story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
حكومة |

إعفاء ماديحة خيير.. بين المساءلة السياسية وحماية المعطيات الشخصية

ص ص

بعد يومين فقط من تعيينها وزيرة منتدبة مكلفة بالتكوين المهني والتأهيل، أنهى قرار ملكي مهام ماديحة خيير بناء على طلب رئيسة الحكومة، في تطور تزامن مع تداول وثائق تعود إلى سنة 2004، تتعلق بقضايا جنائية وأمراض نفسية، أعادت إلى الواجهة قضية قديمة وأسئلة بشأن مساطر تعيين المسؤولين العموميين، وقضايا الخصوصية، والمسؤولية السياسية والقانونية.

وأعلن بلاغ للديوان الملكي، يوم الأحد 18 أكتوبر 2026، أن الملك محمد السادس قبل طلب رئيسة الحكومة، فاطمة الزهراء المنصوري، إعفاء خيير من مهامها، استنادا إلى الفصل 47 من الدستور. ولم يحدد البلاغ أسباب طلب الإعفاء أو يربطه بالوثائق المتداولة.

وتتعلق الوثائق المتداولة بمقال منسوب إلى جريدة “الصباح”، يعود إلى أبريل 2004، ويتناول قضية شيكات واستعمال وثائق شخصية ببني ملال، إلى جانب شهادة طبية مؤرخة في 12 يونيو من السنة نفسها، تتضمن معطيات صحية خاصة.

حول مساطر الاستوزار

أعاد تداول هذه الوثائق طرح تساؤلات بشأن إجراءات التحقق من المعطيات المتعلقة بالشخصيات المرشحة لشغل المناصب الحكومية، ومدى اطلاع الجهات المعنية بالتعيين على القضايا التي قد تكون لها صلة بالمسؤولية العامة.

وفي هذا السياق، استبعد مصدر قيادي من داخل حزب الاستقلال، وجود تقصير مؤسساتي في إجراءات التعيين، مشيرا إلى أن مؤسسات الدولة “تجري تحريات قبل تعيين المسؤولين”. ولم يقدم المصدر تفاصيل بشأن طبيعة هذه التحريات في حالة خيير، أو ما إذا كانت القضية التي أعيد تداولها قد أثيرت قبل تعيينها.

وقال المصدر، الذي طلب عدم الكشف عن هويته، إن اللجنة التنفيذية لحزب الاستقلال أبدت تضامنها مع خيير، معتبرا أن ما أثير بشأنها “يندرج ضمن حملة تستهدفها لأغراض سياسية”.

وأضاف أن الوزيرة تأثرت بشدة خلال اجتماع اللجنة التنفيذية “وبكت تحت ضغط ما تعرضت له على مواقع التواصل الاجتماعي”، مشيرا إلى أن الحملة امتد أثرها إلى محيطها الأسري وأطفالها.

الفصل 47.. من بادر إلى الإعفاء؟

ينظم الفصل 47 من الدستور حالات إعفاء أعضاء الحكومة، إذ يتيح للملك، بمبادرة منه وبعد استشارة رئيس الحكومة، إعفاء عضو أو أكثر من مهامهم. كما يخول لرئيس الحكومة أن يطلب من الملك إعفاء عضو أو أكثر، سواء بمبادرته أو بناء على استقالتهم الفردية أو الجماعية.

وفي حالة ماديحة خيير، أفاد بلاغ الديوان الملكي بأن الملك توصل بطلب من رئيسة الحكومة لإعفاء الوزيرة المنتدبة، قبل أن يقبل الطلب طبقا لأحكام الفصل 47 من الدستور. غير أن البلاغ لم يوضح ما إذا كانت رئيسة الحكومة قد بادرت إلى طلب الإعفاء، أم أن طلبها جاء بناء على استقالة فردية تقدمت بها خيير.

ويرجح المصدر القيادي من حزب الاستقلال أن تكون الضغوط التي تعرضت لها خيير “قد دفعتها إلى طلب إنهاء مهامها حفاظا على أسرتها”، لكنه أكد عدم توفره على معلومة رسمية تحسم هذه الفرضية.

الصحة النفسية وأهلية المسؤولية

في قراءته للموضوع من منظور الصحة النفسية، شدد الدكتور إدريس المساوي، الأخصائي في الصحة النفسية، على ضرورة التمييز بين التاريخ المرضي النفسي وبين أهلية الشخص لممارسة مسؤولياته المهنية والعامة، معتبرا أن “الخضوع للعلاج أو المرور باضطراب نفسي في مرحلة سابقة لا يمنع، في حد ذاته، من تولي المسؤوليات”.

وأشار المساوي، في حديث مع صحيفة “صوت المغرب”، إلى دراسة وبائية أُجريت بالمغرب بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية، قال إنها أظهرت أن “نحو 48 في المائة من المغاربة عانوا من مشكلات نفسية في مرحلة ما من حياتهم”. واعتبر أن تقييم الأهلية “ينبغي أن ينصب على مدى تأثير الحالة الصحية في أداء المهام، وليس على مجرد وجود تاريخ مرضي”.

وفي المقابل، يرى المساوي أن ثبوت أفعال تمس القانون أو المصلحة العامة “يطرح مسؤولية أخلاقية وقانونية مستقلة عن الحالة الصحية”، مضيفا أن المسؤول الذي تثبت في حقه وقائع من هذا النوع يتحمل مسؤولية بشأنها. واعتبر أن تقديم الاستقالة يصبح، في مثل هذه الحالة، “واجبا أخلاقيا لا يرتبط بالحالة النفسية للشخص”.

ويشدد المساوي على أن المرض النفسي “لا يعفي من المسؤولية عن الأفعال المخالفة للقانون إذا ثبت ارتكابها”. أما تقييم الأهلية فيظل، بحسب الأخصائي، مرتبطا “بمدى تأثير الحالة الصحية في أداء المهام، لا بمجرد وجود تاريخ مرضي”.

بين الخصوصية والمساءلة

من جهته، اعتبر عادل تشكيطو، رئيس العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان، أن القضية الأساسية في تداول الملف لا تقتصر على التشهير بشخصية سياسية، “بل تشمل تسريب ونشر وثائق شخصية وسرية لمواطن”، قال إنها كانت مودعة لدى الإدارة العامة.

وشدد تشكيطو على أن حماية الخصوصية “حق لا يتجزأ، ولا ينبغي أن يختلف باختلاف صفة الشخص، سواء كان وزيرا أو مواطنا عاديا”. ولفت إلى أن تداول الوثائق الشخصية “يطرح سؤالا بشأن قدرة الإدارة على حماية أسرار المواطنين ومعطياتهم، ومنع وصولها إلى جهات أخرى ونشرها على مواقع التواصل الاجتماعي”.

وحذر رئيس العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان الصحافيين من توظيفهم في تصفية الحسابات السياسية، معتبرا أن “حصول الصحافي على ملف يتضمن وثائق طبية ومحاضر وأحكاما قضائية بالتزامن مع إعلان تعيين حكومي يثير تساؤلات بشأن الجهة التي تقف وراء تجميعه وتداوله”.

ودعا تشكيطو إلى التزام المهنية وعدم الانجرار إلى هذه الصراعات. وأضاف أن “الحصول على وثائق في إطار العمل الصحافي لا يبرر نشر الخصوصيات والوثائق الشخصية”.

وأشار الحقوقي إلى أن نشر هذه الوثائق لا يقتصر أثره على الشخص المعني بالشأن السياسي، “بل يمتد إلى أفراد أسرته ومحيطه، ممن لا علاقة لهم باختياراته المهنية والسياسية”.

وفي السياق نفسه، تساءل محمد الزهاري، نائب الكاتب العام لـ”ترانسبرانسي المغرب”، عن الجهة التي سربت الشهادة الطبية في هذا التوقيت، معتبرا أن تحديد مصدر الوثائق وظروف تداولها جزء من الأسئلة التي تستدعي التوضيح، إلى جانب التحقق من المعطيات المرتبطة بالقضية القديمة.

ومن وجهة نظر الزهاري، فإن القضية “لم تعد مقتصرة على الحياة الخاصة، بل أصبحت قضية رأي عام بالنظر إلى الصفة الوزارية والبرلمانية التي كانت تشغلها خيير”.

واعتبر الزهاري أن المعطيات التي تداولتها منابر إعلامية بشأن “ارتباط الشهادة الطبية بمسطرة قضائية تعود إلى سنة 2004، وبقضية شيكات قيل إنها استُعملت في عملية نصب، تستدعي التحقق من صحتها وتوضيح مآل المسطرة القضائية وعلاقة الشهادة بها”.

ودعا الزهاري الجهات القضائية المختصة إلى توضيح ملابسات القضية للرأي العام والآثار القانونية المحتملة، كما طالب بتوضيحات بشأن ظروف إعداد الشهادة والجهة التي أدلت بها، وما إذا كانت قد استُعملت ضمن مسطرة قضائية أو إدارية. وتساءل أيضا عما إذا كانت القضية “قد خضعت للمسطرة القضائية، وما انتهت إليه، وما إذا كانت المعطيات المتداولة قد أُخذت بعين الاعتبار ضمن إجراءات التحقق السابقة للتعيين”.