story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
أمن وعدالة |

“ابني لم ينتحر”.. دموع وأسئلة معلقة في خيمة عزاء الشاب عمر بالبيضاء

ص ص

بحي سيدي البرنوصي بالدارالبيضاء، حيث تختلط مشاعر الصدمة بالحزن، نصبت عائلة الطالب الجامعي عمر، الذي توفي وهو رهن الحراسة النظرية بمقر الفرقة الوطنية للشرطة القضائية، خيمة عزاء ضاقت بالمعزين ولم تضق بالأسئلة المعلقة.

داخل هذه الخيمة التي أُعدت لاستقبال العزاء، يجلس والدا عمر ودموعهما لم تجف بعد، يحاولان استيعاب كيف انقطع خيط حياة ابنهما الوحيد بين ممرات مقر الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالمدينة.

خبر الوفاة الذي نزل كالصاعقة على الأسرة لم يكن مجرد بلاغ رسمي يتحدث عن “قفزة من نافذة مكتب علوي”، بل كان بداية لفصل مؤلم من البحث عن “الإنصاف” الذي طالما نشده الراحل وهو على قيد الحياة.

“ابني لم ينتحر”

تقول والدة عمر بنبرة ممزوجة بالألم، “ابني لم ينتحر، مستحيل أن يفعل ذلك، تربى في حضن عائلة محافظة ومتدينة. كان متزنا نفسيا، والدليل نجاحه وتفوقه الدراسي”، متسائلة في نفس الوقت، “هل يعقل لشخص يعاني خللا نفسيا أن ينال شهادة الماجستر في القانون بميزة مشرفة؟”.

من جهته، أشار أب الراحل إلى أن ابنه “كان يعاني من حزن عميق، بسبب إحساسه بالظلم”، على خلفية متابعته في ملف قضائي يعود لشهر شتنبر 2022، “بدأ بنزاع مع شابة وتطور إلى تهمة هتك عرض قاصر”، وهو الملف الذي لم يفصل فيه القضاء بعد.

وفي تفاصيل هذا الملف، يقول الأب، في تصريح لصحيفة “صوت المغرب”، إن “عمر أحس بظلم شديد لأن الطرف الآخر لم يكن قاصرا، وهو ما اعتبره تزويرا في المحاضر التي أشرفت عليها عميدة شرطة آنذاك”.

لم يقف عمر مكتوف الأيدي، بل سلك المساطر القانونية التي يتقن لغتها، إذ توجه إلى رئاسة النيابة العامة بالرباط بوضع شكاية ضد عميدة شرطة، بحثا عن “شفافية أكثر”، بحسب تعبير الأب، وضمانا لحسن سير الملف بعيدا عن أي تأثيرات من بعض الأطراف.

ليلة الغموض

تروي الأسرة تفاصيل يوم الأربعاء 18 فبراير 2026، “المشؤوم” بكثير من الريبة. حضرت عناصر الفرقة الوطنية للمنزل، “وبأدب طلبوا من عمر التوقيع على إذن بتفتيش البيت”، غير أن هذا التفتيش لا تزال أسبابه مجهولة للعائلة حتى اللحظة.

يحكي الأب أنه في تمام الساعة 2:00 من صباح يوم الخميس 19 فبراير 2026، استقبل الأب مكالمة هاتفية تخبره بأن عمر رمى بنفسه من نافذة مقر الفرقة الوطنية للشرطة القضائية محاولا الانتحار، وتم نقله للمستشفى الجامعي ابن رشد، هرول الأب مسرعا إلى هناك لمعرفة ما جرى، لكن قبل وصوله وهو في الطريق إلى المستشفى تلقى مكالمة ثانية تخبره أن ابنه عمر فارق الحياة.

يسترجع الأب تلك اللحظات بذهول: “رأيته في مقر الأمن قبل الحادثة ببضع ساعات، قدمنا له الطعام، كان يتحدث بشكل عادي جدا، لم يكن هناك أي شيء يثير الريبة”.

ورغم حزنها العميق، لم تغلق العائلة باب الأمل في القضاء دفاعا عن حق ابنها، وبحسب المعطيات، فإن النيابة العامة سبق وأن تفاعلت مع شكاية عمر السابقة ضد عميدة الشرطة، بحيث فتحت ولاية أمن بالبيضاء تحقيقا كان الراحل مرتاحا لمساره.

وبالموازاة مع حادث الوفاة، تلقت الأسرة “وعودا مباشرة من طرف والي الأمن بجهة الدار البيضاء- سطات، ورئيس الدائرة الأمنية بمنطقة أناسي”، خلال زيارتهما للأسرة، مؤكدين من خلالها أنه تمت مباشرة كل التحريات لكشف ملابسات ما جرى.

وفي غضون ذلك، تستعد الأسرة لتقديم شكاية رسمية للمطالبة بفتح تحقيق قضائي معمق، آملة في أن تحمل الأيام القادمة الجواب عن السؤال الذي يتردد في أرجاء بيتهم: “ما سبب وفاة عمر؟”.

رواية النيابة العامة

من جهته، أصدر الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بالدار البيضاء بلاغا، يوم الخميس 19 فبراير 2026، أعلن من خلاله أن نتائج التشريح الطبي لجثة الشخص “الذي أقدم على القفز من نافذة بالطابق الرابع بمقر الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء”، أبانت أن تعدد الإصابات التي لحقت بالهالك “تتوافق مع وضعية إلقاء المعني بالأمر بجسده من النافذة”.

وحسب نفس البلاغ، فقد أبانت نتائج التشريح الطبي الذي قامت به لجنة طبية ثلاثية أيضا، “أن الوفاة ناتجة عن مضاعفات جراء الإصابة بعدة رضوض مع كسور متعددة على مستوى الجمجمة وعظام الوجه والأضلاع والفخد مع وجود نزيف سحائي”.

وأضاف ذات المصدر أن الأبحاث الأولية أظهرت أن الهالك كان موضوع بحث قضائي بمكتب البحث الكائن بالطابق الرابع بمقر الفرقة الوطنية، مقدما روايته بخصوص الواقعة، حيث أوضح أنه “بينما كان الضابط المكلف بالبحث يهم بتنفيذ تعليمات النيابة العامة الرامية إلى إخضاعه لتدبير الحراسة النظرية وتسجيل الإجراءات المذكورة بالسجل المعد لهذا الغرض، تظاهر المعني بالأمر بالوقوف وتوجه مباشرة إلى نافذة جانبية تطل على الفضاء الداخلي للبناية وأدلى بمقدمة جسده في اتجاه الخارج ورمى بجسده من النافذة”.

وتابع أن “المعاينات التي تم القيام بها في مكان الحادث أبانت عن اقتلاع جزء من حزام بلاستيكي من إطار النافذة كما تبين أن المعني بالأمر ارتطم أول الأمر بسياج من مادة ‘الانوكس’ وذلك بفناء الطابق الأرضي نتج عنه اعوجاج عدد من أجزاء السياج المذكور، وبعد ذلك بالطابق تحت أرضي. كما تمت معاينة بقع دم بمكان الارتطام”.

وأشار المصدر ذاته إلى أنه “أقدم، مساء أمس الأربعاء، شخص كان موضوع بحث قضائي على القفز من نافدة بالطابق الرابع بمقر الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء، الأمر الذي نتج عنه إصابة المعني بالأمر بإصابات بليغة استدعت نقله على وجه السرعة إلى المستشفى، حيث خضع للإسعافات الضرورية، غير أنه وافته المنية في الساعات الأولى من صباح اليوم الخميس”.

وسجل أنه “فور إشعار هذه النيابة العامة بالواقعة، أصدرت تعليماتها بإخضاع جثة الهالك لتشريح طبي عهد به إلى لجنة طبية ثلاثية مكونة من أطباء اختصاصيين في الطب الشرعي”، كما وجهت تعليماتها إلى المصلحة الولائية للشرطة القضائية بالدار البيضاء قصد فتح بحث قضائي لتحديد ظروف وملابسات الحادث.