“إبستين”.. الجزيرة الشيطانية
فضيحة “إبستين”، في صيغتها التي تشغل العالم حاليا، ليست مجرد فضيحة أخلاقية تُغذّي شهية الجمهور للإثارة، ولا مجرد ملف جنائي أمريكي يخصّ سجون نيويورك ومحاكمها، بل هي مرآة كاشفة لوجه قبيح ظلّ “العالم الحر” يُتقن إخفاءه خلف لغة الحقوق والديمقراطية، ثم لا يجد حرجا في أن يُلقي علينا دروسا في الأخلاق والسيادة وهو يحمل في جيبه مفاتيح غرف أخرى، تُدار فيها السلطة والمال والرغبة والابتزاز على الطاولة نفسها.
بعد جزيرة “غوانتانامو” التي مارست فيها أكبر ديمقراطية في العالم صنوف الاعتقال والتعذيب خارج أي قانون، ها نحن أمام جزيرة أخرى تبيّن بالوثائق والملفات الرسمية أنها كانت مسرحا لفواحش أخلاقية وسياسية، وأفاعيل مسّت قاصرين من الأفراد والدول والشعوب، وفي الصورة طيف واسع من كبار المسؤولين السياسيين والاقتصاديين والمقررين في مصائر كوكب الأرض.
ولأن الكلام في مثل هذه القضايا يُتّهم بسهولة بالمزايدة أو التحامل، فدعونا نلتزم في هذا المقال بطرح الأسئلة البسيطة والبديهية ثم محاولة الجواب عنها، والبداية بطبيعة ما نشر.
المصدر هنا ليس منشورا ولا تدوينة طائشة ولا منصة “وكيليكس” جديدة، بل وزارة العدل الأمريكية نفسها التي أعلنت أنها نشرت، يوم 30 يناير 2026، ما يقارب 3,5 ملايين صفحة استجابة لقانون الشفافية الخاص بملفات “إبستين”، إضافة إلى أكثر من 2000 فيديو و180 ألف صورة.
هذه ليست مجرد أرقام؛ بل إعلان رسمي بأن الدولة الأمريكية كانت تمتلك منذ سنوات أرشيفا يشرح، بالصوت والصورة والوثيقة، كيف يمكن أن تتحول أجساد القاصرات إلى عملة في سوق النفوذ، وكيف تُصنع حول الجريمة طبقة حماية لا تُرى بالعين المجردة. سياسيون ومحامون، وسماسرة علاقات، وحلقات تمكين، ومناطق رمادية بين القانون والمال.
وما يجعل المسألة أخطر من مجرد فحش جنسي، أن فساد السلطة هنا ليس تفصيلا، بل هو جوهر القصة. فحين يُستدرج طفل نحو الاستغلال الجنسي، ثم تُصنع حوله حلقة صمت، ثم يصير الصمت نفسه “رأسمالا” يُستثمر في الابتزاز وترويض الخصوم وإخضاع الأصدقاء؛ يصبح السؤال الحقيقي: من الذي كان يُشتري؟ الجسد فقط أم القرار أيضا؟
لنبدأ من الأساس الذي يضيع وسط الضجيج: من يكون “إبستين”؟
هو جيفري إبستين، رجل مال وأعمال قدّم نفسه لسنوات بصفة الممول وصانع العلاقات. بنى حوله شبكة كثيفة من الأثرياء والسياسيين والمشاهير وكبار قادة الدول والكيانات، قبل أن ينقلب اسمه إلى علامة عار عالمية بعد اتهامه بإدارة منظومة استغلال جنسي واتجار بقاصرات، كآلية اشتغال كاملة تقوم على الاستدراج والحماية والابتزاز.
انتهى إبستين إلى زنزانة في نيويورك سنة 2019 حيث كان ينتظر محاكمة فدرالية، ثم خرج منها جثة، في رواية رسمية تقول إنه “انتحر”.
لكن لماذا انفجر كل شيء الآن وبهذه الصيغة؟
رسميا، ما حدث ليس تسريبا، بل إفراجٌ مؤسساتي يفرضه القانون الذي تشير وزارة العدل إلى أنه وقّع في 19 نونبر 2025، وأن نشر هذه الدفعات جاء لإتمام الالتزام به.
وإذا كان نشر الوثائق يُفترض أن يكون انتصارا للشفافية، فإن أول ما كشفته القصة هو أن الشفافية نفسها قد تتحول إلى عنف ثان ضد الضحايا حين تُدار ببرودة بيروقراطية.
محامو بعض الضحايا قالوا إن طريقة النشر شهدت أخطاء في الحجب والتوضيب وصلت حدّ كشف هويات، بينما ظلّ “الجناة” أقل حضورا في الضوء من الضحايا أنفسهم.
ثم هناك قصة الجزيرة التي تُختزل في كلمة وتضيع حقيقتها في خيال المؤامرة. المقصود هنا جزيرة “ليتل سانت جيمس”، واحدة من الجزر العذراء الأمريكية، كانت تعتبر ملكية خاصة لإبستين حتى صارت تُعرف عالميا بـ”جزيرة إبستين”. خطورتها ليست في الاسم، بل في الوظيفة. مكانٌ معزول، يُدار بعقلية الملكية الخاصة شبه المقدّسة في أمريكا، لا بعقلية المجتمع. تُنقل إليها فتيات لأن العزلة هنا جزء من الجريمة، وحيث البحر هو قفلٌ إضافي، و”شريك” جغرافي في الفحش المراد إخفاؤه.
في الحقيقة، لا تضيف هذه الدفعة من الوثائق والصور طقوسا “خرافية” كما يتخيل هواة الهلع، لكنها تضيف ما هو أخطر، وهو البرودة في ارتكاب الأفعال والتآمر والتواطؤ.
تفاصيل مراسلات، وترتيبات، ومشاهد مصورة تثير القرف والتقزز. وهنا تحديدا تكمن فداحة الفضيحة: أن القذارة لم تكن لحظة انفلات عابرة، بل كانت نظام عمل وبناء شبكات تأثير ونفوذ. وأن الاستغلال لم يكن انحراف فرد، بل صناعة قائمة الذات؛ وأن ذلك القاصر لم يكن إنسانا في نظر الشبكة، بل “شيئا” داخل صفقة متكاملة الأركان.
ومتى صار الإنسان “شيئا”، تصبح السياسة قابلة للشراء بالطريقة نفسها. ليس لأن لدينا وثيقة تقول حرفيا “هذه حربٌ بدأت بسبب هذا الفعل”، ولكن لأن المنطق واحد. من يملك مادة ابتزاز على شخص نافذ، يملك جزءا من قراره، ومن يملك قرار النافذ يملك هامشا من مصير الناس.
لهذا تُولد، تلقائيا، كل النظريات التي تربط الإفراج عن الملفات بتوترات كبرى، ومنها ما يُتداول عن ضغوط إسرائيلية على واشنطن، مرتبطة بالحرب على إيران؛ وهو ربطٌ لا دليل مباشر عليه، لكنه يزدهر لأن الناس تعلّمت، بالتجربة، أن صفقات النفوذ تُدار أحيانا في الهوامش القذرة التي لا تظهر في البلاغات الرسمية.
أما عن سؤال “ماذا بعد؟” فهنا ينبغي أن نقرأ النص القانوني لا المزاج الشعبي. تقول وزارة العدل الأمريكية إن عليها استكمال التزامات لاحقة وتقديم توضيحات حول ما نُشر وما حُجب، مع استمرار الجدل السياسي حول اكتمال الإفراجات وتدقيق التنقيحات، ومع ضغط تشريعي وقضائي وإعلامي يتوقع أن يتصاعد.
تشريعي لأن نوابا سيطلبون الوثائق الأصلية دون تنقيحات، وقضائي لأن دفاع الضحايا سيواصل العمل كي لا تتحول الشفافية إلى إذلال جديد، وإعلامي لأن حرب الروايات ستظل تسبق الحقيقة وتخلط بين الاتهام والدليل.
الخلاصة التي تهمّنا نحن، بعيدا عن متابعة الفضيحة كأنها مسلسل، أن هذه الواقعة تكشف الوجه القبيح الذي يُدار به العالم حين يتصالح المال مع الشهوة ومع الحصانة، ثم يطلب من بقية البشر أن يلتزموا بالأخلاق والقانون.