اختفاء الأطفال في المغرب يثير القلق.. ودعوة حقوقية إلى يقظة جماعية
أصبحت أخبار اختفاء الأطفال في المغرب معطىً متكررا يثير الكثير من القلق في صفوف الأسر المغربية؛ فما إن يهدأ ضجيج حالة اختفاء في مدينة ما، حتى تظهر حالة أخرى في متوالية تضع منظومة الحماية تحت المجهر.
وتأتي هذه المخاوف في سياق تسجيل حالات اختفاء غامضة خلال الأسابيع الأخيرة، تصدرت منصات التواصل الاجتماعي وأثارت استنفارًا أمنيًا وحقوقيًا واسعًا، لاسيما في مناطق مثل زاكورة وميدلت وضواحي شفشاون، مما دفع فعاليات المجتمع المدني إلى المطالبة بتفعيل أقصى درجات اليقظة لمواجهة هذا “النزيف” الذي يهدد أمن الطفولة المغربية.
في هذا الصدد، أوضح محمد الطيب بوشيبة، المختص في قضايا الطفولة، في حديث مع صحيفة “صوت المغرب”، أن تنامي ظاهرة اختفاء الأطفال “أصبح موضوعًا مؤلمًا وخطيرًا يستحق نقاشًا جادًا بعيدًا عن التهويل والإنكار معًا”.
وأكد على أن المعطيات المتزايدة حول هذه الظاهرة تشير إلى أن تراجع الرقابة الأسرية قد يفتح المجال أمام المتربصين بالأطفال لاختطافهم أو العبث بمستقبلهم وكيانهم كأطفال، مشددًا على أن الاستثمار في الطفولة هو الطريق الأقصر لتحقيق التنمية المستدامة، لأن الأطفال يمثلون أساس رأس المال البشري في المغرب.
وأشار بوشيبة، وهو المنسق الوطني لمنظمة “ما تقيش ولدي”، إلى أن بعض وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي قد تضخم الأخبار، لكن الواقع يثبت أن “هناك حالات فعلية تتطلب اليقظة والحذر”، مضيفًا أن المواطن المغربي اليوم يجد نفسه بين أمرين: “بين حقيقة وجود حالات فعلية، وبين تضخيم بعض الأخبار”.
وأوضح بوشيبة أن الحقيقة هي أن “هناك أطفالًا تنتهك حرمتهم، وهناك أطفال يُختطفون، وآخرون يُعتدى عليهم جنسيًا”، كما توجد أيضًا “شبكات للاتجار بالأطفال أو استغلالهم”، مستشهدًا بقضية جزيرة إبستين لتوضيح حجم الانتهاكات التي قد يتعرض لها الأطفال.
وأضاف أن مسؤولية حماية الأطفال “تقع على الجميع، كما جاء في قول الرسول صلى الله عليه وسلم: كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته”. وأوضح أن ذلك يعني متابعة تحركات الأطفال منذ الصغر ومرافقتهم حتى بلوغ سن الرشد، وعدم تركهم يواجهون المخاطر وحدهم، سواء في الشارع أو في محيطهم اليومي.
أسباب خلف النزيف
وعن الدوافع الكامنة وراء هذه الظاهرة، حتى وإن كانت الحالات محدودة، حدد بوشيبة خمسة أسباب جوهرية. أولها الهشاشة في البنية الأسرية، حيث يؤدي غياب الرقابة الأسرية والتفكك العائلي وانشغال الوالدين بمتطلبات العيش إلى جعل الأطفال عرضة للإهمال.
وثانيها الفقر والهشاشة الاجتماعية، إذ يفتقر الأطفال في الأحياء الهامشية أو أولئك المستغلون في التسول والأعمال الشاقة إلى حقهم في التعليم والتربية، مما يجعلهم أكثر عرضة للمخاطر.
أما السبب الثالث فيرتبط بالاضطرابات النفسية والانحرافات السلوكية، مثل حالات “البيدوفيليا” (الانجذاب الجنسي للأطفال)، موضحًا أن بعض المعتدين كانوا في الأصل ضحايا اعتداءات في طفولتهم، الأمر الذي قد يؤدي أحيانًا إلى إعادة إنتاج السلوك الإجرامي في مراحل لاحقة من حياتهم.
ويرتبط السبب الرابع بالمخاطر الرقمية، حيث يمكن استدراج الأطفال عبر الشبكات الاجتماعية في ظل غياب التوعية الكافية بمخاطر التواصل مع الغرباء، إضافة إلى ضعف استعمال برامج الحماية والرقابة الأبوية رغم توفرها وسهولة استخدامها.
أما السبب الخامس فيتعلق بضعف التنسيق الوقائي، المتمثل في غياب بعض الوسائل الوقائية مثل كاميرات المراقبة في الساحات العمومية وملاعب القرب ومحيط المؤسسات التعليمية، وهي وسائل أثبتت فعاليتها في العديد من الدول في حماية الفضاء العام.
كما أشار بوشيبة إلى نقص التبليغ المبكر، حيث يتردد الكثيرون في طلب النصيحة أو التوجه إلى الجهات المختصة فور الشعور بوجود خطر، سواء لدى الأسر حديثة التكوين أو غيرها.
كيف نحمي أطفالنا؟
ويرى بوشيبة أن حماية الأطفال تبدأ من الأسرة، عبر تعليمهم قواعد أساسية للسلامة الشخصية، مثل عدم مرافقة أي شخص غريب دون إذن مباشر من الوالدين، والتصرف فورًا بالابتعاد واللجوء إلى الوالدين أو أشخاص موثوقين عند الشعور بالخطر.
وأضاف أن تعليم الأطفال الاستقلالية ومعرفة حدود أجسادهم وحرمته أمر أساسي، مع ضرورة اعتماد مفهوم “الكلمة السرية العائلية” التي يمكن استعمالها للتنبيه في حالات الخطر المحتمل.
كما حذر من بعض الممارسات الخاطئة، مثل إجبار الطفل على تقبيل الأقارب أو الضيوف، مؤكدًا أن الطفل يجب أن يدرك أن جسده ملك له، وأن من حقه رفض أي تصرف خارج إرادته.
وتطرق بوشيبة أيضًا إلى مسألة مراقبة استخدام الأطفال للهواتف والإنترنت، مشددًا على أن ذلك يجب أن يتم بأسلوب تربوي يحافظ على الثقة والتواصل داخل الأسرة، بعيدًا عن الإهانة أو التسلط.
وأوضح أن المدرسة بدورها تلعب دورًا مهمًا في حماية الأطفال، عبر تنظيم حصص توعوية دورية، وتوفير أخصائيين نفسيين لمتابعة الحالات، إضافة إلى مراقبة محيط المؤسسات التعليمية وتعزيز التنسيق مع السلطات الأمنية لضمان حماية التلاميذ.
وعلى مستوى المجتمع، شدد بوشيبة على أهمية إحياء ثقافة “الحي يحمي أبناءه”، واليقظة تجاه أي سلوك مريب، مع التبليغ الفوري للجهات المختصة. وأكد أن الصمت تجاه الانتهاكات يعد تواطؤًا غير مباشر، وأن التعاون المجتمعي يشكل خط الدفاع الأول لحماية الأطفال.
أما على مستوى الدولة، فقد دعا بوشيبة إلى إلغاء فكرة الانتظار 48 ساعة قبل التبليغ عن اختفاء طفل، مشيرًا إلى أن أي تأخير قد يؤدي إلى عواقب مأساوية، مثل اختطاف الطفل أو نقله إلى أماكن بعيدة.
كما شدد على ضرورة تشديد العقوبات على الجرائم الجنسية ضد الأطفال وتسريع المساطر القضائية، حتى لا يبقى الضحايا عالقين في دوامة الإجراءات البطيئة التي قد تزيد من معاناتهم النفسية.
وأشار أيضًا إلى أهمية تعميم كاميرات المراقبة في محيط المدارس والساحات العامة والملاعب، إلى جانب دعم الجمعيات المتخصصة في حماية الطفولة، لما تقوم به من دور مهم في رصد الظواهر وحماية الأطفال من الاستغلال أو الاعتداء.
وختم محمد الطيب بوشيبة بالتأكيد على أن الطفل ليس مسؤولية الأسرة وحدها، بل مسؤولية مشتركة بين الأسرة والمدرسة والإعلام والمجتمع والدولة، قائلاً: “التبليغ حماية، والصمت تواطؤ غير مباشر. علينا جميعًا أن نعمل من أجل حماية أطفالنا، لأن الاستثمار في الطفولة هو الطريق الأقصر لتحقيق التنمية التي نحلم بها لمغربنا”.