story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
رأي |

الخليج 26.. حين يكون صمود الخصم آخر قلاع النجاة من مكر الحليف

ص ص

لا جَرَمَ أن “الهجمة الوجودية” الممنهجة على إيران تقف كواحدة من أعتى الحروب وأشدها استغلاقا على الفهم من حيث مآلات أهدافها الإستراتيجية؛ فهي لا تعدو كونها سيمفونية من الخداع الجيوسياسي الذي لا يجري تحت راية نواياه الحقيقية أبدا. فهي حرب ترتدي أقنعة شتى، تظهر للرائي صراعا على “الأجندات المعلنة”، بينما تخفي في أحشائها معركة وجودية لإعادة هندسة “الخارطة العصبية” للمنطقة برمّتها.

فليست الغاية مجرد “تقليم أظافر إقليمية” أو “ترويض جموح عسكري”، لنظام استُنفدت أغراض وجوده بانتهاء مهمته بعد أن صال وجال في الإقليم طويلا بمباركة صامتة ممن يقطف رؤوسه اليوم؛ بل هي عملية “إعادة صياغة جينية” لمشروع “إسرائيل الكبرى” الذي لا يمكن أن يرسخ أوتاده ويستوي على سوقه ما دامت هناك مشاريع إقليمية منافسة تحمل طموحات توسعية تزاحمها في السيادة والقرار.

وفي غمرة هذا الصراع المحموم، تلتقي التكنولوجيا بالغيبيات؛ فبينما تسعى خوارزميات “الجيل السادس” من الحروب إلى “الاستلاب الكلي للإرادة” عبر اختراق “الوعي السيادي” ومحو قدرة الدولة على القرار دون الحاجة لتمزيق الأجساد (أجساد المهاجمين طبعا)، يُساق الخصم نحو حتفه أو ارتهانه وهو يظن أنه يمارس كامل حريته. وفي ذات الأتون، يتم استحضار “النبوءات التوراتية” كـ “سلاح سيكولوجي ذو حدين”، ليس بوصفها نصوصا دينية قديمة، بل كأدوات احترافية لإضفاء صبغة “القداسة والحتمية” على أهداف سياسية مادية بحتة؛ ليصبح الدمار “قدرا مكتوبا”، والتبعية “امتثالا لمشيئة الرب”، ونهب الثروات “فصلا من فصول ملحمة كبرى” تُدار بذكاء صناعي وقناع ميثولوجي.

والمستقرئ الجيد لخفايا الأمور، يدرك يقينا أن وراء الأكمة ما وراءها، وأن ظاهر الأحداث ليس إلا قشرة هشة تخفي تحتها حقائق مغايرة تماما. ومن ذلك أن الانجراف خلف فرضية أن واشنطن وتل أبيب تخوضان غمار هذه الحرب بلا “خارطة طريق” مرسومة أو أهداف إستراتيجية مسطرة سلفا، ليس إلا سقوطا في فخ السذاجة السياسية والتهافت الفكري؛ فالعقل الاستعماري لا يتحرك بعفوية الصدفة، بل بنظام “المراحل المتلاحقة”، وهذا ديدنه في كل العصور.

ولعل السيل العارم من التصريحات المتلاطمة، والهائل في تناقضاته الصارخة، يبلغ ذروة العبث حين يعلن “قادة التحالف” القرار ونقيضه في ذات اليوم بل وفي ذات الخطاب؛ وكأننا أمام “جوقة جنائزية” تعزف ألحانا متنافرة لتغطية صوت الحفر العميق في أساسات المنطقة. بيد أن اللغز الحقيقي المتواري خلف هذا الضجيج المفتعل يكمن في حقيقة جيوستراتيجية صادمة: أن “الحرب على إيران” في جوهرها ليست إلا “ذريعة” بارعة، وليست غاية نهائية في حد ذاتها.

ألم تر كيف تقف دول العالم اليوم على أطراف أصابعها، متلحفة بحذر شديد، فحلفاء إيران يراقبون من قريب بعيون متوجسة، في حين آثر حلفاء أمريكا النأي بأنفسهم عن الانضمام المباشر، في مشهد يختلف جذريا عن الاندفاع الذي شهدته حروب سابقة، حيث كانت الاصطفافات تُحسم بلمح البصر تحت راية الأهداف المعلنة. بيد أن هذا “الصمت المريب” والترقب الحذر يعكسان إدراكا دوليا وإقليميا عميقا بأن اللعبة تجاوزت حدود المشاكسات المعهودة لتلامس جوهر بقاء ليس النظام الإيراني وحده، بل عواصم شتى في الخليج ولما لا أبعد منها؛ مما جعل الكثيرين يفضلون الصمت الإستراتيجي ريثما تتضح ملامح “المقصلة” المعدّة للمنطقة. فالمعركة الحالية ليست مجرد “تأديب لجار لدود”، بل هي إعادة هيكلة وجودية قد تبتلع ارتداداتها الجميع؛ ولعل هذا ما يفسر حالة الوجوم السائدة، فالكل يخشى أن يكون الوقود القادم في محرقة “الأهداف غير المعلنة”.

وفي قلب هذا المشهد المتفجر، تنجلي الحقائق تباعا لتكشف أن “العاصفة” ليست إلا غطاء لترتيبات أعمق؛ فالحرب في جوهرها ليست إلا “غارة إستراتيجية كبرى” على خزائن الخليج، صُممت ببراعة لضخ الدماء في عروق الاقتصاد الأمريكي المثقل بديونه “الثريليونية” المترنحة. وليس ذلك فحسب، بل يُراد لهذه الفوضى الممنهجة أن تفتح لإسرائيل “طريقا بديلا” يُعبد فوق جثث الأوطان المستباحة؛ ليكون جسرا يربط الهند بأوروبا، في محاولة يائسة لإحياء “ممر داوود” الذي تحطم كبرياؤه أمام إصرار “سوريا الجديدة” على وحدتها السياسية وسيادتها المطلقة.

وعلى رقعة هذا الجحيم المستعر، تبرز “حرب المضائق” كفصل محوري في رواية الإخضاع، حيث يُراد لمضيق هرمز أن يخلع رداءه الدولي ليغدو “بوابة تفتيش” حصرية تملك مفاتيحها قوى تعيد تعريف العبور وفق مصالحها، بينما يكتمل طوق الحصار في باب المندب ليحكم القبضة على حنجرة البحر الأحمر، ضمن خطة “الخناق المزدوج” التي تضع الخليج في أتون مفارقة تاريخية مريرة؛ إذ يدفع تكلفة الحرب على “العدو المفترض” من جهة، ويُساق لتقاسم ثرواته السيادية عبر تلك النقاط الخانقة من جهة أخرى، ليجد نفسه يمول بذهبه الخاص صناعة الأصفاد التي تطوق عنقه.

بيد أن البعد الأعمق في هذا المشهد الملحمي يتجاوز الجغرافيا المحلية ليستهدف “خنق التنين الصيني” في مهده، فمن خلال السيطرة على المضيق الذي يتدفق عبره أكثر من 40% من شريان الطاقة الآسيوي، يتجلى ذكاء “ترامب” البراغماتي في تحويل المضائق إلى رهائن في قبضة القرار الغربي، مستكملا بذلك رحلة “الصيد الإستراتيجية” التي بدأت في فنزويلا وتمر اليوم بإيران والخليجِ وصولا إلى نيجيريا، لتطويق مزودي الصين واحدا تلو الآخر. إنها عملية تحويل “طاقة الشرق” إلى حبل مشنقة يلتف حول أعناق المنافسين الدوليين، مما يضع الخليج اليوم أمام منعطف تاريخي لا خيار فيه إلا استعادة زمام “المضائق” كحق وجودي وسيادي أصيل، قبل أن تتحول ثرواته النابضة إلى مجرد “غنائم حرب” في صراع الأكابر، وقبل أن يجد نفسه مجرد ساحة خلفية لتصفية حسابات إمبراطورية لا تبقي ولا تذر.

ويبقى السؤال معلقا في مهب ريح لا تعرف الهوادة، يصارع أمواج الاحتمالات التي لا تقبل القسمة على اليقين: إلى أي حد ستصمد إيران في وجه هذا الحصار المطبق الذي ينهش عصب حياتها؟ وهل ستتحول الأرض الإيرانية إلى “مستنقعٍ جديد” يبتلع أوهام الحسم السريع، تماما كما فعلت أفغانستان والعراق من قبل، حين أعلنت واشنطن أن حروبها “محدودة” فإذا بها تصبح ثقوبا سوداء لا نهائية؟ فالمراهنة على انكسار خاطف قد تصطدم بجدار من “وسائل الصمود” التي يمدها بها حلفاء يدركون أن سقوط طهران هو سقوط لآخر حصونهم في الشرق.

وفي هذا الأتون، يجد الخليج نفسه أمام اختبار “البصيرة النافذة”؛ فبقدر استنكاره المشروع للعدوان الذي تجرعه مرارا من الجار اللدود، عليه بذات اللغة الصارمة وبنفس “الحكمة الإستراتيجية” أن يستنكر العدوان الأمريكي-الإسرائيلي الذي لا يستهدف إيران لذاتها، بل ليتخذها “حصان طروادة” للوصول إليه هو نفسه بغية نهبه وتركيعه. فإلى متى يظل هذا النزيف قائما، ويُستنزف الخليج لدفع فواتير حروب الآخرين من رصيد مستقبله وأمان أجياله؟

إن المنطقة اليوم تقف على نصل سكين حاد؛ فإما أن يخرج الخليج من هذه المعركة “حصنا مستقلا” يملك ناصية قراره ويبحث عن شركاء في عالم متعدد الأقطاب، وإما أن يظل مجرد “خزان للموارد” لإمبراطورية لا تأبه إلا بمصالحها، تاركة خلفها شعوبا تفتش في رمالها عن بقايا رفاه كان يوما يملأ الآفاق، أو -وهو الأدهى والأمر- أن تُمحى إمارات ودول من الخارطة تماما، وتذوب كيانات في “ثقب أسود” جيوسياسي، لإفساح المجال أمام توسع أخرى لا تشبع، لا ترى في جغرافيا المنطقة سوى مساحات فارغة تنتظر “إعادة الرسم” بدم أهلها وشعوبها.