الشباب المغربي بين المحافظة القيمية والاحتجاج الصامت
هل نحن نحاكم جيلاً أم نحاكم ‘جهلنا’ به؟ حين ننتقل من السؤال إلى الفعل، ومن الانطباع إلى الرقم، نكتشف أن الشباب الذي نظنه ضائعاً هو أكثرنا تمسكاً ببوصلة الأسرة. إليكم الحقيقة كما هي، لا كما نتوهمها.
جيل يبعث برسالة سياسية صامتة وقوية في آن واحد، فحين يعلن 90% منهم عدم ثقتهم في الأحزاب السياسية ويقرر 78% مقاطعة الانتخابات، فهم لا يعلنون العداء للوطن، بل يعلنون حاجتهم لمساحات ثقة تشبههم وتحترم ذكاءهم.
في تدوينتي السابقة ضمن “بوح كهل”، كتبتُ عبارةً ما زالت ترن في أذني وأنا أخط هذه السطور: “لا تكثر السؤال يا صديقي، كن جزءاً من الجواب”. كانت تلك الكلمات وليدة تجربة شخصية، لكنني اليوم أجدني أمدّ جسراً بينها وبين واقع جيلٍ كامل، مستنداً إلى لغةٍ لا تعرف المجاملة ولا العاطفة المفرطة؛ لغة الأرقام.
بين يدي تفاصيل دراسة علمية رصينة نشرتها جريدة leconomistemaroc@ في فبراير 2026 حول الشباب المغربي، وهي دراسة تجبرنا على التوقف عن إطلاق الأحكام من أبراجنا العاجية. فبدلاً من أن نسأل بمرارة “ماذا جرى لشبابنا؟” ونغرق في تدوينات الندب التي توحي بضياع البوصلة، تضعنا هذه الحقائق في “قلب الفعل” المعرفي، لتخبرنا أننا أمام جيل “مرتبط رقمياً” لكنه “محافظ قيمياً” بامتياز.
إننا ننعت هذا الجيل أحياناً بالانفصال عن الواقع، لكن كيف يستقيم هذا الوصف حين تخبرنا الدراسة أن 71% من هؤلاء الشباب يضعون “الأسرة” كسند وحيد وأول في الشدائد؟ وكيف نتحدث عن “تفسخ” قيمي والواقع الرقمي يؤكد أن 59% منهم لا يجرؤون على اتخاذ قراراتهم المصيرية، سواء في التعليم أو المهنة، دون استشارة الوالدين ونيل رضاهما؟
إننا هنا أمام “برّ بالوالدين” يُعاد إنتاجه في قالب عصري، يؤكد أن الهوية المغربية ليست مجرد “فيديو تيك توك” عابر، بل هي عمق يتجلى في تمسك 77% منهم بنظام الإرث، وتشبث 66% بالقيم الدينية كشرط أساسي في مؤسسة الزواج.
وهنا، يا صديقي، ينبثق سؤال “التربية بالقدوة”. هذا المعطى الرقمي يضعنا نحن “الكبار” أمام المرآة؛ فإذا كان الشاب المغربي، رغم انفتاحه الكوني، يضع “رضا الوالدين” معياراً لبوصلته، فنحن “الجواب” الذي يبحث عنه. إن المسؤولية اليوم لا تكمن في وعظهم للابتعاد عن المؤثرين في العالم الافتراضي، بل في أن نكون نحن القدوة الحية التي تستحق المتابعة في عالمهم الواقعي المعقد. فالشاب يراقبنا قبل أن يسمعنا، ويبحث فينا عن الوضوح والاستقامة قبل أن يبحث عنهما في شاشات الهاتف.
هذا الجيل يواجه مفارقات وجودية تستحق الفهم لا المحاكمة؛ فهو يبحث عن توازنه بين عالم “الإنستغرام” والتسوق الرقمي، وبين واقع يومي نجد فيه أن 64% منهم لا يملكون حتى حساباً بنكياً ويتعاملون بـ “الكاش”. وهو جيل يبعث برسالة سياسية صامتة لكنها مزلزلة؛ فحين يعلن 90% منهم عدم ثقتهم في الأحزاب السياسية، ويقرر 78% مقاطعة الانتخابات، فهم لا يعلنون العداء للوطن، بل يعلنون بوضوح حاجتهم لمساحات ثقة تشبههم، ولنماذج سياسية تحترم ذكاءهم وتكون “قدوة” في الممارسة قبل الخطاب.
لذا، دعونا نكف عن تغذية تلك “السردية القاتمة” التي لا ترى في الشباب إلا مظاهر التمرّد، ولنتمسك بالحقائق التي تمنحنا الأمل. الشباب المغربي اليوم ليس لغزاً يحتاج إلى حل، بل هو “واقع حي” يطوع الأدوات الحديثة ليحمي روحه الأصيلة.
يا صديقي، كن واعيًا يقرأ الجوهر، ولا تكن مجرد متفرج يحاكم جيلاً وهو يجهل ملامحه الحقيقية. كن جزءاً من “الجواب” عبر فهمهم أولاً، وعبر تقديم القدوة التي تشبه أحلامهم ثانياً.
*شكيب بنعياد