الدولة “الحنينة”
انكببت منذ صدور بلاغ رئاسة الحكومة زوال أمس الخميس 12 فبراير 2026، والمتعلق بإعلان مناطق الفيضانات أقاليم منكوبة وتخصيص دعم مالي للمتضرّرين؛ على مراجعة المنظومة القانونية الخاصة بتعويض ضحايا الكوارث الطبيعية، وتدقيق المساطر والإجراءات والآجال ومقادير التعويض وأنواع الأضرار المشمولة بالتعويض…
كانت غايتي الفهم الدقيق أولا قبل المساهمة بالرأي والتعليق، لكن أيضا لتحضير المعطيات اللازمة لإنتاج محتوي تفسيري يُمكنه أن يرشد القراء إلى سبل الاستفادة، لمن كان معنيا، والفهم الصحيح بالنسبة لمن يتابع ويراقب.
لكنّني وجدتني صباح اليوم، بعد مراجعة جميع المصادر والوثائق القانونية، أعلّق هذا المشروع لسبب بسيط، هو أن ما وعد به البلاغ الأول الصادر زوال أمس من دعم لفائدة المتضرّرين من الفيضانات، يتجاوز بكثير ما يخوّله القانون رقم 110.14 لضحايا الكوارث من تعويضات.
هذا القانون، كما يعرفه من اشتغل عليه، أقام نظاما مختلطا للتعويض عن خسائر الكوارث، يوزّع العبء بين التأمين والتضامن.
يظل التأمين رهينا بالعقود وبمدى انتشارها في مجتمع ما زال فيه التأمين سلوكا نخبويا أكثر منه ممارسة جماعية؛ أما التضامن، عبر صندوق التضامن ضد الوقائع الكارثية، فهو مُصمم في جوهره لتعويضات محدودة تهمّ الأساسيات الملحّة، من أضرار بدنية للضحايا وذوي حقوقهم في حالة الوفاة، وتعويض مرتبط بالمسكن الرئيسي حين يصبح غير صالح للسكن.
كان يمكن، إذن، أن ننتهي إلى نموذج “بارد” من التعويض. من له تأمين يتحرك داخل مسطرة العقد، ومن لا تأمين له يطرق باب صندوق لا يعوض عن تلف المحاصيل ولا عن نفوق المواشي ولا عن غمر المتاجر، إلا في حدود ضيقة جدا مرتبطة بالسكن الرئيسي والضرر البدني.
هنا جاءت المفاجأة، لكون البلاغ الحكومي الأول لم ينطق بما يسمح به القانون 110.14، بل قرّر أن يمدّ مظلة الدولة أبعد من النص، إلى قلب الحياة التي انكسرت، من خلال مساعدات عينية لتعزيز التدخلات الاستعجالية بما يناهز 225 مليون درهم، ومساعدات للفلاحين ومربي الماشية بقيمة 300 مليون درهم، واستثمارات لإعادة تأهيل البنيات الأساسية الطرقية والهيدروفلاحية والشبكات الأساسية بما يقارب 1.7 مليار درهم، إضافة إلى محور إعادة الإسكان وفقدان الدخل وتأهيل المساكن والمحلات التجارية الصغيرة وإعادة بناء المنهار منها بمبلغ إجمالي يناهز 775 مليون درهم، ضمن ميزانية توقعية إجمالية تبلغ 3 مليارات درهم.
ما كنت أنوي كتابته أو ترديده على سبيل التوعية بالحقوق، والتوجيه نحو المساطر والإجراءات والآجال الخاصة بالاستفادة منها، كان يتحوّل بين يديّ إلى تساؤل شقي: هل مصلحة المتضرّرين من فيضانات نهري “اللوكوس” و”سبو” التمسّك بمقتضيات القانون الخاص بالتعويض عن الكوارث الطبيعية، أم إن ما تعد به الدولة بات يتجاوز ذلك؟
ألن يجد المواطن نفسه أمام قانون لا يعوّض عن تلف المحاصيل ونفوق المواشي وغمر المتاجر… إلا من كانت له تغطية عبر عقد تأمين؟
هنا يولد معنى “الدولة الحنينة”. تلك التي لا تترك المواطن وحيدا في فراغ، بين ما تفعله الطبيعة وما يتيحه النص القانوني الجاف.
ثم جاء البلاغ الثاني، اليوم الجمعة، ليزيد الفكرة وضوحا: مساعدة مالية مباشرة تصل إلى 6 آلاف درهم لكل أسرة، سيبدأ صرفها ابتداء من الأسبوع المقبل، مع مسطرة شديدة البساطة في ظاهرها: رسالة نصية قصيرة إلى الرقم 1212 تتضمن رقم البطاقة الوطنية وتاريخ الازدياد.
هذه نقلة كبيرة من بيروقراطية التعويض إلى منطق الإغاثة. المال يصل بسرعة إلى من خرجوا من بيوتهم اضطرارا، ويحفظ كرامة أسرة “لجأت” مؤقتا عند الأهل أو في سكن مستأجر في مدينة أخرى، وإلى مواطن وجد نفسه يدفع كلفة النجاة من جيبه قبل أن يفهم ماذا سيحصل بعد ذلك.
سامحوني لكن لا يمكننا كمغاربة لم يعتادوا أن يأتي إليهم من يخرجهم من مناطق الخطر، ثم يأويهم، ويغنيهم عن السؤال، ويحضّر لهم طريق العودة إلى الحياة الطبيعية؛ (لا يمكننا) أن نمرّ على هذه الخطوة مرور الكرام.
فوق هذا الدعم المالي المباشر، هناك وعد بالتعويض الخاص بتأهيل السكن أو إعادة بنائه، وإن كان مسقّفا في حدود 15 ألف درهم لتأهيل المساكن والمحلات التجارية الصغيرة المتضررة، و140 ألف درهم لإعادة بناء المساكن المنهارة بسبب الفيضانات.
أكثر من هذا، وبالنظر إلى الطابع القروي لأجزاء كبيرة من مناطق الفيضانات، يعد البلاغ الحكومي الثاني بمواكبة الفلاحين المتضرّرين من خلال إطلاق برنامج للزراعات الربيعية، مع دعم اقتناء البذور والأسمدة، والاستمرار في دعم الكسابة المتضررين.
إذا اكتملت هذه السلسلة، كما وُعد بها، ستجعل دورة تدخل الدولة في هذه المحنة مثاليا ونموذجيا وغير مسبوق تاريخيا، بدءا من تحرّك استباقي هو الأول من نوعه لجعل ما يقارب 200 ألف مواطن ومواطنة في منأى عن خطر محتمل؛ ثم بتدبير ميداني كثيف للمرحلة، بحضور كمي ونوعي يكاد يكون مثاليا للسلطات، ثم إعلان حالة كارثة وتصنيف أربع أقاليم (العرائش والقنيطرة وسيدي قاسم وسيدي سليمان) مناطق منكوبة، ثم وعود مالية وعينية واستثمارية، ثم آلية صرف سريعة للمساعدة المباشرة، ثم لجان محلية للإحصاء وفتح باب الملتمسات “عند الاقتضاء” لضمان الشفافية والإنصاف.
هي “الدولة الحنينة” التي لم يكتشفها “جون رولز” وهو ينظّر للعدالة داخل “دولة الرفاه”، والتي لا تكتفي بأن تُجلي الناس من الخطر، بل تلاحق أثر الخطر في خبزهم وسقفهم ومواشيهم وموسمهم وطرقهم وقنواتهم ومجاري أوديتهم.
لكن، ولأن الموضوعية ليست تصفيقا أعمى ولا شماتة معكوسة، يجب أن يُقال بوضوح منذ البداية ومن النهاية: هذه الإشادة الصريحة والمستحقة، لا تعني انسحاب الصحافة والنشطاء المدنيين من ميدان التدقيق والرقابة والإشارة إلى القطارات التي لا تصل في مواعيدها، ولا تلغي مرارة التقصير والإهمال المسجّل في حق جزء من ضحايا زلزال الحوز، ولا تمحو ما تركه فيضان آسفي قبل أسابيع قليلة من أسئلة جارحة حول الوقاية والبنية والتدخل والإنصاف.
القول باكتشاف “الدولة الحنينة” لا يمنح الدولة المغربية شهادة تصنيف نهائي في خانة التدخل المثالي لفائدة المواطنين في لحظات الكوارث. بل إن قيمة هذا الثناء، إن كان له معنى، في أن نُسجّل، حين تُحسن الدولة، أنها أحسنت، لا لنغفر ما قبل، بل لنمنع العودة إليه. وأن نقول، حين تمدّ الدولة يدها أبعد من القانون وأقرب إلى الناس، إن هذا هو المطلوب. أي أن يصبح هذا السلوك قاعدة لا استثناء، وأن تُبنى عليه منظومة دائمة للإنقاذ والتعويض وإعادة الإعمار.
الدولة “الحنينة” ليست وصفا شاعريا في لحظة انفعال عابرة، ولا محاولة لإرضاء كبرياء السلطة بعبارة دافئة، بل هي اختبار قاس لمعادلة السلطة نفسها.
هل تستطيع الدولة، أن تتحول بشكل لا رجعة فيه، من جهاز إداري يوزّع البلاغات إلى كيان عمومي يُنقذ ويُواسي ويُعوض ويُعيد الناس إلى حياتهم كما كانوا؟
ما جرى في فيضانات الغرب واللوكوس خلال الأسابيع الماضية، ثم ما أُعلن زوال أمس الخميس 12 فبراير 2026 وما تلاه زوال اليوم الجمعة، يجيب ب”نعم”، ويضعنا أمام لحظة نادرة في تاريخ تدبير الكوارث بالمغرب، تبدو فيها الدولة وقد قررت أن تكون “حنينة” بالفعل والميزانية والمسطرة والسرعة.
الدولة “الحنينة” ليست تلك التي تعِد فقط، بل التي تُنزل الوعد بسرعة، وتُحسن الإحصاء، وتُحكم الاستهداف، وتُشرك المتضررين في مسطرة عادلة، وتضع نفسها تحت رقابة تقديم الحساب: كم أسرة توصلت؟ وكم بيت رُمّم؟ وكم مسكنا أُعيد بناؤه؟ وكم فلاحا عاد إلى حرث أرضه؟ وكم قنطرة أصلحت؟ وكم طريقا أعيد فتحه؟ وكم خطأ في التقدير تم تصحيحه؟
إذا حصل هذا، فسنكون أمام سابقة لا يجوز أن تبقى حادثا معزولا، بل ينبغي أن تصبح معيارا عموميا يُقاس عليه كل تدخّل لاحق. سابقة تُحوِّل التضامن من مزاج سياسي إلى التزام مؤسسي، وتُخرج إنصاف المتضرّرين من منطق الاستثناء إلى منطق القاعدة.
من الحوز وطاطا وأقاليم الصحراء، إلى آسفي واللوكوس وسبو، نحتاج نفس منطق الاستباق، ونفس السرعة في القرار، ونفس السخاء المحسوب، حتى لا يُترك أي مواطنٌ مغربي، وحيدا أمام الطين والبرد والجفاف والنار والزلزال، ولا تتحول الكوارث إلى امتحان للقدرة على الصبر بدل أن تكون اختبارا لجدية الدولة.