story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
الصوت الواضح |

السارجان في منتخب الملك

ص ص

كنت وعلى غرار باقي المتابعين الموسميين لكرة القدم، من بين الذين اكتشفوا اسم عيسى ديوب قبل بضعة أشهر، حين التحق بصفوف المنتخب الوطني لكرة القدم، وشارك في بعض المباريات الودية الأخيرة التي جرت لتحضير فريق الأسود لنهائيات كأس العالم التي تجري حاليا في كندا والمكسيك والولايات المتحدة الأمريكية.

وكغيري من هذه الطينة من الجمهور، لم أعرف عن “السارجان” سوى تمريراته الخاطئة والمرتبكة، وسخرية منصات التواصل الاجتماعية من مدافع “يلعب ضدنا” بدل أن يكون معنا. لنكتشف جميعا بعد رأسيته الأنطولوجية ضد هولندا في الوقت بدل الضائع، أن عيسى ديوب ليس مجرد مدافع طويل القامة دخل منطقة هولندا في الوقت بدل الضائع، وقفز فوق الأجساد، ثم أعاد المغرب إلى الحياة.

عيسى ديوب، في هذه الحكاية المغربية الجديدة، أكبر من هدف، وأعمق من رأسية جميلة، وأوسع من لقب ظريف أطلقه عليه بعض المغاربة، وهم ينادونه “السارجان”، كما لو أنهم رأوا فيه ذلك العسكري الهادئ، والطويل، والصارم، الذي لا يكثر الكلام، ولا يلوّح بيديه، ولا يبيع العواطف، لكنه يظهر في اللحظة التي يوشك فيها الخط الخلفي على الانهيار، أو يوشك فيها الحلم على مغادرة الملعب.

لقد جاء ديوب إلى المنتخب المغربي من طريق تختلف كثيرا عن طرق الآخرين. زياش وحكيمي ومزراوي وبونو ودياز وبوعدي وصيباري والعيناوي، كل واحد منهم يحمل حكاية من حكايات المغرب في العالم؛ حكاية الهجرة، والتكوين الأوروبي، والبيت المغربي البعيد، والأب والأم اللذين خرجا من هنا أو حملا هنا في القلب.

أما ديوب، ففيه طبقة أخرى من هذه الحكاية. هو ابن أم مغربية وأب سنغالي، وُلد في فرنسا، وتكوّن في فرنسا، ولعب لفرنسا في الفئات الصغرى، وكان مفتوحا، نظريا ووجدانيا وقانونيا، على أكثر من هوية وأكثر من طريق.

هكذا يصبح عيسى ديوب مرآة للمغرب كما صار يتشكل في عهد محمد السادس. بلد يعرف أن أبناءه قد يولدون في تولوز ومدريد وبروكسيل وأمستردام وباريس، وأن أسماءهم قد تحمل نبرات عربية وأمازيغية وفرنسية وإسبانية وهولندية وإفريقية، ومع ذلك يستطيعون، في لحظة ما، أن يلتقوا جميعا عند قميص واحد، ونشيد واحد، وراية واحدة.

لم تكن المسألة رياضية فقط في حالة عيسى ديوب. طبعا، المنتخب كان يحتاج إلى مدافع أوسط طويل، قوي، ومتمرّس على الدوري الإنجليزي، وقادر على كسب الالتحامات، وحضور الكرات الثابتة، وإضافة وزن بدني في مباريات لا تحسمها المهارة وحدها.

لكن وراء هذا الاحتياج الفني يوجد مسار سياسي وقانوني ورمزي طويل. لو ظل قانون الجنسية المغربية كما كان قبل عشرين عاما، لما كان ابن المغربية من أب أجنبي في الوضع نفسه.

في 2005، أعلن الملك محمد السادس في خطاب العرش قراره تمكين أبناء المغربيات من الجنسية المغربية. وتحولت المبادرة إلى تعديل قانوني سنة 2007، جعل الفصل السادس من قانون الجنسية يقول بوضوح إن المغربي هو الولد المولود من أب مغربي أو أم مغربية.

اليوم ومع هدف ديوب ضد هولندا، ندرك أنه لم يكن تعديلا تقنيا في نص قانوني. بل كان تعديلا في فلسفة الانتماء. وكان إقرارا بأن الأم ليست نصف وطن، ولا جسرا عاطفيا بلا أثر قانوني، ولا ذاكرة عائلية معطلة عند حدود الإدارة. الأم المغربية صارت، كما الأب المغربي، مصدرا كاملا لاكتساب الجنسية المغربية الأصلية.

فبعد سنوات، وفي مباراة معلّقة بين الخروج والعبور، سيأتي ابن أم مغربية وأب سنغالي، وُلد في فرنسا، وانتظر طويلا قبل أن يختار المغرب، ليسجّل هدفا يجعل ملايين المغاربة يصرخون في اللحظة نفسها. هكذا تعمل القرارات الكبيرة. لا نرى أثرها دائما في اليوم الموالي.

يمكن أن نقول، دون مبالغة، إن هذا المنتخب هو “منتخب الملك”. ليس بالمعنى الضيق للعبارة، فالفرحة للشعب، واللاعبون لأمهاتهم وآبائهم ومدربيهم وجمهورهم. ولكن بمعنى أن هذا المنتخب هو ثمرة مغرب أراده الملك محمد السادس، ورعاه عبر قرارات ومؤسسات واختيارات متراكمة.

من مدونة الأسرة، إلى إصلاح قانون الجنسية، إلى الاهتمام بأبناء الجالية، إلى أكاديمية محمد السادس لكرة القدم، التي كانت تجسيدا لفكرة أن اكتشاف الموهبة المغربية لا ينبغي أن تظل صدفة في الأزقة، وأن الطفل المغربي لا يحتاج إلى معجزة كي يجد ملعبا ومدربا وغرفة نوم وطعاما وكرامة تكوين.

أنا شخصيا كنت ممن اعتقدوا أن إنجاز منتخب وليد الركراكي في مونديال 2022 مجرّد صدفة، ونتيجة حماسة واندفاع وتحفيز، ولا عيب في التصحيح والمراجعة. هذا المنتخب، كما نراه اليوم، لم يهبط من السماء. ليس مجرد حماسة ولا مجرد دعاء جماعي في المقاهي. إنه نتيجة عمل وتراكم. ونتيجة رؤية جعلت المغرب لا ينظر إلى نفسه في العالم كبلد صغير يخاف أبناءه البعيدين، بل كبلد قادر على أن يستعيدهم بالثقة.

عيسى ديوب هو ابن هذه اللحظة المركبة. نعم، هو ليس مثل من حسموا مبكرا. لم يأت إلى المنتخب منذ البدايات. لم يكن اسمه في دفتر الحلم المغربي الأول. مر من فرنسا، وربما انتظر فرنسا طويلا. لعب لها في فئات الصغار. وحمل مشروعها في مركز الدفاع. وظل، لسنوات، لاعبا يمكن أن يكون فرنسيا، أو سنغاليا، أو مغربيا. ثم جاءت اللحظة التي لم يعد فيها الانتظار كافيا، فاختار المغرب، أو اختاره المغرب في الوقت المناسب، كما لو أن الحكاية كانت تحتاج إلى تأخر صغير كي تكتمل دلالتها.

لقب “السارجان” الذي أطلقه عليه بعض الظرفاء لا يشير إلى رتبة في الجيش. بل هو رتبة في الخيال الشعبي. تمنح لمن يبدو قادرا على الصمود حين تضطرب الصفوف. ولمن يدخل الملعب كأنه مكلف بحراسة آخر جدار. ولمن يفعل ما يجب فعله في اللحظة التي يجب أن يُفعل فيها.

في هدفه أمام هولندا، لم يكن ديوب وحده من قفز. بل قفز معه تاريخ صغير من الإصلاحات والاختيارات والهجرات. قفزت معه أم مغربية لم تعد جنسيتها عاجزة عن الوصول إلى ابنها. وقفز معه أب سنغالي، يذكرنا بأن المغرب لا يخسر شيئا حين يعترف بتعدد جذور أبنائه. وقفزت معه فرنسا التي كوّنته، دون أن تحتكره. وقفز معه منتخب صار قادرا على أن يأخذ من العالم ما يحتاج إليه دون أن يضيع فيه.

هذه هي قوة المنتخب المغربي اليوم. لا يقدم لنا درسا في كرة القدم فقط، بل درسا في الدولة، وفي المجتمع، وفي معنى الهوية حين تكون واثقة من نفسها. فريق فيه من وُلد في المغرب، ومن وُلد في أوروبا، ومن جاء من أب مغربي وأم مغربية، ومن جاء من أم مغربية وأب سنغالي، ومن تشكل في أكاديمية مغربية، ومن صنعته أندية كبرى في الخارج، ثم وضعوا جميعا أقدامهم على العشب نفسه، وركضوا في الاتجاه نفسه، وبكوا للنشيد نفسه.

عيسى ديوب، في هذه الصورة، هو أحد أكثر لاعبي المنتخب دلالة. لأنه يذكرنا بأن المغرب الذي يربح اليوم ليس مغرب الانغلاق، بل مغرب الانفتاح المنظم. ليس مغرب الهوية الخائفة، بل مغرب الهوية الواثقة.

لقد قطع ديوب طريقا طويلا من تولوز إلى مونتيري. مرّ من فرنسا، وانتظر فرنسا، وكان يمكن أن يذهب إلى السنغال، لكنه انتهى في المغرب. وفي النهاية، لا تهم الطريق وحدها، بل أين تقف حين تأتي اللحظة. وقد وقف عيسى ديوب حيث احتاجه المغرب. في منطقة الجزاء. في الوقت بدل الضائع. بين هولندا والعبور. بين الإقصاء والحياة.

“منتخب الملك” هو فريق من أبناء المغرب كما نريده أن يكون. فريق لا يخاف من تعدده، ولا يعتذر عن اختلاطه، ولا يطلب من أبنائه أن يتشابهوا كي يكونوا أوفياء. يكفي أن يركضوا من أجل القميص، وأن يؤمنوا بالحق في الفوز، وأن يظهروا حين يوشك الحلم على السقوط.

وقد ظهر عيسى ديوب.

ظهر “السارجان”.

في “منتخب الملك”.