العالم على صفيح ساخن.. غرينلاند وإيران في واجهة التهديدات الأمريكية
بعد الهجوم الأمريكي على فنزويلا واعتقال رئيسها، بدأت تهديدات واشنطن تتجه نحو باقي جيرانها في أمريكا اللاتينية. غير أن الأنظار، وخلال ظرف أسبوع فقط، تحوّلت بعيداً نحو شمال الكرة الأرضية، حيث تتموقع غرينلاند، الجزيرة الكبرى التي باتت تترقب سيناريو غزو أمريكي محتمل.
وفي ظل تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، التي عبّر فيها عن عزمه الحصول على الجزيرة التابعة لمملكة الدنمارك، تتواصل في الوقت نفسه التهديدات المتبادلة بين واشنطن وطهران، التي تشهد احتجاجات داخلية متواصلة منذ أكثر من 13 يوماً.
من تهديدات محتملة بغزو غرينلاند، إلى حديث متصاعد عن ضربة أمريكية وشيكة لإيران، وردّ طهران بالتلويح بتوسيع دائرة الرد لتشمل القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة، إضافة إلى تل أبيب، يبدو العالم أمام مشهد متعدد الجبهات قد يكون من بين الأكثر توتراً منذ عقود.
غزو غرينلاند
في خطوة أثارت دهشة واسعة داخل الأوساط الأمنية والدبلوماسية، أفادت تقارير إعلامية بأن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أصدر أوامر بإعداد خطة لغزو جزيرة غرينلاند، التي تتمتع بحكم ذاتي تحت السيادة الدنماركية، في إطار ما وصف بـ”اعتبارات أمنية واستراتيجية” تتعلق بالدفاع الأمريكي.
وتشير المصادر ذاتها إلى أن الخطة وُصفت داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية بأنها “مجنونة وغير قانونية”، ولا تحظى بأي غطاء سياسي واضح، وسط قلق كبار القادة العسكريين من تداعياتها المحتملة على علاقات واشنطن مع حلفائها الأوروبيين، وفي مقدمتهم الدنمارك.
ومن جانبهم، عبّر زعماء الأحزاب السياسية في غرينلاند عن رفضهم القاطع لأي تدخل خارجي يهدف إلى تحديد مستقبل الإقليم خارج إرادة سكانه، مؤكدين أن مصير الجزيرة شأن داخلي لا يُحسم بالقوة.
ورغم تأكيد سلطات غرينلاند عدم وجود سبب مباشر للذعر، يواصل ترامب تصريحاته التي يؤكد فيها أن الولايات المتحدة “بحاجة إلى غرينلاند لأسباب دفاعية”، في سياق أوسع يعكس أولوية استعادة الهيمنة الأمريكية في نصف الكرة الغربي، وفق الاستراتيجية الأمنية الأمريكية المحدثة.
وينظر ترامب إلى غرينلاند باعتبارها ذات أهمية استراتيجية كبرى في منظومة الدفاع الأمريكية، نظراً لموقعها الجغرافي وثرواتها من المعادن النادرة، رغم أنها تتمتع بحكم ذاتي واسع داخل المملكة الدنماركية، إلى جانب تنامي التأييد الشعبي للاستقلال.
ويأتي هذا التصعيد الخطابي في وقت يسعى فيه الرئيس الأمريكي إلى تعزيز موقع الولايات المتحدة على الساحة العالمية، في إطار ما يعتبره “إعادة رسم أولويات الأمن القومي الأمريكي بعد أحداث 2025”.
وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولين ليفيت، إن الرئيس دونالد ترامب وفريقه المعني بالأمن القومي “يبحثون بجدية إمكانية شراء الولايات المتحدة لغرينلاند من الدنمارك”، مشيرة إلى أن “جميع الخيارات مطروحة دائماً على الطاولة، وخيار الرئيس الأول هو الدبلوماسية”، دون أن تستبعد “احتمال اللجوء إلى العمل العسكري”.
وفي الضفة الأوروبية، بدأت بريطانيا، بالتنسيق مع حلفائها الأوروبيين، دراسة إمكانية نشر قوات في جزيرة غرينلاند، في خطوة لا تزال قيد البحث، وقد تشمل تنظيم تدريبات عسكرية، وتبادل معلومات استخباراتية، وتعزيز القدرات الدفاعية في المنطقة القطبية.
ويهدف هذا التوجه الأوروبي إلى تعزيز الحضور الغربي في القطب الشمالي، ومحاولة إقناع واشنطن بالتراجع عن فكرة ضم الجزيرة، عبر إظهار أن أوروبا مستعدة لتحمّل قسط أكبر من أعباء الأمن الأطلسي.
غير أن خبراء يحذرون من أن القدرات العسكرية الأوروبية، ولا سيما البريطانية، قد لا تكون كافية لمجاراة هذه الطموحات، ما يطرح تساؤلات جدية حول صدقية الردع الغربي ووحدة حلف شمال الأطلسي.
ويُذكر أن غرينلاند إقليم يتمتع بحكم ذاتي تابع لمملكة الدنمارك، وأن واشنطن وكوبنهاغن وقّعتا عام 1951، إلى جانب التزامات الناتو، معاهدة دفاع خاصة بالجزيرة، التزمت بموجبها الولايات المتحدة بالدفاع عنها في حال تعرضها لأي عدوان خارجي.
تهديدات بين واشنطن وإيران
على جبهة أخرى، تتصاعد التوترات بين واشنطن وطهران، وسط حديث متزايد عن احتمال توجيه ضربة أمريكية لإيران. وتشير تصريحات صادرة عن مسؤولين أمريكيين إلى استعدادات محتملة لاستهداف مواقع إيرانية، في حال تفاقم الأوضاع، خصوصاً مع استمرار الاحتجاجات الداخلية التي تحولت إلى أزمة مزدوجة تمس أمن النظام وسياساته الخارجية.
وقال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في تدوينة نشرها السبت على منصته “تروث سوشيال”، إن “إيران تتطلع إلى الحرية ربما بشكل غير مسبوق، والولايات المتحدة تقف مستعدة للمساعدة”.
من جهتها، أعلنت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين أن أوروبا “تدعم الاحتجاجات الشعبية في إيران”، معربة عن إدانتها “لقمع المتظاهرين”.
في المقابل، اتهم الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان واشنطن بأنها “تعمل على التحريض داخل إيران وإثارة الفوضى”، مؤكداً أن “الشعب يدعم بلاده، وأن النظام أقوى من أي وقت مضى”.
وبلهجة أكثر صراحة، توعّد رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف باستهداف إسرائيل والقواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة في حال شنّت الولايات المتحدة ضربة على إيران، معتبراً هذه المواقع “أهدافاً شرعية”.
وفي السياق نفسه، نقلت صحيفة “وول ستريت جورنال” عن مسؤولين أمريكيين أن إدارة ترامب ناقشت سيناريوهات تنفيذ هجوم محتمل على إيران، شملت تحديد الأهداف الممكنة، دون التوصل إلى إجماع نهائي أو تحريك قوات ومعدات عسكرية حتى الآن.
وأكدت إيران في بيانات رسمية أن أي تدخل أمريكي “سيُقابل برد قوي”، وأن الرد “لن يقتصر على حدودها الجغرافية، بل سيشمل أهدافاً أمريكية وإسرائيلية”.
وتتواصل الاحتجاجات في إيران لليوم الرابع عشر على التوالي، بعدما اندلعت في 28 دجنبر الماضي إثر إضراب نفّذه تجار في بازار طهران، احتجاجاً على الانهيار الحاد للعملة الوطنية وارتفاع الأسعار وتدهور القدرة الشرائية، في ظل العقوبات الأمريكية والدولية، وتداعيات الحرب التي استمرت 12 يوماً مع إسرائيل في يونيو الماضي.
وسرعان ما تحولت المطالب من اقتصادية إلى سياسية، مع رفع شعارات مناوئة للنظام ومطالِبة بالحرية، واتساع رقعة الاحتجاجات جغرافياً، وصولاً إلى قلب العاصمة طهران، في تطور غير مسبوق.