ألعابُ خفّة اليد في قصّة أخنوش
نعرف نصف معلومة، وأرباع حقائق بشأن مغادرة عزيز أخنوش لقيادة حزب التجمع الوطني للأحرار. من يكتب غير هذا يدّعي. لا شيء واضحٌ. وفي غياب الحقائق الكاملة، من حقّ أيٍّ كان أن يخُطَّ السيناريوهات، بعد مقاطعة المعطيات المتاحة، على قلّتها. ودوماً، يكون درسُ التاريخ مفيداً لفهم السياسة.
ما يتوفّر من وقائع يشير إلى أن أخنوش، على الأرجح، طُلب منه أن يترجّل عن قيادة الحزب، وتالياً عن الحكومة. ليس في الوُسع أن تتحمل الدولة وزناً زائداً عن اللزوم. في ميزان النظام السياسي، هي حِسبةٌ شديدة البساطة: متى مالَ حسابُك إلى السالبِ تكون عبئاً، وانتظر قيامَتك حين ينادي منادي المخزن ليُخبرك: “اللي زار يخفّف”.
الحقيقة الثانية، أنّ لا أحد “خالدٌ” في “قانون” النظام السياسي المغربي إلا الملكية ذاتها، باعتبارها مؤسسةً، لا كأشخاصٍ يتعرّضون بدورهم للفناء: مات الملك، عاش الملك.
أخنوش، وإن كان متحوِّرا في جينات الرأسمال الوطني، فأنا من المقتنعين باستمرار بأنه رقمٌ على هامش البنيّة الكليّة. من “المارّين بين الكلمات العابرة”، الذين نَظَمَ فيهم محمود درويش “احملوا أسماءكم وانصرفوا”.
قطعا، منذ أشهر تحوّل أخنوش إلى رئيس “حكومة تصريف أعمال”. بالتدريج، قَضَمت السلطة الفعلية في البلد من مساحاته لحساب وزارة تتوارى وتتقدّم بحسب المصلحة، لكنها تبقى وزارةً “فوق حكومية”، وخميرة الخِبرة، وبعض قِشْدة عقل السلطة: الداخلية.
سُحِبت من يد أخنوش كثير من الملفات، وكانت الرسالة واضحة: الاستمرار على نفس النّهج موردٌ للأزمات. أو لعلّ السلطة تضعه في قلب الفُرْن الشعبي حتى يبقى اللّهب بعيداً، وهو يقبل بالدور، وفق قواعد لعبةٍ يُدركها جيّدا، وإن اجتهد في “المزاحمة” على كعكة الإنجازات، قبل أن يتمّ تحجيمه.
أخنوش شكّل تكثيفاً للغضب الشعبي خلال احتجاجات “جيل زد” مثلا، وقبلها وبعدها، وكان سبباً في تذكير لاذع بشعار اجتهدت الدولة ما بعد 2011 حتى لا تعود إلى سماعه في الشارع: فصل السلطة عن الثروة.
سيبقى مرور عزيز أخنوش من رئاسة الحكومة مرتبطاً، أكثر شيء، بتضارب المصالح.
منشأُ خطأ التقنوقراط في الحِساب ( وإن سُيِّسوا) أنهم يعتقدون كل شيء مجرد أعداد ومعادلات، وأن تدبير شؤون شعب يمكن أن يتجسّد في جداول تُعرض على الشاشات، وأن السلامة القانونية تطابق باستمرار السلامة الأخلاقية والسياسية.
ستبقى شبهة تضارب المصالح العلامة الأسوأ في جردة حساب ولاية أخنوش خلال رئاسة الحكومة الممتدة من 2021. سيتذكّر الجميع لحظة استغلاله منبر البرلمان للدفاع عن استثمار إحدى شركاته. اختار لحظتها سقوطاً سياسياً وأخلاقياً حين فضّل الصفقة والمال على التزام القانون وروح القانون.
الناس تتحسّس من وجود الأثرياء في السلطة. دوماً يحتاج رجال الأعمال، أكثر من غيرهم، قدراً هائلا من الاجتهاد للإقناع بأنّ ما يعنيهم هو خدمة الصالح العام، وأنهم مستغنون حين اختاروا التطوّع للخدمة العامة.
والناس عادةً لا تثق في السياسيين في الأنظمة السلطوية أو الهجينة، لهذا تهجر صناديق الاقتراع وتعتقد أن الانتخابات لعبةٌ سمجة على هامش الاهتمام. أما إذا كان السياسي يُعبِّر عن مركبات مصالح رأس المال، فيصير الأمر أكثر التباساً وإثارة للتحفّظات.
خطيئة أخنوش أنه منح “الجمهور” كل وسائل الإثبات للاقتناع بأنه باطرون يرأس حكومة، وأنه “زعيم أوليغارشية” اشترى انتخابات، بمساعدة السلطة نفسها، لخدمة مصالح أقليّة.
ولم يتأخر كثيرٌ من موظفي شركاته، الذين أصبحوا وزراء، في إثبات الشبهة. محمد سعد برادة نموذج مفيد للإيضاح. هو عضو سابق في مجلس إدارة شركة “إفريقيا غاز” التابعة لهولدينغ “أكوا” المملوك لرئيس الحكومة. بالكاد دخل مقرّ وزارة التربية الوطنية حتى انتعشت صفقات شركة أدوية يملك أسهماً فيها.
من داخل الحزام السياسي لعزيز أخنوش كانت تُشْتَمُّ رائحة الانتفاع السياسي والتشريعي من بعيد. يتذكّر الجميع كيف فُصّلت قوانينٌ على مقاس مصالح أفراد، وكيف صُرف المال العام في سبيل “دعم” لم ينل منه الشعب شيئا وذهب كلّه إلى حسابات محظوظين ينتمون للعائلة السياسية لرئيس الحكومة.
كان “زعيم الأحرار” ومن معه يتعاملون مع الولاية الحكومية بمنطق الفرصة والهمزة التي يجب استغلالها قبل أن يُغلق القوس، لهذا تحوّل أخنوش وحزبه إلى “قِبلة” لانتهازيين، من عاداتهم تحديد اتجاه “الرياح السياسية” قبل التموقع، بنية الانتفاع السياسي. قبل الأحرار، كان الأصالة والمعاصرة محَجّاً لهذا النوع، قبل أن تُفسِد احتجاجات الربيع العربي الطبخة.
أخنوش نجح في جمع الحزب حول اسمه و”دفتر شيكاته”. حوّله إلى حزب الزعيم، حتى “صار رأساً أكبر من الجسم”، بتعبير الزميل يونس مسكين. وبقدرِ هذا النجاح، قد يكون التراجع وهو يسلّم الحزب “الأول” بموجب صناديق الاقتراع إلى رجلٍ مغمورٍ بالكاد تتذكّر اسمه: محمد شوكي، الذي جيء به أيضا، لكن هذه المرّة خارج كلّ توقّع وبدون “تسخينات” كتلك التي على عهد “تعيين” المنصوري ومزوار وأخنوش.
وللعلم، شوكي أيضا عضو سابق في مجلس إدارة شركة “إفريقيا غاز” التابعة لمجموعة “أكوا”.
شوكي له أيضا سابقة انتماء لحزب الأصالة والمعاصرة المعجون أيضا بماء السلطوية ذات زمن سياسي. وهو أيضا ممّن يفهمون جيّدا في اتجاه “الرياح السياسية”، بدليل تعيينه رئيساً للفريق التجمعي في البرلمان بعدما كان منسقاً جهوياً لـ”البام”، ويتمّ تجهيزه الآن لـ”التدبير المفوّض” للأحرار، بحسابات جديدة، تختلف غالباً عن حساب مرحلة أخنوش.
في الأخير، أخنوش نفسُه أُوتي به وأُعطي حزباً.. ومن أعطاهُ أخَذَ، بكل بساطة. هذا هو حزب التجمع الوطني للأحرار.
أما من يعصُر الوقائع ليُبشّر بنموذج الديمقراطية الحزبية في التجمع الوطني للأحرار بقيادة أخنوش فيجنح به الخيال إلى مذاهب تثير السخرية.
في الذاكرة أن أخنوش ترك “الأحرار” حين اختار الحزب معارضة حكومة العدالة والتنمية، ثم استُدعي لمنصب رئيس التجمع الوطني للأحرار معوِّضاً صلاح الدين مزوار، الذي جيء به أيضاً ليأخذ رئاسة الحزب من مصطفى المنصوري الذي رفض “تفويت” الأحرار لـ”البام”. هذا هو حزب الحمامة، خالياً من أيّ دسمٍ سياسي، إلا حفظاً لتوازنات في المشهد السياسي تبقى بيد من بيده “الحلّ والعقد”. والحزب، حتى مع أخنوش، وفيّ لنفسه في استبدال الرؤساء، ولا جديد.
أخنوش مارس “التدبير المفوّض” لحزب التجمّع الوطني للأحرار، ونجح في مهمّات سياسية، بينها إخراج عبد الإله بنكيران من المشهد ما بعد 2016، وهزيمة العدالة والتنمية بالطريقة المعلومة في 2021، قبل أن يتولى رئاسة الحكومة. ويبدو الآن أن “التفويض” سُحب لأجل ترتيبات جديدة.
النظام السياسي يبعثُ بإشارة أخرى: لا ولاية ثانية لأي رئيس الحكومة حتى الآن. أما إذا كان الرئيس عنوان غضب شعبي، فالأمر أَيْسر وأقلُّ تعقيدا في عقل السلطة.
قصارى القول
بحِسبة رجل الأعمال، ربح أخنوش. هو وزيرٌ للفلاحة منذ 15 أكتوبر 2007 (حكومة عباس الفاسي) إلى 10 شتنبر 2021، ثم رئيسا للحكومة إلى الآن ( قضى 18 سنة في الحكومات بين وزير ورئيس حكومة)، ولا يزداد إلا غنى. في نسخة مجلة فوربس (1 أبريل 2025) بشأن قائمتها لأغنى أغنياء العالم، ضمّت، كالعادة، اسم أخنوش، بعد الرئيس التنفيذي لمجموعة الضحى أنس الصفريوي، والرئيس التنفيذي لمجموعة بنك أفريقيا عثمان بنجلون، في المرتبة 16 في القائمة الأفريقية.
أخنوش الذي يبلغ من العمر الآن 65 سنة، عاش أكثر من رُبع حياته وزيراً، ولم يزدد خلالها إلا ثراءً. لم يترك العمل الحكومي لأزيد من 18 سنة لأنه لم يشعر خلالها بالحاجة للتفرغ لأعماله، لأن استثماراته لم تتضرر بسبب استوزاره كل هذه الأعوام الطويلة، بل تعاظمت. أخنوش، العابر للحكومات منذ 2007، تقنوقراطياً أو “مصبوغا”، ثم “مدبوغا”، رفقة آخرين، عنوانٌ صارخٌ لشبهة تضارب المصالح، ولممكنات استفادة الثروة من السلطة، أو زواجهما.
وبحِسبة السياسة، سيُرجِع أخنوش الحزب الذي أُعطيَ، ويُفترضُ أن يُصْرَف بعد الانتخابات للعودة إلى أصله: وحشاً اقتصاديا، مدجّجاً هذه المرة بشبكة علاقات أوسع، وبنفوذ أقوى. إلا إنْ قرّر عقل السلطة تخريجة على شاكلة أفعال محترفي خفّة اليد. ففي قُبَّعة الساحر دوماً مفاجآت.