الخميني و”الشيطان الأكبر”
استضفنا في الحلقة الأخيرة من برنامج “لقاء خاص” الصديق مصطفى كرين، رئيس مركز الدراسات الاستراتيجية آسيا الشرق، بعد أن أثار في حلقة سابقة من برنامج “من الرباط”، نقاشًا واسعًا حين تحدث عن وجود دعم غربي، أمريكي إسرائيلي تحديدًا، للثورة الإيرانية التي قادها آية الله الخميني.
لم يكن الهدف من استضافته إعادة إنتاج صدمة أو تغذية سردية جاهزة، بل هي محاولة اختبار هذا الطرح على محك الحقائق، والتمييز بين ما يمكن أن يستند إلى أرشيفات فعلية وما ينتمي إلى التأويل أو المبالغة. الرجل جاء ومعه مادة لا يمكن القفز عليها، عبارة عن مراسلات وتقارير ومقتطفات من أرشيفات غربية رُفعت عنها السرية في السنوات الأخيرة.
وبصرف النظر عن المدى الذي يمكن أن يُعطى لمثل هذه المعطيات، فإن تجاهلها لا يخدم الفهم، تمامًا كما أن تضخيمها لا يخدم الحقيقة.
العلاقة بين الثورة الإيرانية والغرب ليست كما تُقدَّم في السجال السياسي، علاقة قطيعة مطلقة وتنافر منذ البداية، ولا هي مؤامرة مكتملة الأركان. ما تكشفه الوثائق الرسمية، خصوصًا تلك المنشورة ضمن سلسلة وثائق “العلاقات الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية” الصادرة عن وزارة الخارجية الأمريكية (FRUS)، يعيد تركيب الصورة على نحو أكثر تعقيدا مما يستكين إليه الفهم الكسول.
هي لحظة انتقال تاريخي، تداخلت فيها البراغماتية بالحذر، والتواصل بالصراع. ففي الأسابيع التي سبقت سقوط الشاه، بين أواخر 1978 ويناير 1979، كانت هناك قنوات تواصل غير مباشرة بين محيط الخميني وإدارة الرئيس الأمريكي جيمي كارتر، عبر وسطاء فرنسيين وإيرانيين، وهو ما تؤكده تقارير رسمية ومذكرات مستشار الأمن القومي وأحد أبرز منظّري السياسة الخارجية الأمريكية خلال الحرب الباردة، زبيغنيو بريجنسكي، دون أن يعني ذلك وجود اصطفاف أو تحالف، بل حاجة متبادلة للفهم وتفادي الاصطدام.
هذه الاتصالات، كما تُظهرها أيضًا تحقيقات صحافية مبنية على وثائق مرفوعة السرية، مثل تحقيق “أسبوعان في يناير: التواصل السري لأمريكا مع الخميني”، المنشور عبر موقع ال”بي بي سي” البريطانية في 3 يونيو 2016، تكشف أن الخميني نفسه كان يبعث برسائل طمأنة واضحة إلى واشنطن من منفاه في فرنسا.
ففي رسالة مؤرخة بـ27 يناير 1979، دعا الخميني الإدارة الأمريكية إلى استخدام نفوذها على الجيش الإيراني لتفادي حدوث انقلاب عسكري يفشل الثورة الشعبية، مقابل تعهده بضمان الاستقرار، وحماية المصالح الأمريكية، ومواصلة تدفق النفط نحو الأسواق الغربية.
قبل ذلك بأيام، وتحديدا في 5 يناير 1979، نقلت تقارير دبلوماسية عن الخميني تأكيده أنه “لا ينبغي أن يكون هناك خوف بشأن النفط”، وأن إيران “ستواصل بيعه لمن يشتريه بسعر عادل”. نعم، لا تشير هذه المعطيات إلى استعداد للخضوع أو التبعية، لكنها محاولة واعية من قيادة ثورية لتأمين انتقالها في سياق دولي معقد، حيث كانت تدرك حجم النفوذ الأمريكي داخل المؤسسة العسكرية الإيرانية، وخطر تحويل الحراك الشعبي إلى حرب أهلية دامية.
في المقابل، تكشف الوثائق الأمريكية أن واشنطن لم تكن في موقع من يدير الأحداث بقدر ما كانت تحاول مواكبتها والتموقع وفقا لمعطياتها. فبرقيات السفارة الأمريكية في طهران، خاصة تلك التي حملت عنوان” تصوّر ما لا يُتصوَّر” (Thinking the Unthinkable) الصادرة في 9 نونبر 1978، والتي رفعها السفير ويليام سوليفان، أقرت صراحة بأن الشاه “انتهى”، واقترحت البحث عن تسوية مع الخميني عبر المؤسسة العسكرية.
كما تُظهر مذكرات داخلية مؤرخة في 3 و11 يناير 1979 أن الإدارة الأمريكية انتقلت تدريجيًا من محاولة إنقاذ النظام إلى القبول بسقوطه، وهو ما تكرّس في مؤتمر غوادلوب المنعقد من 4 إلى 7 يناير 1979، حيث خلص قادة الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وألمانيا الغربية إلى أن بقاء الشاه لم يعد خيارًا واقعيًا.
لكن الأهم أن هذه الاتصالات لم تكن وليدة لحظة الانهيار فقط. فوثيقة مبكرة صادرة سنة 1965 بعنوان “دلالة معارضة الخميني للحكومة الإيرانية “، ضمن المجلّد XXII من سلسلة وثائق العلاقات الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية (FRUS) الخاصة بالفترة من 1964 إلى 1968، تُظهر أن واشنطن كانت تتابع الخميني منذ صعوده بعد أحداث 1963، كتعبير عن معارضة اجتماعية عميقة داخل إيران، مرتبطة برفض سياسات الشاه وهيمنته المدعومة غربيًا.
كما تكشف وثائق وكالة الاستخبارات الأمريكية (CIA)، التي أُفرج عن أجزاء منها حديثا، أن الخميني نفسه بعث سنة 1963 رسالة إلى إدارة جون كينيدي، أكد فيها أنه لا يعارض المصالح الأمريكية في إيران، وأن الوجود الأمريكي ضروري لمواجهة النفوذ السوفياتي والبريطاني.
في يناير 1979، بلغت هذه القنوات ذروتها. فقد قررت الإدارة الأمريكية، وفق برقية وزير الخارجية سايروس فانس، الصادرة بتاريخ 14 يناير، إقامة قناة اتصال مباشرة مع محيط الخميني، وتمت بالفعل لقاءات سرية في ضواحي باريس بين الدبلوماسي الأمريكي وارن زيمرمان، ومستشار الخميني إبراهيم يزدي ، بين 15 و18 يناير 1979.
خلال هذه اللقاءات، أبلغ الأمريكيون محيط الخميني أن الجيش “مرن” بشأن مستقبل النظام السياسي، وأن واشنطن لا تمانع في تعديل الدستور، في إشارة واضحة إلى إمكانية إنهاء الملكية، مقابل الحفاظ على تماسك المؤسسة العسكرية.
في المقابل، تعهد الخميني، في رد مكتوب بتاريخ 19 يناير 1979، باستمرار تدفق النفط، وعدم الانحياز إلى السوفيات، وعدم تصدير الثورة إلى دول الجوار، مع تأكيده أن إيران ستحتاج إلى التعاون، “خصوصًا مع الأمريكيين”، في مرحلة ما بعد الشاه.
لا تعني هذه الرسائل والاتصالات وجود تحالف أو تواطؤ مسبق، بل تعكس منطقًا معروفًا في العلاقات الدولية، وفي السلوك الدبلوماسي الفارسي، حيث تراقب القوى الكبرى الفاعلين الصاعدين، وهؤلاء بدورهم يحاولون تفادي استعدائها في لحظة التأسيس.
وكل هذه الوقائع، الموثقة بالأسماء والتواريخ، لا تسمح بالقفز إلى استنتاجات جاهزة. فهي لا تثبت أن الولايات المتحدة “صنعت” الثورة، لكنها تنفي أيضًا فكرة القطيعة المطلقة.
ما تكشفه هذه المعطيات في الحقيقة هو مشهد أكثر تعقيدًا لقوة دولية تتعامل مع فاعل صاعد رغم توجسها منه، وقيادة ثورية تحاول طمأنة هذه القوة لتفادي تدخلها، في لحظة كان فيها الجيش الإيراني، المرتبط عضويًا بالولايات المتحدة، قادرًا على تحويل الانتفاضة الشعبية إلى حرب أهلية.
إن استحضار هذه المعطيات لا يهدف إلى الانتقال من “مسلّمة” إلى أخرى، بل إلى تحرير الفهم من التبسيط. فالتاريخ لا يُكتب بمنطق الأبيض والأسود، بل عبر مناطق رمادية تتقاطع فيها المصالح والهواجس والحسابات.
وما جرى في إيران قبل 1979 هو أحد أوضح الأمثلة على ذلك. تواصل لا يرقى إلى التحالف، وطمأنة بلا تبعية، وبراغماتية متبادلة لم تمنع، بعد أشهر قليلة فقط، من انفجار واحدة من أكثر القطيعات حدة في تاريخ العلاقات الدولية، مع أزمة السفارة الأمريكية في طهران في نونبر 1979.