الحكامة الترابية تحت المجهر.. خبراء يطالبون بتنمية تُراعي خصوصيات المجالات المحلية بالمغرب
احتضن مقر جمعية “المواطنون” بالدار البيضاء، أمس الثلاثاء 03 يونيو، ندوة فكرية حول الحكامة الترابية بالمغرب بشراكة مع صحيفة “صوت المغرب” و مؤسسة HEINRICH BOLL STIFTUNG، في إطار النسخة الثالثة من برنامج “رؤى الخبراء (Regards d’Experts)”. وشهد هذا اللقاء مشاركة باحثين وخبراء وفاعلين مدنيين وسياسيين، ناقشوا سبل بناء نموذج تنموي أكثر ارتباطاً بخصوصيات المجالات الترابية، وأكثر قدرة على الاستجابة لحاجيات المناطق القروية والهامشية.
وانتقد المتدخلون صياغة مخططات التنمية “من أعلى دون معرفة كافية بما يجري في العمق وفي المناطق الهامشية”” المتدخلون خلا”، مؤكدين على ضرورة الانتقال “من مخططات تنموية موحدة وبعيدة عن الواقع المحلي إلى مخططات أكثر قرباً من خصوصيات كل مجال ترابي، تستند إلى معطيات ميدانية وإلى مشاركة فعلية للساكنة والفاعلين المحليين”.
وفي هذا السياق، أكد أحمد أيت أحمد، الفاعل الأكاديمي والمدني، أن تدبير الشأن الترابي ما يزال يعاني من “ضعف إشراك الفاعلين السياسيين والجمعويين في اتخاذ القرارات الاستراتيجية المرتبطة بالمناطق القروية”، موضحا أن هؤلاء الفاعلين يتوفرون على معرفة ميدانية دقيقة بخصوصيات مجالاتهم الترابية.
واستشهد بمنطقة الحوز التي تضررت جراء الزلزال، “والتي تتطلب برامج تنموية تراعي أوضاعها الخاصة، وتستدعي مساهمة أبناء المنطقة والفاعلين المدنيين والمحليين في صياغة السياسات والبرامج التنموية الملائمة لاحتياجاتها”.
كما دعا أيت أحمد إلى منح رؤساء الجماعات المنتخبين والفاعلين المدنيين صلاحيات أوسع من أجل الترافع لصالح المنطقة، “بما يتيح لهم التدخل بشكل أكثر فعالية في تدبير قضايا التنمية المحلية والاستجابة لحاجيات السكان”.
بدورها، أكدت إكرام بن دراعو، الخبيرة في تنسيق البرامج في مجالات الترابية والنوع الاجتماعي، أن المجتمع المدني راكم خلال السنوات الأخيرة خبرات ومعارف و مهمة من خلال الدراسات والمشاريع التي أنجزها في مختلف المجالات الترابية، معتبرة أن “نجاح السياسات العمومية يقتضي الاستفادة من هذه الخبرات وإشراك الفاعلين المدنيين منذ مرحلة التشخيص وصولاً إلى التقييم النهائي للبرامج والمشاريع”.
وشددت بن دراعو خلال مداخلتها على أهمية الدورالمحوري الذي يلعبه المجتمع المدني كوسيط بين المواطنين ومابين صانع القرار، “حيث يصبح المواطن جزء من بناء التغيير عن طريق مساهمته في وضع السياسات العمومية التي تحدد مستقبل الجهة الترابية التي ينتمي لها”.
ومن جانبه تساءل رشيد البلغيتي الصحفي والباحث في مداخلته عن طبيعة العلاقة التي تجمع السكان بمجالاتهم الترابية، قائلاً “إن الكوارث الطبيعية، رغم قسوتها، تمنح فرصة لفهم خصوصيات كل منطقة وجغرافيتها، وكيفية التعامل معها”.
وطرح البلغيتي أسئلة مرتبطة بملكية المجال الترابي، متسائلاً “من يملك المجال؟ هل هو المواطن البسيط، أم المنتخب المحلي، أم الجماعة باعتبارها مجموع المواطنين، أم السلطة والدولة؟ وهل يُنظر إلى الجميع باعتبارهم مواطنين متساوين داخل هذا المجال؟”.
واعتبر المتدخل أن الإشكال الحقيقي يكمن في كون العديد من مخططات التنمية تُصاغ من أعلى “دون معرفة كافية بما يجري في العمق وفي المناطق الهامشية”، داعياً إلى اعتماد مقاربات تنموية تراعي خصوصية كل منطقة على حدة، ومستحضراً في هذا الإطار ما يطرحه كتاب “عمارة الفقراء” من أهمية فهم الواقع المحلي قبل التخطيط له.
أما الخبير الاقتصادي محمد جدري، فقد أكد خلال مداخلته أن جزءاً من إشكالات التنمية بالمغرب “يرتبط بكون السياسات العمومية تُبنى في الغالب بمنطق رد الفعل وليس بمنطق الاستباق والتخطيط طويل الأمد”، مشيراً إلى أن “المغرب يستثمر ميزانيات مهمة في مشاريع وبرامج تنموية، غير أن ضعف الحكامة يؤدي في كثير من الأحيان إلى عدم تحقيق النتائج المرجوة من هذه الاستثمارات”.
ودعا المتحدث إلى “ضرورة بلورة مخططات تنموية تنطلق من الواقع المحلي وتُبنى على حاجيات السكان الفعلية، بما يضمن تنمية أكثر عدالة ونجاعة”.
من جهته، اعتبر أحمد بنعبدجي، الخبير في التنمية الترابية والعضو المؤسس لجمعية “Open Villages”، أن أحد أبرز أعطاب السياسات الترابية يكمن في التعامل مع المجالات المختلفة بمنطق تنموي موحد، “رغم تباين احتياجاتها وإمكاناتها”.
و أبرز بنعبدجي أن المغرب يحتاج إلى “تنميات” متعددة أكثر مما يحتاج إلى نموذج تنموي واحد، موضحاً أن “متطلبات مناطق الجنوب ليست هي نفسها متطلبات المناطق الجبلية أو الواحات، وأن لكل مجال ترابي خصوصياته التي يجب أن تنعكس في التخطيط والبرمجة العمومية”.
وشكل هذا اللقاء أولى محطات النقاش ضمن الدينامية التي أطلقتها جمعية “المواطنون” في إطار برنامج “رؤى الخبراء”، والرامية إلى إنتاج توصيات عملية وأوراق سياسات حول قضايا الحكامة الترابية، تمهيداً للقمة الوطنية “انسجام”، التي تسعى إلى بناء رؤية جماعية حول شروط العمل المشترك من أجل تنمية ترابية “أكثر انسجاماً وعدالة بالمغرب”.