاج العالمي.

  • المستوى الأول صناعي يتعلق بتركيبة السوق داخل الولايات المتحدة، وبالطريقة التي تشكلت بها البنية التكريرية عبر عقود. فإنتاج النفط لا يعني تلقائيا أن كل نوع من الخام يصلح لكل مصفاة بالسهولة نفسها. جزء من المصافي الأمريكية، خصوصا في مناطق ساحلية مرتبطة تاريخيا باستيراد الخام، بُنيت وجرى تطويرها لتتعامل بكفاءة مع خامات ثقيلة أو متوسطة تماثل في خصائصها الخام الفنزويلي.
  • المستوى الثاني جغرافي وزمني يتعلق بسرعة الإمداد وحساسية السوق في لحظات الاضطراب. القرب الجغرافي يمنح نفط فنزويلا ميزة تتجاوز كلفة الشحن، لأن الإمدادات الأقرب تقل فيها احتمالات الانقطاع الناتج عن تعقيدات المسارات البحرية الطويلة، وتكون أكثر قابلية للتدارك عند الأزمات.
  • المستوى الثالث سياسي–استراتيجي يتعلق بوظيفة الطاقة في منظومة النفوذ. واشنطن لا تتعامل مع النفط بوصفه سلعة محايدة فقط، بل بوصفه مجالا يؤثر في التوازنات الإقليمية وفي شبكة العلاقات الدولية. وجود بلد نفطي كبير قريب من المجال الأمريكي يجعل مسألة تموضعه الخارجي ذات أثر مباشر في حسابات النفوذ داخل القارة.

بالتالي لم يعد استمرار أهمية فنزويلا نفطيا لواشنطن يتأسس على فكرة “الحاجة المباشرة” وحدها، بل على اجتماع بنية صناعية تشكلت تاريخيا، وجغرافيا تجعل الإمداد القريب ذا أثر سريع في السوق، ثم بُعد نفوذي يجعل الطاقة جزءا من حسابات التموقع داخل نصف الكرة الغربي.

هذه المستويات الثلاثة تفسّر لماذا يبقى الملف الفنزويلي حاضرا في السياسات الأمريكية حتى عندما تتغير أرقام الإنتاج، ولماذا يظل النفط، في الخلفية، عاملا يربط الاقتصاد بالسياسة في كل مرحلة من مراحل العلاقة.

السياسة تفتح نافذة ثم تعيد إغلاقها

في مراحل متقطعة من مسار العلاقة، لا تسير السياسة الأمريكية دائما في خط واحد من التشديد المستمر، بل تظهر لحظات تُدار فيها الضغوط بمنطق أكثر براغماتية. يتجسد ذلك في إصدار تراخيص محددة المدى، أو منح استثناءات محكومة بشروط، أو فتح هوامش حركة تسمح بعودة جزئية لبعض الأنشطة المرتبطة بقطاع النفط أو بالتعاملات التجارية والمالية.

هذه التحولات لا تعني تغييرا جذريا في اتجاه السياسة، بل تعكس طريقة لإدارة الملف عبر مستويات من التحكم، بحيث لا تبقى العقوبات في وضع “إغلاق كامل” دائم، ولا تتحول في المقابل إلى “رفع شامل” يفقدها وظيفتها كأداة ضغط.

عادة ما ترتبط هذه المرونة المؤقتة بسياقين رئيسيين يتكرران في التجربة الأمريكية مع الملف الفنزويلي:

  • السياق الأول مرتبط بالتطورات الداخلية في فنزويلا: مسارات سياسية وانتخابية، أو ترتيبات تفاوضية، أو إجراءات تُقدَّم باعتبارها مؤشرات على تغيير في السلوك السياسي أو في شروط إدارة الأزمة.  في مثل هذه الحالات، يمكن أن يُترجم التقييم الأمريكي لهذه التطورات إلى تخفيف محدود يُستعمل كإشارة أو كحافز أو كأداة اختبار، ثم يُعاد التشديد إذا اعتُبر أن الشروط لم تتحقق أو أن المسار لم يتقدم بالقدر المطلوب.
  • السياق الثاني مرتبط بسوق الطاقة والظرف الدولي. عندما تشهد الأسواق اضطرابات في الأسعار أو في الإمدادات، أو عندما تتغير موازين العرض والطلب بسبب أزمات إقليمية أو اختلالات في الإنتاج العالمي، تظهر الحاجة إلى مرونة إضافية في إدارة الموارد المتاحة. في هذه اللحظات، قد تُفتح نافذة محدودة تسمح بإعادة إدخال جزء من النفط الفنزويلي إلى مسارات السوق ضمن ضوابط دقيقة، ليس باعتباره عودة إلى شراكة مستقرة، بل باعتباره ترتيبا مؤقتا يخفف ضغطا ظرفيا أو يوسّع هامش المناورة.

غير أن هذا التخفيف يبقى، في بنيته، جزءا من إدارة أزمة وليس عودة إلى نموذج العلاقة الذي ساد قبل مرحلة العقوبات الواسعة. لأن جوهر المقاربة يظل قائما على إبقاء التحكم السياسي في “صمام القطاع”: السماح بحركة جزئية تحت رقابة قانونية وتنظيمية واضحة، مع الاحتفاظ بإمكانية التراجع السريع. وبهذا المعنى، تعمل التراخيص والاستثناءات كأدوات ضبط إيقاع أكثر منها كإعلان تطبيع أو كاستعادة لمسار تجاري منفصل عن السياسة.

ينتج عن هذا الأسلوب وضعا متقلبا بالنسبة للفاعلين الاقتصاديين. فالشركات والوسطاء يشتغلون ضمن هامش محدود ومؤقت، يرتبط بمدة الترخيص وبحدود النشاط المسموح به، وبإمكانية تغييره أو سحبه إذا تبدلت التقديرات السياسية. وهو ما يجعل أي عودة إلى النشاط محكومة بدرجة عالية من الحذر، لأن البيئة لا تقدم ضمانا طويلا للاستقرار، بل تقدم نافذة حركة قابلة للإغلاق في أي لحظة.

بهذه الطريقة، يتحول التخفيف الجزئي إلى جزء من سياسة “التحكم المتدرج”: فتح محسوب حين تقتضي الحاجة أو حين يُراد اختبار مسار، ثم إغلاق أو تشديد حين يُراد رفع منسوب الضغط أو إعادة ضبط التوازن. وفي كلتا الحالتين يبقى النفط، مرة أخرى، في قلب المعادلة، لا بوصفه سلعة تُدار بمعزل عن السياسة، بل بوصفه مجالا تتحكم فيه السياسة في درجة انفتاحه ودرجة إغلاقه وفق مقتضيات المرحلة.

النفط هو العصب

يتضح من تتبع المسار أن علاقة الولايات المتحدة بنفط فنزويلا لا يمكن اختزالها في تفسير واحد. فهي ليست مجرد قصة “حاجة للطاقة” بالمعنى المباشر، كما أنها ليست مجرد قصة “مبادئ” أو مواقف سياسية منفصلة عن المصالح؛ إنما هي علاقة تتكوّن من طبقات متداخلة: مصالح اقتصادية تتصل بتدفقات الخام وبسلاسل التكرير والتسويق، وحسابات سوق ترتبط بالأسعار والاستقرار والمرونة في زمن الأزمات، وتوازنات نفوذ تُعامل الطاقة فيها باعتبارها موردا استراتيجيا داخل مجال جغرافي قريب وحساس.

ضمن هذه الطبقات يظهر أيضا بُعد قانوني ومالي متزايد، لأن العقوبات والنزاعات القضائية والأصول الخارجية والديون تتحول، عند كل منعطف، إلى جزء من أدوات إدارة العلاقة لا إلى ملفات جانبية. وكلما ارتفع التوتر السياسي بين البلدين، تقلصت مساحة النفط بوصفه سلعة تُدار بقواعد السوق وحدها، واتسعت مساحة النفط بوصفه أداة تُعاد عبرها صياغة الضغط والتفاوض.

في هذا السياق، يصبح بيع النفط مرتبطا بالقدرة على التحصيل، والتحصيل مرتبطا بالقنوات المالية، والقنوات المالية مرتبطة بالإطار القانوني والعقوبات والتراخيص. وبذلك تتحول حركة البرميل من معادلة تجارية إلى معادلة مركبة تتداخل فيها السياسة مع الاقتصاد ومع القانون في الوقت نفسه.

ويزداد هذا التداخل تعقيدا حين تتصل الأزمة بأصول موجودة خارج فنزويلا، لأن وجود أصول في نطاق ولاية دولة أخرى يجعل العلاقة قابلة للاهتزاز بفعل مسارات التقاضي والتنفيذ والحجز، ويجعل النفط مرتبطا ليس فقط بالإنتاج بل أيضا بملكية الأصول والعائدات وإدارتها.

مع ذلك، تبقى فنزويلا حاضرة في معادلات الطاقة والنفوذ لأسباب تتصل بطبيعة الثروة نفسها وبموقعها. فالبلدان التي تمتلك موارد طاقية ضخمة وقريبة من أكبر أسواق الاستهلاك لا تختفي بسهولة من حسابات القوى الكبرى، حتى عندما تتراجع قدرتها الإنتاجية أو تتعقد أوضاعها الداخلية. حجم المورد وحده يجعلها قابلة للاستدعاء في كل مرة يتغير فيها توازن السوق أو تتبدل أولويات النفوذ، ويجعل التعامل معها يتحول بين فترات تشديد وفترات تخفيف وفق مقتضيات المرحلة.

في النهاية، لا يبقى السؤال معلقا حول أهمية النفط من حيث المبدأ، لأن أهميته ثابتة في بنية العلاقة. السؤال الذي يظل مفتوحا يتعلق بكيفية إدارة هذا المورد داخل شبكة من المصالح والقيود: من يمتلك القدرة على تحويل الثروة إلى تدفقات مستقرة وعائدات قابلة للتحصيل؟ من يتحكم في القنوات التي تمر منها الصادرات والتحويلات والأصول؟ وكيف ستُعاد صياغة التوازن بين السوق والسيادة والضغط السياسي في الفصل المقبل من العلاقة؟